غادة السمان

 

لعل معظم قراء الجيل الجديد لم يسمعوا بالشاعر الفلسطيني توفيق صايغ (1923 ـ 1971) الذي «استقصته الثقافة العربية من قاموسها» كما يقول بحق محمد شاهين الناقد والأكاديمي من فلسطين، بل وكاد الإعلام يدفع د. توفيق صايغ إلى الانتحار، ثم أجهز عليه بذبحة قلبية!..
وحكاية توفيق صايغ باختصار كما يكتب المؤرخ والمفكر من فلسطين صقر أبو فخر: «سوري هاجر إلى فلسطين مع عائلته في أثناء الثورة السورية الكبرى عام 1925 ثم أُرغم على الهجرة إلى لبنان عام النكبة 1948. ويذكر صقر أبو فخر ان توفيق صايغ تراءى له الانتحار ثلاث مرات. وهذا صحيح.

«نزوى»: إعادة الاعتبار لمبدع

مجلة «نزوى» في سلطنة عمان كانت أول من يعيد الاعتبار إلى الشاعر توفيق صايغ بعد انفجار فضيحة وطنية أودت به وكان بريئاً، وذلك لا يدهشنا من الشاعر المبدع المرهف سيف الرحبي رئيس تحرير المجلة، وشكراً له ولمجلته.
شارك في الملف الخاص بصايغ شوقي أبو شقرا ومريم قاسم السعد وقيصر عفيف وسليمان بختي وجرجس شكري ومحمد مظلوم وخالد المعالي إلى جانب صقر أبو فخر، ومحمود شريح يلخص الحكاية كلها في عنوان: «توفيق صايغ.. الكركدن الذهبي، الشاعر الذي ظلمته الأيديولوجيا وجزاف الاتهامات».
ولكن ما هي مجلة «حوار» التي ربما لم يسمع بها معظم القراء الشبان والتي كان توفيق صايغ رئيساً لتحريرها وقتلته؟!..
انها مجلة أدبية راقية جداً منذ عددها الأول (كانت مثلاً أول من نشر للطيب صالح) وقامت بتمويل مجلة «حوار» «مؤسسة الثقافة العالمية» و«منظمة حرية الثقافة» ثم تبين ان المخابرات الأمريكية تقف خلف ذلك كله، وانفجرت الفضيحة في توقيت هزيمة العرب في 5 حزيران / يونيو وسقوط الضفة الغربية لفلسطين، وبالتالي حاكم القارئ والناقد والثوري العربي توفيق صايغ وحكم عليه بالإعدام الثقافي من دون ان يتيح له فرصة الدفاع عن نفسه، ولكنني كنت أعرف أن توفيق صايغ الشاعر الكبير، الباحث الأكاديمي بريء ولم يكن يعلم بمصدر التمويل السري! المخابرات الأمريكية!!

بفضل الهجوم عليّ تعارفنا!!

كنت ما أزال في دمشق، ولما يصدر كتابي الأول حين اتصل بي توفيق صايغ (كما أُنسي الحاج وادوار أمين البستاني وسميرة عزام ورياض طه وسواهم كثير) من الأدباء والنقاد في لبنان الذين لفتهم إلى حرفي الهجوم الضاري عليّ منذ بداياتي.. وحتى قبل صدور كتابي الأول..
وكلفني رياض طه بالكتابة الأسبوعية لجريدته «الكفاح». وكتبت سلسلة مقالات بعنوان «شاعر يزور مع الليل» وفي كل أسبوع كنت أقوم بتعريف القارئ بشعراء أمثال تشوسر وبايرون إلى جانب نجوم المدرسة الشعرية (الميتافيزيكية) كالكاهن John Donne جون «دون» 1631 ـ 1572 وأتباع مدرسته.
وقد تعارفت معهم بحكم دراستي للأدب الإنكليزي. ولفتني كطالبة الشاعر القسيس دون Donne ومدرسته (الميتافيزيكية) التي مفتاحها الايمان بالخالف (وعدم الثقة بالمرأة!!) ولكن جمال شعره الروحاني جعلني أغفر (شوفينيته الذكورية) بلغة عصرنا.. ولفت توفيق صايغ (ابن رجل الدين المسيحي القسيس) ان بنتاً شامية من بيت مسلم محافظ تهتم بأولئك الشعراء وتترجمهم فاتصل بي.. وحين وصلت إلى بيروت لمتابعة دراستي في الجامعة الأمريكية التقينا.

الوفي الراحل الفنان الريس

ويوم انفجرت فضيحة مجلة «حوار» خفت من انتحار توفيق صايغ وأكره التخلي عن الأصدقاء حين يقعون وتكثر السكاكين ويستعملهم البعض شاشة لإستعراض (وطنيتهم) ذهبت اليه في مكتبه ووجدته على حافة الانتحار واصطحبته في سيارتي إلى عاليه إلى بيت الفنان عارف الريس الصديق المشترك، لكي تمر الساعات الأولى للصدمة.
وتوقعت ان تقوم قيامة الصحافة (الوطنية) عليه ويستعمله البعض شاشة لتقديم أوراق اعتماده (كوطني) وهو ما كان.. وهرب توفيق صايغ إلى منفاه.. كاستاذ في U.S.A ـ جامعة بيركلي المرموقة.
لقد خان التوقيت توفيق صايغ.. وسقط بين مسننات ساعة الزمن التاريخي فطحنته!

صايغ وفرانكلين ود. إحسان عباس

حسناً فعل د. إحسان عباس وصديقه د. محمد نجم بإغلاق دار «فرانكلين» في التوقيت المناسب، و«فرانكلين» عملت فيها مجموعة من الوطنيين المخلصين لفلسطين وهي دار نشر قدمت خدمات كبيرة للثقافة العربية، على صعيد ترجمة روائع الأدب العالمي. وقد تعارفت معهم حتى قبل صدور كتابي الأول وقبل ان أصير طالبة في الجامعة الامريكية إذ كانت تعمل في «دار فرانكلين» المبدعة الفلسطينية الكبيرة سميرة عزام كما السوري مروان الجابري، وكنت أزورهما. وحامت الشبهات حول مصدر تمويلها وذلك خطر في تلك المرحلة.
وحين صرت طالبة في الجامعة الأمريكية أحاط بي الدكتوران عباس ونجم، وامامي الآن صورة لي أتوسطهما فيها في ندوة أدبية للشاعر بلند الحيدري.. في حرم الجامعة.
مجلة «حوار» كما دار «فرانكلين» قامتا بتقديم خدمات جلّى للثقافة العربية لكن طوفان الغضب بعد الهزائم يجتاح كل شيء، والإعدام ثم المحاكمة هو القانون..

مبدع آخر ظلمناه وقتلناه

توفيق صايغ كان بريئاً وظلمناه. وهو ما تتقنه ثورات الهياج الجماهيري التي تقوم بأشياء غير عادلة من أجل قضايا عادلة. وكلمة أخيرة: رسائلي إلى توفيق صايغ تم نشرها من زمان أما رسائله لي فلم تنشر بعد.. وهي جميلة وعميقة وليست كرسائلي اليه التي نُشرت ولم تلفت أنظار النقد.
ماذا حدث لرسائل توفيق صايغ لي؟ اتصلت بي بعد رحيله طالبة ماجستير هي ندى الشريف وطلبت الاطلاع على رسائله لأنها تعد أطروحة جامعية عنه وتعارفنا وأعطيتها لها من دون الاحتفاظ بنسخة منها فقد وثقت بندى الشريف ولم أكن مخطئة.. إذ اتصلت بي بعدها بفترة وقالت انها ستأتي إلى بيتي لتعيد لي رسائله، (كنت مقيمة في قصر الداعوق الذي تحوّل إلى ساحة حرب في الحرب الاهلية اللبنانية)، وقلت لها ألا تحضر خوفاً على حياتها، وبقيت رسائله معها. وعرفت في ما بعد أن ندى الشريف مقيمة في المانيا وأوجه النداء لها للإتصال بي لنشر الرسائل الرائعة لتوفيق صايغ لي والتي تلقي الضوء على حياته وتقوم بتبرئته من تهمة الخيانة. ترى هل ستقرأ ندى الشريف ندائي؟؟

http://www.alquds.uk/?p=758500