مارين

 

(الخَامس من مايو. أنا أشبَه بِلعبة بلاستيكية أوشكت بطاريتُها على النَفاذ و لم يعد يُسمع منها سوى بضعة أصوات مُشوشة لا يستطيع أحد أن يميزها. أنا أجلس الآن داخل ممر ضيق لا يبدو أن الضوء يتسرب إليه أبداً، أعدُّ بيدين مُرتجفتين جميع الأيام التي كانَ من الممكن أن نقضيها معاً، أتفقدُ بحذر جميع الندوب التي أحدثتُها في ذراعي و ساقي و كإنها كلُ ما أملك في هذهِ الدنُيا، أدندنُ لحناً مريضاً لا أدري إن كنت قد سمعتهُ في المذياع أم أن عقلي قام َبخلقهِ مع جميع التفاهات الأخرى التي يهوى تعذيبي بها. لَا، لم يكن السقوط داخل هذا الممر كما يبدو، لم يكن سريعاً، لقد سقطتُ ببطء و تناغم تام بعد أن إستمرت الحياة في ضرب ساقيّ بالعصا لحين أصيبتا بالخدر و لم أقوّ على الوقوف بعدها قط. لقد تقيأتُ فور سقطت بشاعتي بأكملها، أجلستها قربي و حاولت أن أصادقها كي لا تقومَ بأيذائي، لكن أصابعها كانت مسننة و صوتها كان يدمي أذنيّ، لقد كانت ثقيلة للغاية حتى إنها أفقدتني توازني داخل الهوةّ فسقطت مجدداً الى الأرضية داخل الارض. لقدَ قامت ( هيَ/ أنا) بتحطيم جميع ألعابي و حولّت الوجه الذي أراه في المرآة الى وجهان ملتصقان ببعضهما بشريط لاصق أبيض اللون تغطيه بعض الدماء هنا و هناك. أنا حزينة، لكنها تصرّ انني لا أستحق حتى أن أشعر بالحزن، فما الذي حدث لي لأحمل كل هذا الأكتئاب؟ لا شيء، لا شيء حدث، و لا شيء سيحدث، لم أذهب و لم يأتِ أحد، لقد ضللت أرتطم بجميع الجدران التي صنعتها بيدي لحين حال بي المطاف الى هنا، داخل الممر الضيق، فوق كومة الذكريات هذه، وكومة ما لم يحدث بعد تلك، و تلك الكومة القذرة المليئة بالموت و الرثاء و الحُب. أنا أحاول بجهد أن أرقع الثقوب في جلدي بقطعة قماش صفراء لعلّي أبدو جميلة و ملونّة مجدداً كما أعتدت أن أكون قبل عشر سنين مضت، في الوقت الذي كانت الأيام فيه أخف كثيراً مما هي عليه الآن، و لم يكن الأمساك بيد أحدهم مخيفاً الى هذه الدرجة، وكان قلبي لم يصغر بعد الى هذا الحد. أما الآن، علي أن اتخلى عن جميع ملامحي كي لا أخاف مجدداً، عليّ أن أستمر في ترتيب قطع الطابوق واحدة فوق الأخرى لحين تسقط كلها عليّ مجدداً، علي أن أموت أولاً لأكون لك الى الأبد.)