عدنان أبو أندلس

أسرني يوماً صيادٌ متمرسٌ بحديثٍ خادع عن الصيد ،ٍ فذاك الحوارُ مازالَ مطبوعأ بذاكرتي حتى اللحظة ، كان يوهمُ العصافيرَ بمشيتهِ الهادئة ِالرزينة ِ؛ قائلاً :ً بأنها لا تخشى من السائرِ بإنسيابيةٍ متزنة ٍ،ومَنْ كان بطبعهِ هادئاً وديعاً ، بل تقتربُ منهُ وتتقافزُمِنْ حولهُ مشكلةً بذلك َنوعاً من الأُلفة المحبَبة، ومن يملكُ قلباً طيباً كقلبِها – أي العصافير ، لابد أن يُلاحظ ذلك جلياً ، فكيف إذا كان المعني مثل “موشي بولص” صديق الكائناتِ المخملية وعوالمها الأثيرية ، يؤنسها ، يُطعمها ، يُربيها ، حتى أضحت داجنة في نظر من يراها وهي تشْحذ مناقيرها و تتقافز من حولهِ .

إذنْ ياتُرى !… من هو ذاك الكائن الذي تألفهُ ولاتخشاهُ ؟!… هو ذاك الصبيُ النَّحيل الهادئ الذي عرفتهُ قبل أربعة ِعقودٍ أو أكثر ، كان يجوبُ ساحة َالمدرسةِ خلال َالفرصةِ مابين الدروس ِ، نعمْ يجولُ فيها وعينيهِ في الأُفق البعيد ، يُطأطئ رأسه ويمضي بإكمال دورتهِ المعتادة، وكأنهُ متّوحد بأُلفة حميمة ٍمع النفس بطقوسهِ المتَّفردة ، مردّداً مقولة الفنان المسكين الصامتْ ” شارلي شابلن ” ” أحبُ المشَّي تحت َالمطر ، لأنهُ لا أحداً يرى دموعي ” .

لم يكنْ صديقاً لي حينها ، بل معرفةَ ًعرضية ًتبدأ بسلام ٍوتنتهي بوداع ٍ .

فارقتهُ منذ ذلك الحين وإنقطعت أخبارهُ عني . لكن من المصادفة الرائعة أنهُ وقبل سنواتٍ كان قدْ نشر موضوعاً لم أعدْ أتذكرهُ في مجلة ما ، حينها إستذكرتهُ وسالتُ عنهُ فوراً ، كنتُ أعتقد بأنهُ حالياً في بلاد المهجر ، وتصادفنا وتجدّدت علاقتنا أكثر بعد أن أصابت الكهولةُ أعمارنا ، لكني رأيتهُ هو – هو لم تتغير طِباعهِ بل إزادت حناناً ومحبة وأُلفة ، كيف لا ؟!.. وهو الذي وجدّتُ بأن عاطفتهِ من ذهَبٍ وقد أثمرتْ الطيبةَ والتسامح َوالمحبة .

ومثلما خَلد َالأديب فاروق مصطفى صديقهِ الشاعر الكوني ” سركون بولص ” بـ مقالة ِإستذكار عنوانَها ” دراجة سركون بولص ” آليتُ على نفسي أن أتماها بهذهِ المقالة وأُخلد صديقي موشي بـ ” عصافير موشي بولص ” وجلّ ما أتمناهُ أن لا تخلو المدينة من بولص ومسمياتهِ الحميمة على قلبي الذي لن تمحى منهُ ذاكرة طيبة أبد الدهر .

هو المسالم ُبإفراطٍ ومتواضع ٌحدّ الخرافة ونزيه ٌوكائن ٌ وملاك أرضي، يعرفهُ الكثيرون ممن عاشروهُ من الأصدقاء ، كريماً ، سخياً مؤتمناً ، حتى المتسولون يهرعون إليهِ عند منحنيات الأرصفة التعبى كونهُ يغدقُ عليهم ما تجودُ بهِ يدُهُ السخية ، لاينهرُ أحداً منهم أبداً ، بل يعطيهم ويمضي بطريقهِ . هذا الوديع ُ لهُ طقوسهِ الخاصة في ضبط مواعيده ِ ، هو الكاهن الذي لايُصلِّيِ رغم معرفتهِ بتعاليمهِ ، لم ْ يحظرْ قُداساً سوى قُداس تشييع جنازة والدتهِ التي حَظَرتُ معهُ طقوسها كاملة في كنيسة المشرق .

حكى لي يوماً حادثة غريبة حصلتْ لهُ حين وصل دائرتهِ متأخراً ، وفي هذهِ الوقت بالذتْ يكون المديرُ واقفاً عند المدخل الرئيسي للدائرة يتفقد ويُحاسب المتأخرين عن وصول الدائرة وكعادتهِ يومياً ، وحالما ولجتُ من الباب حتى رفرف َفوق رأسي سرباً من العصافير وسط دهشة المدير الذي ذُهلَ من المنظر وصاح بعبارتهِ : ولك موشي ماهذا الذي آراهُ !..قلتُ لهُ : هذهِ عصافيري التي أطعمها كل صباح وها قد تأخرت ُعنهم .لم يتساءل المدير عن تأخيري ، بل تملَّكهُ العَجب من ذلك الموقف المثير حقاً ونسيَ- أن يوجه لي السؤال المعتاد بتأخيري عن الدوام .

موشي الذي يُطعم ُعصافيرهِ في أوقات دوامهِ في مكان خُصص لها ، يقف متأملاً مناقيرها التي تلتقط ُالقوتَ ويفرح ُكثيراً ، حتى قدحُ الماء ِمركون ٌفي زاوية قريبة منها طوال السنة ، يطْردُ القطط َوالغربان لئلا تضايقها ، ما أن تكملْ وجبتها يرجعُ إلى إفطارهِ بشهية مفتوحة ، وهذا ديدنهُ منذُ سنوات والكل يعرفهُ بهذا العمل الشّاق الممتع .

في كل ِّمرة أترقبهُ كيف يُطعمها ؟.. حين يحملُ القوتَ إليها لا ترى أي عصفورٍ في المكان ذاتهِ ، فالكل فوق الأشجار كامنةً تتّرصد ُمرورهِ ، وحالما يمضي حتى تداهمهُ زوبعة من العصافير بحركة ملتوية من الطيران تتماوج فوقهُ فرحة بحركة جناحيها ،أما خارج أوقات الدوام والعطل الرسمية فيحسب ذلك بأن يركن لها أضعافَ القوت ِالجاهز وفي مكان مغاير خشيةً من أن تترصدها كائنات أخرى.

ذات يوم داهمهُ مرضٍ مفاجىء مما أُضطر أن يتمتع مكرهاً بإجازة ، وحين إتصلتُ بهِ للإطمئنان عن صحتهِ ، غير أنهُ ردَّ بصوتٍ متحشرج قائلاً : أوصيك بـ عصافيري خيراً يا أبا أندلس ؟!.. قهقهتُ في الحال وقلتُ لهُ :إطمئن إنها تنقُر من عيوني ، تنهد وشكرني بصوتٍ خفيف متهالك ،أما العصافير فقد غادرت المكان حال غياب موشي بإندهاش الموظفين الذين إعتادوا رفرفتها فوق الأشجارالتي أمام مدخل الدائرة رغم تراكم القوت في مكانهِ المعتاد ، لكن عند رجوعهِ من الإجازة عادت كالسابق من الإنشراح والزقزقة المدوية التي ملأت أرجاء الحديقة .

وفي ذات يومٍ وهو منهمكاً بإطعامها ذكرتُ لهُ حادثة مروعة حصلت للعصافير في الصين عام 1958 وهي إبادة كل العصافير بقرار حكومي مجحف على أساس التهام الحبوب المزروعة في الحقول ، وخلال حملة واسعة ومطاردة كُبرى صيداً وقتلاً وتسمماً تسبب في غيابها كلياً من أجواء البلد ، مما أثارت الرأي العالمي آنذاك موجة من الإستنكار والتنديد بذلك العمل اللئيم ،مما أثارة مشاعرالأدباء والكتاب ، حيثُ كتب الشاعر المصري محمد صان الدين قصيدتة بمأساةٍ ” صمتْ العصافير ” يقول فيها :

لِمَ لا تُغني ياطيور – لِمَ لاتطيري في البكور .

مالي اراكِ قد إنطويتِ – فلا رفيق ولاظهور

وركنتِ للصمت الحزين – وأنهُ القلب الكسير

حدّقْ بوجهي ملياً وبانت ملامحهِ الحزينة في الحال وقال : معقولة !.. هذهِ جريمة كُبرى بحق هذهِ الكائنات المدلّلة عندي .، تأثر كثيراً ، كرّر سؤالهِ بعجب !.. بربك أيعقل هذا ؟!.. أن نبيد تلك المخلوقات المرحة ؟!…و التي تعودنا على سماع أصوات زقزقتها المتفائلة في منافذ بيوتنا وسقوفها مع أول خيط للضوء . هذا الذي انظرُ إليهِ من أعمق نقطة في صفاء روحي ،أنهُ موشي الذي يحتظنُ قلبهُ بجرحهِ أمل نحو الخير والتفاؤل والأمل يعلفها من الصمون التركي الطازج بعد تنقيعهُ بالماء وتفتيته ُ لها ، وإذا شحّ ذلك؛ فليس لديهِ إلا النستلة ، نعم النستلة ! وكما رأيتُ ذلك من تفتيتها ونثرها على عشب الحديقة ، ويسقيها من قنينة ماء معقم مستأنساً بنشيد يرددهُ مع نفسهِ ومستذكراً أيام الدراسة ، وحال بكت السماء بزخة مطرٍ هرولت إلى مظلةٍ تحميني وتركتهُ يغرد مبتلاً :

ألا طيري ألا طيري …………. وغني يا عصافيري لديك الماء و الحب ……………لديك الحقل و العشب

هذا المسامح بإفراط لهُ الذي ولج بقلوب العصافير فكيف لا يلج قلب بشر . لكن يبقى سِرمحبتهِ لهذه الكائنات الصغيرة ، ربما أوعز بأنها الطفولة كحساس حياتي ليس إلا . مسالمة ولصغر حجمها ولدلالة التفسيرمن تفاؤلهِ برؤيتها ،سيما وأنهُ ملِمٌ بأبجديات التنجيم ربما .فكانت هذه العلاقة قد راودتهُ منذ طفولتهِ وحتى حين ، تركتهُ يهمس مع ذاتهِ ويتغنى بنص شعري ربما تشابه حالتهِ تلك ”

اننا لسنا بمحبة العصافير

فكن يا صديقي

كواحد منها

قلبا نقيا .. ينتظر الربيع

و للحياة ااقبل

ستغدو رقيقا مثلها

ستنبت في روحك عمر جديد

. ستنشغل فقط بالحياة

.. 2016-12-24-كركوك