• تكشف ثنائية الشّفاهيّ والكتابيّ موقفًا مزدوجًا من حضورهما، يرى فيه فريق أسبقيّة الكتابيّ، ومنهم ميشيل فوكو؛ الذي استند إلى “أن الله أنزل إلى العالم نصوصًا وكلمات مكتوبة، أما آدم فلم يفعلْ سوى قراءة العلامات المرئيّة الصّامتة التي أنزلها الله كأسماء لمسمّيات”، بينما يرى فريق آخر تقدّم الشّفاهيّ على الكتابيّ؛ ومن هذا الأخير فرديناند دي سوسير؛ الذي استند إلى أنّ “الإنسان يتعلّم النّطق قبل الكتابة، وإنْ كان يقرُّ، في السّياق نفسه، أنّ الكتابيّ أكثر قدرة على البقاء، وعلى حِفظ وحدة اللغة، ويُشايع دي سوسير في القول بأسبقية الشّفاهيّ على الكتابيّ يندتيوكوتش وجان بياجيه وآخرون، كذلك رأى و.ج.أونج أن المجتع الإنسانيّ قد شكَّل “نفسَه بدايةً بمساعدة الكلام الشّفاهيّ، ولم يصبح كتابيًّا إلا في وقت متأخّر جدًّا من تاريخه، ولم يحدث ذلك أوّل الأمر إلا في مجموعات بشريّة محدودة فحسب، وإذا كان المجتمع الإنسانيّ قد برز إلى الوجود منذ مدّة تراوح بين: 30 و50 ألف سنة فإنّ أقدم مخطوط لدينا يرجع تاريخه إلى 6 آلاف سنة فقط”، وقد برزت الدّراسات التي تقابل الشّفاهيّة والكتابيّة في فضاء علم اللغة التّطبيقيّ وفضاء علم اللغة الاجتماعيّ، وظهرت الدّراسات التي تتناول آليّات التّعبير الشّفاهيّ حديثًا، على أيدي جاك غودي وأونج وهوجن وماكلوهان وتشيف وغيرهم، “أمّا أعظم انفتاح على التّقابل بين الأنماط الشّفاهيّة والأنماط الكتابيّة للفكر والتّعبير فلم يحدثْ في مجال علم اللغة؛ وصفيًّا أو ثقافيًّا، بل كانت البداية الواضحة في مجال الدّراسات الأدبيّة مع بحث ميلمان باري (1902-1935) عن الإلياذة والأوديسة، وقد حاول أونج أن يُقرِّب المسافة بين قطبيْ الشّفاهيّ والكتابيّ، وأن يُزيل عوامل الصّدام بينهما، حين رصد الشّفاهيّ في تحوّله إلى كتابيّ، عبْر تدوين ما هو شفاهيّ، بآلياته الخاصّة، حين قال:

 “وتُنتج الثقافات الشّفاهيّة، في الواقع، أداءات لسانيّة مليئة بالقوّة والجمال، وذات قيمة إنسانيّة وفنيّة عالية، أداءات لا تعود ممكنة في اللحظة التي تستحوذ فيها الكتابة على النّفس البشريّة؛ ومع ذلك فمن دون الكتابة لا يستطيع الوعي الإنسانيّ أن يُنجز إمكاناته الأكمل، بل لا يستطيع أن يُنتج إبداعات أخرى مفعمة بالجمال والقوّة، وبهذا المعنى تحتاج الشّفاهيّة أن تنتهي إلى إنتاج الكتابة، وهذا هو مصيرها، والكتابيّة تصبح ضرورة مطلقة من أجل تطوّر العلم، بل التّاريخ، والفلسفة والنّقد الأدبيّ والفنيّ، بل من أجل شرح اللغة نفسِها (بما فيها الكلام الشّفاهيّ)، ونحن لا نكاد نعثر في عالم على ثقافة شفاهيّة، أو ثقافة تسودها الشّفاهيّة لا تكون بشكل ما على وعي بمركب القوى الثّقافيّ الشّاسع الذي لا سبيل إلى بلوغه أبدًا من دون الكتابة”.

هيمنة الشّفاهيّ على إنتاج الخطاب الشّعريّ

مع صعود تيّار ما بعدَ الحداثة، اكتسب الأدب الشّفاهيّ صعودًا كبيرًا؛ فقد ركّزت ما بعد الحداثة على أشكال التّعبير الشّفاهيّ والطّرق الأكثر تداوليّة (أو براجماتيّة pragmatique) في لغة الحياة اليوميّة، كوسيلة للالتحام بالواقع اليوميّ المعيش، عبْر الالتحام بآليّات التّعبير الشّفاهيّ، ولغةِ الحياةِ اليوميَّةِ، وتراكيبِها، ومنطِقِها الجماليِّ الخاصِّ، سعيًا إلى “تحقيْقِ الالتحامِ الحميم بِالواقعِ، وليس مجرَّد مُعايشته على البعد”(6)، وسعيًا إلى الإخلاصِ لوظيفَتِها التَّوصيليَّة، وهو ما يقود- أحيانًا- إلى تَقَشُّفٍ لغويٍّ، واعْتمادِ مُفرداتٍ دارجةٍ، وتكرار أبنيةٍ عاميَّةٍ، والتَّركيزِ على المنطقِ الجماليِّ الشِّفاهيِّ الحيِّ، وهذا الانهمامُ بِالوعي الشِّفاهيِّ يصبُّ في اهتمام ما بعدَ الحداثةِ، ضمن إعطائِها الصَّدارةَ “للثقافَة الشَّعبيَّة؛ كتَحدٍّ لمعيار الفنِّ الرَّفيع، حداثيًّا كان أم تقليديًّا”.

ويكشف مشهد الإبداع الشعري في أطواره الأولى عن هيمنة الشّفاهيّ على عمليّة إنتاج الخطاب الشّعريّ؛ فهومروس كان شفاهيًّا محضًا، وكذلك كان المهلهل بن ربيعة، وغيره من أوائل شعراء الجاهليّة، يُنجزون شعرًا شفاهيًّا، وكان مَن بعدهم من شعراء المعلّقات والمُطولات ينجزون شعرًا شفاهيًّا يقوم على وعي بآليَّات الكتابية المنظَّمة، وحين أتى عصر التَّدوين تحوَّل ما كان شفاهيًّا إلى كتابيّ، سواء في الشِّعر أو الخُطب والرّسائل، غير أنّ الشّفاهيّة لم تنفصلْ عن الكتابيّة في هذا العهد، وكما ظهرت الشّفاهيّة لدى شاعر كأبي العتاهيّة، ولدى أبان اللاحقيّ، ثم لدى البهاء زهير، ظهرتْ، كذلك، في فضاء النّثر، لدى الجاحظ، ثم أبي حيان التّوحيديّ، وظلَّ الشّفاهيّ حاضرًا حتّى مطالع العصر الحديث، وبرز الوعي بآلياته لدى نزار قبّاني، ولدى عبد الوهاب البيّاتي، ولدى صلاح عبد الصّبور، ولدى أحمد عبد المعطي حجازي، ولدى عبد المنعم عوّاد يوسف، ولدى كمال نشأت، ولدى مجاهد عبد المنعم مجاهد، وبرز الأداء الشّفاهيّ كذلك في المشهد النّثريّ، لدى طه حسين، ولدى أحمد حسن الزيّات، ولدى جبران خليل جبران، ولدى ميخائيل نعيمة، ولدى يوسف إدريس، ولدى محمود السّعدني، ولدى خيري شلبي، ولدى محمد مستجاب، وفي مشهد القصيد النّثريّ برزت شعرية الشّفاهيّ عند محمد الماغوط، في أواخر الخمسينيّات، في نصوصٍ التحمتْ بالخطاب اليوميّ الشّفاهيّ التّداولي، وبرزت نبرته الشّعريّة المتمرّدة المتصعلكة، في الشّوارع والأزقة الليليّة، بين المعذَّبين والمطاردين والحالمين، ومعها انتقل الخطاب اللغويّ من علياء الخيال إلى زحام الحياة اليوميّة، ونبراتها المعاصرة، وقد وجد هذا التيّار الذي ابتدأه الماغوط دعمًا كبيرًا من حلقة الجيل التّالي في سوريا، فيها: منذر مصري، ورياض الصّالح الحسين، وعادل محمود، ونزيه أبو عفش؛ هذه الحلقة التي عمّقت المسار، كما برزت هذه الشّعريّة كذلك عند شوقي أبي شقرا في ديوانه: “ماء إلى حصان العائلة”؛ الذي أنجزه في بداية السّتينيّات، في سردٍ سيريّ شفاهيّ، وجاء الحضور الجماعي الأبرز في مرحلة التّسعينيّات؛ نتيجة لتحوّلات السوسيو- تاريخيّة كبيرة، قادت إلى تحوّلات فنية مفصليّة، برز فيها الجنوح إلى جماليّات الحياة اليوميّة؛ بتفاصيلها المعيشة وخطابها الشّفاهيّ، وإلى شعريّة البساطة، وبرز فيها حضور وافرٌ للأنا، وغالبًا ما تكون البداية من قلب الحدث، أو من موقف دراميّ، أو من موقف استئنافيّ، أو بعبارات دارجة وأساليب مُنتزعة من مدوّنة الحياة اليوميّة، وهو ما يُمكن رصدُه في قول خالد حسان:

“تعرفين

ليست معي أموال

أو وظيفة ثابتة

ومن عائلةٍ متواضعةٍ

وأمي ترّبي الدّجاج معنا في البيت

تعرفين

أبي ضربني مرّة لأنّني نسيت

أن أضع البرسيم للبقرة

ونمتُ أمام التليفزيون

وزوج عمّتي محكوم عليه

غيابيًّا

في إيصال أمانة

لصاحب محل الأدوات المنزليّة

وأخي الأصغر

مات بالتّيفود

نتيجة تشخيص خاطئ

لحلاق القرية

الأكثر من هذا وذاك

أن باطن كفّي لا يزال خشنًا

وظهري به انحناءة واضحة

من جرّاء العمل مع أبي

في الحقل

فهل من المُمكن أن تقفي بجانبي

كي أتجاوزَ محنتي

وأنا أنظر في عينيك

بكلّ هذا الميراث

الثّقيل!”

إنّ شفاهيّة الخطاب الشّعريّ تتبدّى منذ استهلال الخطاب بقوله: “تعلمين”، ليبدأ البوح البسيط، لذات إنسانيّة بسيطة، عانت ولا تزال تعاني، كأغلبية أبناء مصر، عبْر نبرة حميمةٍ، تتدفّق فيها المُصارَحة الكاشفة، وينتقل فيها الأداء من الخبر إلى الإنشاء، في تدفّق شفاهيّ خالص، يُخضع الأداء اللغويّ لنبرته الخاصّة، ولتفاصيل الواقع المعيش؛ ولهذا جاء أداؤه الشّعريّ وثيق الصّلة بنبض المعيش.

وتتبدّى هذه الشّعريّة كذلك في قول ماجد مطرود:

“قرّرتُ أن أكون سهلاً, بسيطًا

لن أنفعل

ولن أنحاز

أفكّر بالأشياءِ كما هيَ،

كما أراها

وكما ألمسها

لا يحتاج الأمر..

إلى التّفكيرِ بما وراء الأشياء،

أو التّعمّق في عمقِ الأشياء

يكفيني ..

أن أرى السّطوح وملمسها

أشعر بالألوان وبهجتها

يكفيني

أن أسمعَ صوتك, لكي أفهم

أن أنظرَ الى عينيك لا لكي أبحرَ فيهما،

وأربك إحساسي بالأسئلة

إنّما لتساعدَني

أو تقودني

إلى منطقةٍ مشتركة

جمال العيون،

يكمن في النّظر إليها،

لا في البحث عن الضّياع في أعماقها

لهذا قرّرت ببساطة شديدة،

أن أكونَ سهلاً, بسيطًا

لن أنفعل

ولن أنحاز أبدًا”

فعبْر أداء شفاهيّ تقريري واضح، تُعلن الذّات الشّاعرةُ، فيما يشبه المانفيستو الشّعريّ، قرارها بالتزام البساطة، في أداء شعريّ يُجسّد هذه البساطة، وفي نبرة مُصارَحة واضحة، يتشخصن فيها الوضوح، ويتبدَّى بنية وموقفًا، ويتبدّى الخطاب فيها مُوجّهًا إلى الذّات والآخر معًا، والصّوت الشّعريّ هنا يكشف عن وعي شفاهيّ بالتّأكيد على توازي الدّلالة، هو، كما يقول، قرَّر ببساطة، أن يكون سهلا بسيطًا.

وتتبدَّى هذه الشّعريّة كذلك في قول سامي سعد:

“أنا مواطنٌ صالح

عيوبي طفيفة، ولا تُذكَر

لا أقرأ الجرائدَ، ولا أتابع التلفازَ

ولا تعليق لي على الأحداث الجارية.

هناكَ ربٌّ يُدبّر الأمر

ملوك ورؤساء، جنود يُديرون الدّفة

لا أوافق، ولا أرفض

ليست لديّ بطاقة انتخاب، ولا فيزا كارت

أكتفي ببطاقة الهوية

للمرور من الكمائن بعد الفحص،

استخراج تصريح الدّفن

ما عرفته من الحياة، والكتب الشّريرة

ألقيته في البحر

أمضي وقتي في متابعةِ ناشيونال جيوغرافيك

وسؤالِ حبيبتي عن طلاء أظافرها

أمنياتي قديمةٌ، ولن تتحقّق أبدًا

أنا مواطنٌ صالح، ورغم هذا

لا يتركوني أنام مطمئنًا

يضغطون على قلبي بقسوة

لأكفرَ بكلِّ شيء.

أنا عاطلٌ أصيل

عملت بما فيه الكفاية

حتّى حصلت علي جائزة البطالة

الآن لدى متّسعٌ من الوقت

لترتيب خساراتي، الأقدم فالأحدث

تفنيدِ دفتر الذكريات

حصْرِ عدد أعقاب السّجائر التي أشعلت

محصولي من الضّحكاتِ قليل

لذا أقوم بأدخال بعض النّكات في صلب الدّراما

قبل النوم، أضع كوب الماء بجواري

لاصطياد الكوابيس والعناكب

أو لملاك تعذّر عليه الوصول للبئر،

وكما ترون

حتّى للبطالة أعباء ثقيلة.”

يحمل هذا الخطاب ملامح شفاهيّة واضحة، تتبدّى في صوت الأنا الشّاعرة، منذ مُستهلِّ النّصّ، وفي نبرتها الواضحة البسيطة، وفي عناصر شفاهيّة تعتمد على التّكرار، ومنه تكرار الصّيغ النحويّة والصّيغ التّداوليّة، كذلك يعتمد الخطاب صياغات شفاهيّة خالصة كقوله: “عملت بما فيه الكفاية”.

وتتبدَّى هذه الشّعريّة كذلك في قول سالم الشّبانة، في نصّه: “الشّيطان والتّفاصيل القديمة”؛ الذي جاء على هذا النّحو:

“أمّي طيّبة والله.

وكان من الممكن أن تحبَّك ِجدّا؛

فلكِ عينان، تضحكان مثل عينيها

ونفس الأصابع، والقامة الطّويلة.

للأسف، لستُ رجلا صالحًا،

فسامحيني، أنا عصبي،

ولا تضحك عيناي مثل أمي إلا نادرًا.

أتعرفين لماذا؟

ربّما، لأنّي أغرقت نفسي بتفاصيل كثيرة.

والشّيطان يكمن في التّفاصيل،

لا أعرف الشّيطان معرفة شخصيّة،

ولكنّ دوره مهمٌّ جدًّا؛

لضبط إيقاع الحكاية القديمة

ولتبرير كلّ هذه الذّرائع الإنسانيّة.

ما علينا..

لماذا نستعيد هذه التّراجيديا حاليًا؟!

ربّما لأنّ الحبّ أيضًا مُربكٌ.

ولا ينقي القلب العاصي،

من تلك النّكتِ السّوداء بوضوح.

قد يكون الأمر كطموح إبليس

لنيلِ الخلود، والنّورانيّة الصّافية.

وهذا صعبٌ صدقيني:

نصنع من الحب صنمًا جميلا،

كأطفال الأيقونات والقدِّيسين الحَزَانَى

فإذا حوصرنا حطمناه بسرعة؛

ومضينا بلا ندم في الطّريق المظلم.

فهل كان آدم براجماتيًّا؟!

تصوّري، ممكن أن يكون

مدبر مكائد ساذجة، كطبع أبنائه

عندما جرّ غريمه ببساطة للعنته الأبديّة.

فلماذا يلعب الحبّ معنا

دورَ شيطان وحيد، ومخدوع؟

ليطردنا إلى أين؟!!

كالعادة، ستقولين:

أنت متعَبٌ يا حبيبي،

وتخلط الأوراق كالمقامرين

لتُعمِي عينّي عنكَ.

لا تجهدني بهلاوسك هذه أرجوكَ،

وقبّلني؛ لترى أكان آدم ساذجًا،

أم مدبر مكائد؛

ليرى سوءته وحقيقته.

فالنّجوم التي تلمع بشاعريّة

وأنت في العمق،

ربّما، أرواح تتحرّر مرحة

من الأسطورة، والزّمن السّرمديّ”.

إن أداء الشّعريّة هنا شفاهيّ بامتياز، يستهلّه الصّوت الشّعريّ استهلالاً شفاهيًّا خالصًا بقوله:

“أمّي طيّبة والله.

وكان من الممكن أن تحبَّك ِجدّا؛”

وتحضر الصّيغ الشّفاهيّة على نحوٍ كثيف في تضاعيف الخطاب، كما في قوله:

“للأسف، لستُ رجلا صالحًا،

فسامحيني، أنا عصبي،

ولا تضحك عيناي مثل أمي إلا نادرًا.

أتعرفين لماذا؟

ربّما، لأنّي أغرقت نفسي بتفاصيل كثيرة.

والشّيطان يكمن في التّفاصيل،

لا أعرف الشّيطان معرفة شخصيّة،

ولكنّ دوره مهمٌ جدًّا؛

لضبط إيقاع الحكاية القديمة

ولتبرير كلّ هذه الذّرائع الإنسانيّة.

ما علينا..

لماذا نستعيد هذه التّراجيديا حاليًا؟!

ربّما لأنّ الحبّ أيضا مُربكٌ. ”

فالصّوت الشّعريّ هنا هو صوتُ أنا تتحدّث من موقع حياتها المعيشة، حديثًا ينتمي بتراكيبه ونبرته إلى هذا الواقع انتماءً خالصًا، وتتكرّرالصّيغ الشّفاهيّة في هذا الخطاب، وتتنوّع تجلياتها؛ لتكشفّ عن نسيج شفاهيّ خالص، تُهيمن في بنائه صيغُ التّداوليّة وآليّات شفاهيّة، تجسّد لغة الحياة اليوميّة بجمالياتها الشّفاهيّة.

ومن هذه الشّعريّة أيضًا قول أحمد أنيس:

“بالأمس

في الإنبوكس

كنت تقول شيئًا عن خوف من الصّمت

وأنا أجبتك مسرعًا: بعد الشّرّ عليك

بعدها

لم أنم بشكل جيّد

جاء فرويد منتصرًا لـ (كوابيس الإمتحانات)

وربّما يجب ألا نسميه كابوسًا

لمحبّة أصيلة للأسئلة

إلا أنّه

جلس منتشيًا كمراقب يمنع الغشّ

ربّما جاء فقط ليشمتَ بي

فلم يكن هناك غيري بالأساس

وحتّى نقوش البرشام على التّختة الخشبيّة

طمسها الزّمن وكثرة الأسئلة”

ففي هذا النّصّ الشّعريّ تتبدّى شعريّة الأداء الشّفاهيّ في تداوليّة أدائه اللغويّ؛ التي تتبدّى معجميًّا في كلمات مثل “الأنبوكس، البرشام، التّختة”، التي تكشف التحامًا بخطاب الحياة اليوميّة، كذلك تتجلّى شعريّة الأداء الشّفاهيّ في الجنوح إلى صيغ تداوليّة وشفاهيّة خالصة، ومنها:

– ” وأنا أجبتك مسرعًا: بعد الشّرّ عليك

بعدها

لم أنم بشكل جيّد”

– ” ربّما جاء فقط ليشمتَ بي

فلم يكن هناك غيري بالأساس”

وهذا الأداء يُوضّح حرص الخطاب على الالتحام بآليّات الحياة اليوميّة الشّفاهيّة، وعلى شفاهيّة أدائه الشّعريّ.

ومن هذه الشّعريّة كذلك قول مروة أبو ضيف:

“صفْ لي الصّبر

دون أن تُكرّر أغنيات العشق

ومواويل العَجَزة و قليلي الحيلة

دون أن تتقمّص درويشًا تعرفُ أنّه لا يُشبهك

ولا يشبهني

لا تخبرني أنّ الله يحبّ الصّابرين

الله يحبّني

وأنا لا أعرف ما هو الصّبر أصلا

إنْ أردت شبّهه بالليل

يعرف كيف يُحايل عابريه

ينتشي مع السّكارى

يرقص مع السّعداء

ويئنّ مع الحَزَانى والوحيدين

ربّما الصّبر طينة على قدّ أيدي حامليه

وأنا يدي بلا أصابع

ليلي ليلُ الغريب”

فالنّصّ يمثّل نبرة احتجاج واضحة، تتجسّد فيها صيغٌ وأساليبُ وتعابيرُ شفاهيّة، منها:

-” لا تخبرني أنّ الله يحب الصابرين

الله يحبّني

و أنا لا أعرف ما هو الصّبر أصلا”

-” ربّما الصّبر طينة على قدّ أيدي حامليه”

وهيَ صيغ تلتحم بلغة الحياة اليوميّة، وتتشكّل بها شعريّة النّصّ.

وتتبدّى هذه الشّعريّة كذلك في قول محمود خير الله في نصِّه: “حيث لا تنتهي الحرب أبدًا”؛ الذي جاء على هذا النّحو:

“انتبهوا‮..‬

هذا الرّغيفُ‮ ‬الأبيض الفاخر،

الذي‮ ‬يظهر كلّ ليلة،

في السّماء،

ويبدو نحيلاً‮ ‬ـ أحيانًا ‬ـ‮ ‬

كعودِ‮ ‬قَصب،

ومستديرًا

ـ أحيانًا‮ ‬ـ‮ ‬

كقُرْطٍ‮ ‬في أُذنِ‮ ‬الغيم،

ليس قمرًا،

صدِّقوني،

إنه آخر ما تبقّى من دموعِ‮ ‬أجدادِنا،

الذين ماتوا في سالفِ‮ ‬الأزمان،

ببطونٍ‮ ‬خاوية‮. ‬

هذا الرّزازُ‮ ‬الخفيفُ،

الذي‮ ‬يسقط في الخارج،

ـ الآن ـ‮ ‬

فيُوحِل الأرضَ،

تحت أقدامنا،

ليس مَطرًا‮ ‬

ـ ولا‮ ‬يَحزنونْ‮ ‬ـ‮ ‬

إنّه عرقُ‮ ‬أجدادِنا،

الذي جمَعَه ملوكُ‮ ‬الأزمنة الغابرة،

وخبَّأوه ـ كالعادةِ‮ ‬ـ

في عَباءةِ‮ ‬السّماء،

ليرويَ الأرضَ‮ ‬التي‮ ‬يحرسُها الأحفادُ

إلي الأبدْ‮..‬

هذا الشّاطئُ،

الذي‮ ‬يتمدّد كمَخدعٍ‮ ‬للأشجار والعصافير،

وتلك المياه التي تجري منسابةً

إلي الجحيم،

ليست نهرًا،

بل دموعُ‮ ‬أمّهاتٍ‮ ‬فقدنَ‮ ‬أبناءهنّ‮ ‬في الحرب،

وبعد عصورٍ‮ ‬سَحيقة،

قرَّرت هذه الدموع،

أن تلقي نفسَها في البحر،

بسببِ‮ ‬هذه الحرب،

التي لا تُريدُ

ـ أبدًا‮ ‬ـ

أن تنتهي”‮‬

فهذا خطابٌ شعريٌ شفاهيّ خالص، تتأكّد شفاهيّته من شكل أدائه، ومن طبيعة خطابه، ومن تأكيده: “صدِّقوني”، ومن قوله :”ولا يحزنون”، في قوله:

” ليس مَطرًا‮ ‬

ـ ولا‮ ‬يَحزنونْ‮ ‬ـ‮ ‬

إنه عرقُ‮ ‬أجدادِنا”

وعلى الرّغم من مجازيّة الخطاب الواضحة في عدّة مواضع، فإنّه ينتمي انتماء واضحًا إلى نبرات الشّعريّة الشّفاهيّة؛ الملتحمة بأصوات الحياة المعيشة، والممتلكة وعيًا شفاهيًّا واضحًا، تتأسّس في فضائه شعريّة الخطاب.

وتتبدّى هذه الشّعريّة كذلك في قول عصام أبو زيد:

“لا أحبّ البيانو

وبالتّالي لا أحب كونشيرتو الصّباح الحزين

ثم تعالي هنا

كيف تستيقظينَ في الرّابعة فجرًا

وتُغرقين الزّهور في الحديقة؟!

هذه الحديقةُ قضيتُ عمري أجمع زهورَها

زهورَها المُتوحّشة

ذاتَ الأنياب والأشواك…

أنا غاضبٌ جدًّا

وأفكّر في طريقة أنتقم بها

كأن أضعَ قنفذًا في أدغال شعرك الطّويل

أو أدعوك إلى العشاء في مدينة العجائب

حيث ينفجرُ الشّلال فجاةً ويسقط فوق رأسك

لأشاهدكِ للمرّة الأولى وأنتِ تغرقين

سأكون سعيدًا بالطّبع

سأضحك كما لم أضحكْ في حياتي

ولكنّ قلبي الطّيّب في النّهاية

سيمدّ لك يديه

ويُعيدك إليه

ملكةً مُتوّجة”.

فعلى الرّغم من الجنوح إلى تحرير المخيال فإنّ الخطاب هنا ينتمي لغة الحياة اليوميّة المعيشة، بأدائها الشّفاهيّ البسيط، وبمنطقها الجماليّ الشّفاهيّ التّداوليّ، كما في المفتتح:

– “لا أحبّ البيانو

وبالتّالي لا أحبّ كونشيرتو الصّباح الحزين

ثم تعالي هنا”

وكما في قوله:

– ” أنا غاضبٌ جدًّا

وأفكّر في طريقة أنتقم بها”

وكما في قوله:

– ” سأكون سعيدًا بالطّبع

سأضحك كما لم أضحك في حياتي

ولكن قلبي الطّيّب في النّهاية

سيمدّ لك يديه”

وهذه التّعبيرات هيَ ما تُؤسّس شعريّة النّصّ الشّفاهيّ.

وتكشف هذه النّصوصُ مُجتمعةً عن محاولات عدة لجعْل الخطاب الشّعريّ أكثر التحامًا بنبراتِ الحياة اليوميّة وبأصواتها، وأكثر تعبيرًا عنها، عبْر اعتماد طرائق وأساليب تنتشر في خطاب الحياة اليوميّة التّداوليّ، في إنتاج خطاب شعريّ يتحدّث شعرًا، ويؤسّس خطابه الشّعريّ كلامًا شفاهيًّا طبيعيًّا وحيًّا ومُعاصرًا.

*( شاعر وناقد مصري)

موقع جريدة النهار اللبنانية

https://www.annahar.com/article/583217