كتب الروائي أسعد الجبوري:

عندما حدثتني دفلى عن أصحاب الريش الذين رافقوا هبوطها من تلك السماء إلى الأرض، بأنهم فئة من الملائكة، اعتبرت ذلك التصريح بمثابة بداية لإلهام ستعيشه الفتاة لاحقاً.
لا أدري، إن كانت حياتها السابقة في الأعالي، قد قضتها مع ذلك الجنس من المخلوقات أم لا؟!
لكنها كما عرفتُ، تحاول التمرّن على استعادة الطبيعة الأولى لتاريخها الأرضي على الرغم من قصر فترته .
أما إذا لم تستطع التعايش مع البشر، سيكون عندها الاحتياطي اللازم من تلك الكائنات الملائكية التي ستوفر لها جميع رغباتها، دون الاعتماد على أهل الأرض. هذا برأيي الشخصي.
لذلك كانت ملامستي الأولى لدفلى على الأرض، بمثابة اختبار للقوى الكهرومغناطيسية التي يملكها كل جسد منا.
وسأقول عن تلك اللحظة شيئاً خاصاً:
أدركتُ أن البنت دفلى قد تمكنتْ من اللعب مع الأزمنة والأمكنة لعبة القط والفأر.
بعبارة أدق، أن الفتاة التي ظهرت لي في مكان، سرعان ما أخذتني معها إلى آخر. لقد باتت فتاة ملهمة جنسياً وقادرة على الإثارة بشكل فاتن وأخاذ إلى درجة كبيرة.
أنا ودفلى في مختبرات دائمة من التمارين المشتركة، سواء على الأرض أم في السماوات أمْ في الرؤى التي عادة ما نتكامل في شبكتها العنكبوتية.
ذات مرة. . كانت غرفتنا في الفندق المطل على البحر في مدينة ( أور) أشبه بخيمة سيرك للألعاب الشهوانية المختلفة، حتى أنني وفي ليلة مُدلَهِمّة شديد الحرارة، افتكرت خارطة الطريق لرحلة سيدنا إبراهيم من بحر أور حتى حران.
• عن أي بحر تتحدث. فلم يكن في أور غير رمل وطين يصنعون به الأوثان.
سألتني دفلى محتجةً ونحن جالسين بثياب النوم على تلك الشرفة المطلة على مجرى نهر الفرات في مدينة الناصرية الشهيرة بالفن والأدب.
فيما كان أصحاب الريش يراقبوننا عن كثب من على سطح الفندق.
لم أعتبرهم جواسيس، بقدر ما حاولت النظر إليهم كمرافقين (بودي كارديه) لحراستها ومعرفة ما تؤول إليه أمورها على الأرض. ربما أكون مخطئاً في مثل ذلك الاعتقاد. أو قد أكون مُضَلَلاً وأعمى العقل والعين والقلب على حد سواء.
• أظن أن بحراً كان يجري من مدينة( أور) إلى هنالك في أقصى قرية” الطوف” النائمة في نصف الجزيرة العربية.
أجبتُ على سؤال دفلى بشيء من عدم الاكتراث. فردّت:
• لم أتوقع غير وجود بحار من البشر هنا. فيما المياه على هذه الأرض، اختفت بسبب الشمس وزحف الصحراء.
• لم تكن الصحراء لتأتي إلى هنا، لو لا وجود حواضن الرمال.
• رائع يا طارق. فما تقوله عن جفاف التراب، هو نفسه ما يتعلق بجفاف العقول.
• لو كان في رأسي عقل يا دفلى، لجعلته مَركباً، أرمي به نفسي وأغادرُ هذا المكان الذي لا أعرف كيف وصلته، ولا متى وُجدت أنا على أرضه هنا!!؟
• لا تخف شيئاً. فنحن نُولدُ في مدن ونموتُ بأخرى، ثم نبعث بمدن جديدة، دون دراية أو معرفة بما يجري لنا على هذا الكوكب أو على بقية المجرات والأفلاك الأخرى.
• هذا ما توصلت إليه الآن. فالأمكنة تتبادل الأدوار ما بين الموتى والأحياء. كل قارّة تدخل في الأخرى، لتنشئ مدنها الجديدة. خريطة العالم الأرضي، لم تبق تلك الصورة الإستراتيجية الثابتة، بقدر ما هي نتفُ مدن وفتافيت غابات وجبال وأنهر وأقوام، سرعان ما يتحولون من طور إلى آخر.
• هل تريد مغادرة هذه الزقورة التي قام ببنائها الملك (أور نمو) لعبادة (نانا) آلهة القمر؟
• ليس من السهولة بمكان أن نترك البلاد السومرية، ونتخلى عن أور المسكونة بالعبيد والمليئة بالقرى والمستوطنات الزراعية والمُحصنة بالطوب المحروق، والمعابد والزقورات.
بل، وليس هيناً على المرء أن يترك( نانا) وحيدة دون زواج، ويفرّ من أور.
• لا تخف على نانا. فلن تبقى عانساً إلى الأبد.
سيكون عليها أن تختار عبداً شديد العضلات لتَقْترن به.
• ولكن كيف نمضي من هنا؟هل ينتظرنا باصٌ لنقل الركاب؟
• لا تفكر بذلك. فنحن لو أردنا الرحيل من هنا، فذلك لن يدفعنا لأن نحرك ساكنا في أجسادنا. بعبارة أخرى:يمكن أن نمضي إلى أية أرض أخرى، بمجرد من أن نقترح المكان على هذه الأرض.
ثمة طاقة شبه ذريّة، هي التي ستنقلنا، أي هي التي تقوم بوضع جسمينا بحضن نهر زمني يجري بنا إلى مكان ما، أو على ظهر ريح لا يؤمن محركوها بالنوم تحت جدار أو شجرة في غابة.
• لقد بدأت تبثين بي الخوف من أفكارك يا دفلى!!
• لا تعتبر ذلك خوفاً يا طارق. .
فما أن تفقد الأقدامُ ارتباطها بالأرض، حتى يصبح مشيها في الفضاء سباحةً. ذلك أسهل.
وها نحن سنطير فوق حرائق العالم وآلامه، من أجل أن نكتشف خطوط الأرض الشبيهة بخطوط أكفنا !
ألا تعرف بأن التراب مليء بالعروق هو الآخر، وكل عرق يلتحم بالآخر، ليعيد حركة الدم إلى المكان الذي انقطع عنه؟

**

أسعد الجبوري
من رواية ((ثُعابينُ الأرشيف))
كورتاج لمخلوقاتِ الرمل والجنّ والجَرَاد