ميامي (فلوريدا) ــ غسان الحردان

قد يُفاجأ كثير من المتحمّسين للفن حين يعلمون بوجود مجموعةٍ كبيرة من أعمال الفنان الإسباني سلفادور دالي (1904 – 1989)، متجمّعة في مدينة سانت بيترسبرغ في ولاية فلوريدا الأميركية، في متحف يحتوي على أكبر مجموعةٍ من أعماله خارج أوروبا. وقد يكون الفنان المعروف بغرابة أطواره هو الأكثر سعادة لو بُعث حياً، هو الذي قال، يوماً، إنه يشعر بسعادة عظمى حين يستيقظ من نومه ويجد أنه سلفادور دالي. يقع هذا المتحف على حافّة الواجهة البحرية للمدينة، في مبنى يضمّ في أجنحته أكثر من ألفي عمل فني، منها ما رُسم بالألوان الزيتية، ومنها ما رُسم بالألوان المائية، إلى جانب منحوتاتٍ وأعمالٍ من خاماتٍ مختلفة. يرجع أصل فكرة إقامة هذا المتحف إلى الزوج الأميركي، ألبرت رينولدز وإليانور مورس، خلال زيارتهما لأحد معارض دالي في كليفلاند، في ولاية أوهايو، قبل زواجهما عام 1942. وهناك، افتُتنا بأعمال الفنان، وابتاعا أول لوحة من لوحاته بعد وقت قصير. وسيكون هذا الاهتمام بداية لأربعين عاماً من علاقة إعجاب وصداقة جمعتهما بدالي، نتج عنها امتلاكهما مجموعة واسعة وأصلية من أعماله. أدرك الزوجان، بعد ربع قرن من التجميع، أن مجموعتهما يمكن أن تُصبح متحفاً مستقلّاً يحتاج إلى مكان إقامة دائم يعرضها. وبعد بحث طويل، قرّرا نقل مجموعتهما إلى مستودع بضائع في حوض السفن في سانت بيترسبرغ، وجرى افتتاح ما سيحمل اسم “متحف دالي” بعد ذلك، في 7 آذار/ مارس 1982. وفي 2008، اختير للمتحف موقع جديد يُشرف على الواجهةِ البحرية هناك. الفنان، الذي أطلق عليه رائدُ السوريالية أندريه بريتون لقب “آفيدا دولار”، أي عابد الدولار، بعد أن مجّد الدكتاتور العسكري الجنرال فرانكو، ساهمت غرابة أطوارِه ومظهرِه في تقديمه كممثّل بارز للحركة السوريالية في القرن الماضي. ويبدو أن فناناً من هذا الطراز ذا تقلبات مستهجنة في نظر زملائه في الحركة السوريالية، احتاج إلى متحفٍ يماثل غرابته، فكان الموقع الجديد عملاً فنياً شبه سوريالي في مظهره، وضع مخطّط إنشائه يان ويموث ليكون محاكاة من هذا المعماري لمخيّلة دالي. حين يدخل الزائر المبنى يواجهه سلّم لولبي مستوحى من الأشكال اللولبية التي تظهر في لوحات دالي. ومنه يدلف إلى الطابق الثاني، ومنه إلى أعلى المبنى حيث قاعة زجاجية أمامية عالية السقف تُدعى “قاعة اللغز”، تضمّ 900 مثلّث زجاجي مختلفة الأحجام تشغل فضاء القاعة كلّه.

يحتوي الطابق الثاني على معرضين، يُدعى أحدهما “جناح توم وماري”، يعرض أكثر لوحات الفنّان شهرة، والثاني يقدّم صوراً لمناسبات خاصّة ومعروضات تتعلّق بها. وسيُفاجأ من يعرفون دالي كفنّان سوريالي بتنوّع أعماله المعروضة تنوّعاً هائلاً؛ فهناك الكثير من أعماله المبكّرة والتي تشتمل على لوحات تصوّر أشخاصاً ومشاهد طبيعية، إضافة إلى أكثر أعماله شهرة، بما فيها صور الوجوه المزدوجة واللوحات الدينية. في جناح “توم وماري”، نُظّمت أعماله تنظيماً زمنياً يمثّل أربعة أساليب ومراحل رئيسية هي: الأسلوب المبكّر، ثمّ الأسلوب المعادي للفن، وصولاً إلى السوريالي، ثم أعماله في سنواته الأخيرة. وسيكون مصدر متعة للمهتمّين بفن دالي أن يشاهدوا لوحة عجيبة لا تستقر على مشهد محدّد تُدعى “لنكولن كما يراه دالي”، تبدو فيها صورة فتاة تدير ظهرها للمُشاهد، متداخلةً مع صورة وجه يمثّل الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن. هذه اللوحة تجعل المشاهد ينظر إليها بين شك ويقين، ويعيد النظر ليعرف ماذا تمثّل تحديداً، وقد يصل إلى نتيجة أو لا يصل. بعض أعمال دالي الجدارية يمكن مشاهدتها أيضاً، في المعرض الرئيسي، ومنها لوحة “اكتشاف كولومبوس لأميركا” كاملة بارتفاع 14 قدماً وعرض تسعة أقدام.
– See more at: https://www.alaraby.co.uk/cult