قِراءة في كتاب (على وشك الأسبرين) للشاعر أسعد الجبوري

 

(دراما الجسد والتُراب) نصّ الشتاء (1/3)

أحمد فيلمون :


النصّ- ((الشتاء)) 

الشتاءُ مقبلٌ عبر منخفضات العقل.
ونحن بين طبقات أرواحنا محملين بالقرفصة
بالقطن بقصب السكر بالكآبة.
كأننا نشحن بالطاقةِ رؤوساً ليست لنا،
جامعين قطعَ غيار العقلِ من فهارس الشتات.
بردٌ ينفجرُ في الركب . ويتسربُ إلى كهوف الحواس.
كم كنا اليوم زمناً.
وكم كنا في مباني لحومنا بلا نساء.
الستائرُ المُنكسةُ تلك . نحن. ونراقبُ هطولَ الثلج على مدافعنا المنشورة ما بين بخار الله والكتب المعتقة الخمور.
لم نكن بصدد النار.
فقد جلسنا بمواجهة التخوت المرقطة بأنفاس الموسلين،
نرتقُ صور السكس في الظلمة.
ومتفتحين كالمحار في مجرى سيغموند فرويد .
ألمْ تقص علينا جداتُنا الكثيرَ من زمهرير التراث، بعدما انزلقت ليلى في معدة الذئب على وقع اللعاب هناك.
والجناةُ.. ألمْ يخطفونا كأكياس لتمتلئ بنا الخرافاتُ ؟
لكن.. ما الذي يفعلهُ فرويد بسقراط ، غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي ليُشرعَ بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة.
ثم ماذا غير تلك الحوادث. غير تلك الحرائق وهي تمحو الخطوط الحمر عن الشفاه. فيما تمضي الثيابُ احتفالاتها بعيداً عن شحوم الحبّ .
الآن .. لا بدّ من تذكر الزاوية العميقة من المدفأة ،
نحن بصدد الحديد المشوي.
حيث يتركُ السكران الجعةَ للانضمام إلى بريسترويكا الفودكا مع الأطباق التي عادة ما تلتجئ إليها آلهةُ علم الجمال
وهنا أحتفال صاخب في الشتاء .
بخارُ الثلج .. هو الآخر يتصاعدُ من مترو الأجساد في الخارج،
وأصباغُ الذكريات تسيلُ ممزوجة بالفحم على طاولة التاريخ.
أليس الشتاءُ خياطَ ثياب الأفاعي .. وعلى مدار كهوفهِ تتجمدُ الثعابينُ تَجمُلاً ليوم الزفافِ في السموم.
ربما . فالشتاء وحيدُ التلفزيون. ينطحُ في نجوم الأفلام ويرمي إلى النار قشور العزلة بلا رأفة.
هو أيضا الأب الشرعي للبويضات ، حينما يقشّرن قامة الانتحاري القادم كملقط النار ، ويذبن معه على مشارف المنابع الرطبة.
الشتاءُ برميلُ النبيذ الأعظم للإبتلاعات الكبرى .
معه.. سنبقى بمفردنا الجمعي ،نحصي الكراسي في عيادات الآلهة. والأمطار بغير ذاكرة الجيوش. كما نريد

القِراءة للنصّ /
نجِدُ هُنا وصفاً للشتاء وفق أبعاد الفانتازيا ( الشتاءُ مقبلٌ عبر منخفضات العقل) وتحويل العقل لتلالٍ ومروجٍ من الصور السحريَّة والهِضاب القادمة مع الوقت القارص,إشارة للخيال وللحركة واشتعال الحواس في المُقابل التي تتحوَّل لجهاز راصد للطقس العام السيكولوجي والطبيعي عبر منخفضات العقل فالذاكرة جُغرافيا لانهائيَّة من الرُؤى والتصورات المتغايرة المتحركة مع الزمن ,ثُمَّ بعد ذلك ونحنُ :ضمير الجماعة أو إشارة للذات ,بين : ظرف مكان, طبقات هُنا الطبقات بمعنى أرواحنا فيها نون المتكلمين أو إحالة للذات, ونحن وأرواحنا كلها جمعٌ , فلذا, طبقات للجمع وطبقة للمفرد,وطبقات الروح في المرء مفرداً جمعيّ في نهاية النصّ , وبالقرفصاء وهي لهيئة التي يكون عليها المرء في الجلوس، لاسيما في الشتاء أمام الزاوية العميقة من المدفأة (بالقطن/ بقصب السكر/ بالكآبة) القطن وصف للباس والفراش (حاسة اللمس), وقصب السكر للتذوق (حاسة التذوق) ,والكآبة للمزاج (النفس) كأننا نشحن بالطاقة .. هنا تغايُر الأمكنة بجوهر الفرد و بالذاكرة في هذا الوقت و الكلمات تتحول لفيديو طويل ممتدٌّ في هذه اللحظة , وفهارس الشتات من جهة آخر تترامى من فوق وتحت وشمال ويمين المنافي الداخليّة والخارجيّة للذاكرة, وعلاقة الأرض بالزمن ,هل أصبحنا أكثر بُعداً أو أكثر قُرباً الآن وكيف ؟ هل الموسيقى بالرأس الآن ترتبط بهذا المكان وهذه الأرض أو مزيج وماهو المزيج؟ أو ماذا ؛فتلك الصور الدراميَّة المتحركة تتراءى (فهارس الشتات)قطع غيار إشارة لما حدث من تحول كبير في الذهن (نشحن بالطاقة)والطاقة رمز للمخيلة هنا أو كما في قصيدة بنك الأيام الكيس أو الصندوق الأسود .
الشتاءُ مقبلٌ عبر منخفضات العقل.
ونحن بين طبقات أرواحنا محملين بالقرفصة
بالقطن بقصب السكر بالكآبة.
كأننا نشحن بالطاقةِ رؤوساً ليست لنا،
جامعين قطعَ غيار العقلِ من فهارس الشتات
وصفٌ للبرد ومراحل اقتحامه لمدن الجسد ,وكيف يتسرب لكهوف الحواس(الأذن ويتجسّد في سماع هطول الثلج, والأنف المفعم بالبرد والذوق لقصب السُكر , واللمس للقطن والنظر للمدافع المنشورة،والحواس كلها تنعم بالبرد القارص) والحدس,ثم بعد ذلك تفجير التحول الآخر “كم كنا اليوم زمناً” وهذا إحالة لمراحل الحياة المتنوعة والنادرة والغريبة والقريبة والبعيدة بكل ما فيها تناقضات وتساؤلات مفتوحة “كأننا نشحن بالطاقة رؤوساً ليست لنا” مرت سنوات كثيرة جداً, هذه السنوات مليئة بالمفاجآت واللا متوقَّع,والسنوات تمر كالأوبرا على اللغة وعلى الذاكرة والتاريخ والحاضر والمستقبل ,وهذا الشتاء جعلني استرجع فهارس الشتات والفهرست رمز للتعدد المفتوح ووفرة الجوانب وأتساعها (كم كنا في مباني لحومنا ( نساء) إشارة مفتوحة متعدِّدة فمنها الرحم وأطوارهِ والولادة والحلم وللمراهقة الأولى ومرحلة ما قبل, ومنها الرحم للغة, و للكلمات فقد تحرَّرت بعد أن كانت بلا نساء , والنساء رمز للطاقة ولتأنيث المباني والمباني رمز للغة ورمز للتجديد في الخلق اللُّغوي ورمز للمخيلة العالية التي و (بلا نساء )و( كم كنَّا في مباني لحومنا ) كم كان الماضي بلا هذه التجارب وبلا هذه التراكيب وبلا توقع لهذا الزمن الآخر الذي هو كذلك مليء بالتحوَّل وبلا علم أنَّنا سنكون مصدراً لتمويل الزمن بين كنَّا والآن ,كما أنَّ الحضور الصاخب العالي المختلف والجذري للجبوري يجعله في القمة التي تكون حيزاً لقمم متوالية أخرى..,والجسد مبنى وأصبح زمناً وفي هذه اللحظة “الستائر المنكسة تلك” وصف إشارة بمعنى” أنظر هطول الثلج على مدافعنا المنشورة أين؟ بين بخار الله والكتب المعتقة الخمور, لذا أصبحنا اليوم زمناً وكم كنا في مباني لحومنا بلا نساء, أنظر هطول الثلج على مدافعنا, وهذه الصورة الميلودراميَّة تصف بدقة هطول الثلج هطول الخيال على النص هطول الكلمات والتراكيب والتعابير الجديدة في اللُّغة أنظر .. بين بخار الله والكتب المعتقة الخمور من السماء إلى الأرض كل التناقضات تجتمع المدافع المنشورة / الثلج الهاطل= بخارالله والكتب المعتقة الخمور صورة عبقريَّة لوصف الكتابة والألتقاطات في الكتب المعتقة الخمور وهي رمز للثمالة جرّاء الجمال الهائل النادر في التراكيب والتصوير, والبخار رمز للذكريات التي تجيء بشكلٍ مفاجئ وقد تلاقت مع المدافع بشكلٍ ثلجٍ هاطل فتبخرت لكن في الوقت ذاته بخار وخمر فقدت صارت الذكريات في الشتاء في مباني النبيذ فنتج كتب معتقة الخمور ,وهطول الثلج يتلاقى مع كم كنا في مباني لحومنا بلا نساء لكل هذا الهطول الجم أصبحنا بنساء الآن والنساء رمز للكلمات المغمورة بالخمر كذلك ورمز للإناث والأنثى ,نحن ونراقب هطول الثلج على مدافعنا المنشورة ,خلقٌ فنّيٌ منقطع النظير ,بردٌ ينفجر في الركب .ويتسرب إلى كهوف الحواس وهذا أيضاً “كم كنا اليوم زمناً” والكتب المعتقة. الخمور تسكرك بجمالها ,وبخار الله الذكريات التي تحولت لبردٍ يتسرب لكهوف الحواس عبر منخفضات العقل ونحن بين طبقات أرواحنا محملين بالقرفصاء
بردٌ ينفجرُ في الركب . ويتسربُ إلى كهوف الحواس.
كم كنا اليوم زمناً.
وكم كنا في مباني لحومنا بلا نساء
يقول جان ستاروبنسكي ” الصورة نتاج خطيئة متفاقمة حتى حين ينبغي علينا,في مصدرها,أن نعترف بأمل وحدة حقيقي بالحركة التي تريد الكمال-ص18″(1) فاللغة هنا لدى الجبوري , أشعاع تأخذ شكل العالم الثاني . كم كنا اليوم زمناً/كم كنا في مباني لحومنا بلانساء الحركة الكبرى تكمن في كم كنا اليوم زمناً “لم يعد العالم الأول صالحاً لان يكون لنا ملجأ” (2)وكم كنا في مباني لحومنا بلا نساء ,والنساء رمز لتعويض العالم الأول هو كم كنا اليوم زمناً / وكم كنا في مباني لحومنا بلا نساء .
الستائرُ المُنكسةُ تلك . نحن. ونراقبُ هطولَ الثلج على مدافعنا المنشورة ما بين بخار الله والكتب المعتقة الخمور
الرمز الآخر كذلك أرواح الله في البشر , حينما كنا في مباني لحومنا بلا نساء ,ونراقب هطول الثلج رمز للقراءات والهطول رمز للمخيلة هطول اللغة محملة بالطاقة “نشحن بالطاقة رؤوساً ” على مدافعنا قصائدنا المنشورة فهي مدافع لما فيها من طاقة قصوى والتوليدات النادرة في ماهية اللُّغة والكتابة. ,لم نكن بصدد النار ,النار رمز كذلك للمدافع والمدافع رمز الشدة والتفجير وما بداخل المدافع ,مدافعنا المنشورة ,والآن النار ,فالنار المشتعلة الملتهبة هي الجوهر في النصوص المنشورة,والنار رمز تأجج العاطفة والموسيقى و أتقاد الذهن ورمز إحراق و رمز كشف الطاقة في الرؤوس والتساؤل ..
لم نكن بصدد النار.
فقد جلسنا بمواجهة التخوت المرقطة بأنفاس الموسلين،
نرتقُ صور السكس في الظلمة.
ومتفتحين كالمحار في مجرى سيغموند فرويد
“الوظيفة التدشينية الآيلة إلى الكلام(البدأ بالحياة وفقاً للمعنى)-ص20″(3) فنجد منفتحين كالمحار في مجرى سيغموند فرويد وهنا ” تعددية الأشكال والصيغ الاستعارية التي يعكس عبرها المجيء والوحدة”
-22ص”(4) نرتق صور السكس في الظلمة هُنا صيغ استعارية تعكس المجيء والوحدة وهُنا كذلك وظيفية تدشينية آيلة للسرد لما بعد ,فنرى :
ألمْ تقص علينا جداتُنا الكثيرَ من زمهرير التراث، بعدما انزلقت ليلى في معدة الذئب على وقع اللعاب هناك.
والجناةُ.. ألمْ يخطفونا كأكياس لتمتلئ بنا الخرافاتُ ؟
قوة الرمز “تشير كذلك لمدى واسع من المخلوقات السحرية أو الخرافية الموجودة في الأساطير والفولكلور والحكايات الشعبية-ص192″ (5)وكذلك عن العادات والتقاليد والمواريث الشعبية التي امتلأت بها رؤوسنا ,فهناك جناة وهنا خرافات لذا أحرقنا تلك الخرافات خلال المدافع المنشورة ,وهطول الثلج على مدافعنا المنشورة معنى منشورة أصبحت واضحة وقد ذكر مثال عن الحكايا الشعبية والكثيرة التي قصتها الجدات علينا في الطفولة”ألم تقص علينا جداتنا”, هنا عودة لمرحلة الطفولة خلال النص وتصوير أحدى اللقطات الهامة في التدشين للكلام وأما المكان فيوصف “المكان بأنه الصورة الأولية للإدراك الحسي الخارجي”(6) زمهرير التراث , والزمان
بالصورة الأولية للإدراك الحسي الباطني”(7) ألم يخطفونا كأكياس “وهما الصورتان المسؤولتان عن إدراك كافة الصفات الرئيسية للظواهر والأشياء النفسية-11ص”(8) المذكورة في الأشطُر الماضية.
والجناةُ.. ألمْ يخطفونا كأكياس لتمتلئ بنا الخرافاتُ ؟
لكن.. ما الذي يفعلهُ فرويد بسقراط ، غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي ليُشرعَ بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة
كلبه السيكولوجي رمز للضجيج والصَخب بالنفس ,وأحياناً للنداء ,ففي داخل النفس صوتٌ شارد وعمق يحتاج للعلم والمعرفة, لا للخرافات ولا زمهرير التراث وخرافات الجناة ,وهي صفات تعكس الأهميّة الحاجة للعلوم مثل الفلسفة وعلم النفس ,وللتنقيب عما بداخل الغرق والذات” يشرعَ بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة “و نرى فرويد وهو عالم نفس يُرسل لسقراط وهو فيلسوف كلبه السيكولوجي,وكلاهما عالمان وهو هُنا إشارة للعالم والعلم ,والكلب السيكولوجي للعالم ,وهو كذلك رمز داخل الرمز, فمن معاني الكلب السيكولوجي, الاتصال الدقيق والبحث الجذري عن الخرافات والأوهام النفسيَّة , فهي جزء من النيران المشتعلة ,وكذلك رمز للأحزان ووكالاتها وللآلام الغامضة في برك النفس ,وهُنا تساؤل ما الذي يفعله؟ ما الذي سيفعله علم النفس في غُرف المزاج؟ وسقراط ما الذي سيفعله بهذا الكم العارم من الليل سنرسل له الكلب السيكولوجي ,ليشرع بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة”الإحساس بلذة منتظمة ذلك لأنها في الغالب ديناميكية(حركية) ومؤقتة,وهي في هذا تختلف عن السعادة وعن الرفاهية,التي تتصور كحالات ثابتة.يتم الشعور بها بكيفية أعمق وبوعي من مجرد المرح-ص74″(9) لذا جاء ليشرع بالتنقيب “لا تتحدد فقط أثر ذاتي,إنما باتصال مع الوجود,الواقع-74″(10) “ويعد سينوزا المتعة ,مع الرغبة والحزن,مع مجموع المؤثرات الأساسية التي تشتق منها الأخرى جميعاً”(11) الخُرافات/النفس/التنقيب”فقد عرفها بوصفها “انتقال الإنسان من كمال أصغر إلى كمال أخر أكبر”(12) أو من زمن مستعمل لزمن جديد,بمعنى زيادة وتطور لقدراتنا في الوجود ونلاحظ ههنا لكن ما الذي يفعلهُ فرويد بسقراط, بصدد تطور القدرة في الموسيقى خلال التنقيب ، غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي “العمق ذاته للأشياء”(13) أقتضى أن يرسل له كلبه السيكيولوجي “لم يكن بحثه عن السر أقل إبعاداً له عن المباشر(البسيط),الوجود المحسوس,ولم يكن,بفعل ذلك,أقل فصلاً من قانون المفهومات والأعداد-ص13″(14) وهنا يظهر أهمية المفرد الجمعي خلال التعدُّد المجموع في الفرد والمفاهيم الوجوديَّة والتحرُّر “أنه العالم المستعاد من التجريد,العالم المحرر من مياه الحلم القاتمة ؛وهذا يقتضي جهداً,وعملاً,سفراً-ص13″(15)وتنقيباً. فهنا تحرُّر من قتامه المياه في جاكوزي الأحلام أو البرك المتدفقة وهي رمز للغزارة المتناهية المجهولة للزمن وللنفس وللعالم”فالعالم,حتى إذا توجب علينا أخيراً أن نعترف بأنه سبق أن كان هنا,هو أولاً غائب,محجب وينبغي أن ننضم إليه,بالنظر والكلام,بدئاً من حالة انفصال وحرمان-13ص”(16) نشحن بالطاقة رؤوساً ليست لنا /منفتحين كالمحار في مجرى سيغموند فرويد.
ثم ماذا غير تلك الحوادث. غير تلك الحرائق وهي تمحو الخطوط الحمر عن الشفاه. فيما تمضي الثيابُ احتفالاتها بعيداً عن شحوم الحبّ .
الآن .. لا بدّ من تذكر الزاوية العميقة من المدفأة ،
بعد ذلك
نحن بصدد الحديد المشوي
نرى أنَّ “الخطوط الحمر عن الشفاه” رمزٌ لتكسير المسلمات و رمز لما بعد التدشين ورمز للانشغال بمراقبة الحرائق, فقد أشعلت الحرائق في هذه اللحظة بعد التنقيب في الطوفان الذي صاحبَ الروح وموادها العصيَّة ,بعيد عن شحوم الحب بعيداً عن الترهُل المؤسَّس من الحوادث القديمة .ثم بعد ذلك “نحن بصدد الحديد المشوي” نحن نستعد وهي مرحلة أخرى, فهنا احتفال باللُّغة وتُرابِها , والخيال ومجراته , والكلمات وطوابقها, والنفس وبركها في تجاور ديناميكي فريد.
نحن بصدد الحديد المشوي ,وكنا قبل ذلك لم نكن بصدد النار, وأصبحنا بصدد الحديد المشوي في هذا الشتاء , ومرحلة ما بعد ,فقد انهالت المدافع بالمنشورات, ونحن نراقب هطول الثلج, وهطول الثلج رمز للقراءات ,و رمز للعرض وللإلصاق بالأقمار المتعدِّدة للمفردات هُنا, فنحن بصدد خلق علاقة جديدة مع العالم والأشياء .
حيث يتركُ السكران الجعةَ للانضمام إلى بريسترويكا الفودكا مع الأطباق التي عادة ما تلتجئ إليها آلهةُ علم الجمال
وهنا احتفال صاخب في الشتاء .
بخارُ الثلج .. هو الآخر يتصاعدُ من مترو الأجساد في الخارج،
عودة لوصف الشتاء, الآن نحتفل ,بعد التنقيب عن الخرافات والأوهام و ما فيها من هياكل ومحنطين ولواصق رمادية وبعد عملية المُسألة للذهن بشكلٍ متصاعد وكل ما مر بنا في الزمن ,الآن مرحلة جديدة للحياة ,حياة فيها احتفالات صاخبة ونبيذ وجمالٌ,وهي رموز للمستقبل
استرجاع, فنرى تراكيب مترو الأجساد ,فالأجساد في المترو ولكن هنا تصوير نادر كأن الأجساد هي المترو والبخار يتصاعد منها وهذه حالة فريدة فنلمحُ”في المترو الانفعالي الخاص بي لا أدع شيئاً على السطح” أي “أخذ منه كل شيء ,أخذ منه كل الواقع ليجذبه إلى أعماقه –ص205″(16)
وندرك براعة الجبوري في وسائل الإدراك العليا “أن وسائل الإدراك والقبول المباشر الخاصة بأدب الاستهلاك السريع,ممتنعة حتماً على خطاب الأعماق-ص206″لذا كان النص هُنا عميقاً ابتكارياً من الدرجة الأولى (17) خطاب الأعماق -208″(18) تفجيريّاً , مترو الأجساد/بخار يتصاعد/ أصباغ الذكريات/ممزوجة بالفحم على طاولة التاريخ” انتقال صاخب يخترق الرخاوة العادية لأشكال القول والكتابة-ص208″(19) انتقال هادر للجبوري حتى “يرسم مساره العنيف الذي لا يتوقف “(20)
وأصباغُ الذكريات تسيلُ ممزوجة بالفحم على طاولة التاريخ.
بعد كل تلك المدافع أصبحت أصباغ الذكريات ممزوجة بالفحم,”غياب العالم الذي أسلمنا إليه التاريخ” تنبغي العودة إلى زمننا-زمن التيه والانتظار الطاعن.إلى الفسحة بين عالمين.والسفر مجدداً من هناك,بعد أن نُحيي الفجر ونحتفل بالنهار الجديد “وهنا احتفال صاخب في الشتاء/مع الأطباق التي عادة ما تلتجئ إليها آلهة الجمال, فهنا صاعقةٌ تفتح عيوننا على المكان الحقيقي.
أليس الشتاءُ خياطَ ثياب الأفاعي .. وعلى مدار كهوفهِ تتجمدُ الثعابينُ تَجمُلاً ليوم الزفافِ في السموم
هنا تساؤل أن كانت الأفاعي وهي شيفرة للطغاة وللظلام المؤقت وللمزاج المستعصي عن الخياطة النفسيَّة ,والأفاعي في مُقابلة مع كم كنا في مباني لحومنا بلا نساء ,والسموم رمز للخراب ولدُخان المدافع,تجملاً أي مرحلة ما بعد, والزفاف في السموم هو البوح ورمز الاحتفال الأعظم.
ربما . فالشتاء وحيدُ التلفزيون. ينطحُ في نجوم الأفلام ويرمي إلى النار قشور العزلة بلا رأفة
فخلال هذا التجمد مفهوم آخر وهو الوحدة”مفهوم الوحدة الضائعة,مفهوم السقوط,والبحث الضروري عن الخلاص في حيز آخر من الواقع يشير لأهمية حضور العالم-13ص”(21) بحيث عن حيز آخر الأوركسترا لذا ننطح في نجوم الأفلام فالتجمد في هذا الشطر وحيد يشاهد الأفلام ويرمي لقشور العزلة بلا رأفة فهو بحاجة لمزارعٍ من الترفيه والسينما والموسيقى ,فهو الأب الشرعي للذكريات لذا هو مقاول ناطحات سحاب الذاكرة , وخلافاً لبونفوا يبرز هُنا الحاجة لبُعد خيالي لكي نحافظ على النار الضرورية للزمن ,فنرى ويرمي إلى النار قشور العزلة بلا رأفة فهنا محافظة على النار الضرورية للحياة مع خياطة ثياب الأفاعي/ كم كنا في مباني لحومنا بلا نساء.
هو أيضا الأب الشرعي للبويضات ، حينما يقشّرن قامة الانتحاري القادم كملقط النار ، ويذبن معه على مشارف المنابع الرطبة
تشبيه للذكريات بالبويضات التي تتقشر ليخرج الانتحاري الذي يفجر صناديق الذكريات كملقط نار ويذبن معه لينتج البخار أي أنَّهُ” يُدرك ان دقة المعرفة تقتضي التضحية بالبداهات المباشرة والصور الأولية-13ص”(22) ويذبن معه على مشارف المنابع الرطبة “الصور الأولية”(23) حينما يخرج الانتحاري من البويضات تقشراً وهو الأب الشرعي فهو من يحدد حجم الثورة ,ويذبن معه على مشارف المنابع الرطبة والتي تخلصت من القشور للدخول للأساس .
الشتاءُ برميلُ النبيذ الأعظم للإبتلاعات الكبرى .
معه.. سنبقى بمفردنا الجمعي ،نحصي الكراسي في عيادات الآلهة. والأمطار بغير ذاكرة الجيوش. كما نريد
“لا يمكن أن( يُخلّص) الأنا,إلا إذا خُلِّص معه العالم.وعبارة الاستشهاد (الاستدلال) المختارة هي,في هذه النقطة أيضاً,بالغة الدلالة” نحصي الكراسي في عيادات الآلهة. و سنبقى بمفردنا الجمعي/والأمطار بغير ذاكرة
نحصي: فعل مضارع , الكراسي في عيادات الآلهة,فنحن نحصي الكراسي وفيما سبق آلهة الجمال بعد تفجير كل شيء نحن بحاجة للجمال ,وهنا إشارة لأهمية تحرير العقل البشري من الركام الفظيع الذي تتوارثه الأجيال تلقائيّاً ألم تقص علينا جداتنا الكثير من زمهرير التراث / والأمطار بغير ذاكرة جيوش كما نريد. فالأمطار وهي رمز للأفكار بغير ذاكرة الجيوش . كما نريد ,تحررت أفكارنا وتحررنا من الجندرمة والطغاة وقُطاع الطرق و من الصحراء, فالذاكرة أحرقت وباحت بما بها في هذا الشتاء, فالشتاء برميل النبيذ الأعظم للأبتلاعات. نحصي الكراسي و المرات التي جئنا للآلهة فيها وهي رمز للانتظار الطويل تلك الكراسي وقبل ذلك ليس غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي وحينما شرع عن برك الضجيج في آبار النفس أصبحنا ننتظر لشساعة الآبار وذهبنا لعيادات الآلهة. “نصوص تقف بين عالمين في التاريخ الفردي,كما في التاريخ الجمعي “المسافة جوهرياً مسافة حياةٍ وفكر,تتكون من تغير العلاقة بالأشياء والكائنات ومن نمو التجربة في اللغة-16ص” (24) سنبقى بمفردنا الجمعي . والأمطار بغير ذاكرة جيوش هنا انتصارٌ , رغم الإحساس بعالم ضائع حاد.. غير ان ماضياً ما, يصعب تعيينه,يظهر بالنسبة إلى وضعية الحاضر المركز الجديد , والذاكرة بغير ذاكرة من جيوش كما نريد..
الاستنتاج:
نصٌّ جنوني وجبار و الكلمات والتراكيب بهذه الطاقة العارمة من التصوير والخلق والسحر شكلٌ من أشكال العبقرية الفذة الخاصَّة التي يتمتع بها أسعد الجبوري ,فالجبوري يُثبت في نصوصهِ دوماً ببراعة منقطعة النظير بفرادة التجاوز الشعري لديهِ في اللُّغة والخيال والأساليب والتراكيب والدِلالات والمآلات والنسج والتفجير والحرائق والأبتكارات.. ,ليكونَ خيميائي في التشكيل والدهشة وصناعة العجائب والروائع وبكيفيَّات شاسعة مفتوحة للعقل الإنساني الآخر الحُرّ, وللتجارب الإنسانية العالية وفي الانجاز الثقافي في الحركة الشعريَّة العربيَّة والعالميَّة على حدّ سواء ,نصٌّ الشتاء نصٌّ الجنون العارم والخيال المفتوح المشعشع عبر القارات بلا اكتفاء أو حدّ .
هنيئاً لمن يقرأ هذا النص ,هذه الهديَّة الذهبيَّة من أسعد الجبوري ,أنَّها كتاب عن الخيال بحد ذاته .
————————–
النصّ من كتاب الشاعر الجبوري: (( على وشك الأسبرين ))

هوامش :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1,2,3,4,14,15,21,22/ إيف بونفوا “الأعمال الشعرية الكاملة” ترجمة: أدونيس,ط1,منشورات وزارة الثقافة ,دمشق.
5/ شاكر عبد الحميد “الخيال (من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,الكويت.
6,7,8/ أحمد دعدوش “مشكلة الزمن (من الفلسفة إلى العلم)” ط1,دار ناشرين الإلكتروني.
9,10,11,12/ فريديرك رودم”الفلسفة في 100 كلمة” ترجمة:محمد جديدي,ط1,منشورات ضفاف/منشورات الأختلاف.
17,18,19,20,16/ بيار ماشيري “بم يفكر الأدب (تطبيقات في الفلسفة الأدبية)” ترجمة:د.جوزيف شريم,المنظمة العربية للترجمة.

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *