صالح علماني

 

 

تطلق تسمية الأدب الإِسباني – الأمريكي Literatura Hispanoamericana على الكتابات الأدبية النثرية والشعرية المكتوبة باللغة الإِسبانية في بلدان العالم الجديد التي خضعت للفتح الإِسباني بعد اكتشاف القارة الأمريكية عام 1492, وقد استقرت هذه البلدان اليوم في تسع عشرة دولة مستقلة ناطقة بالإِسبانية هي: أورغواي, بارغواي, الأرجنتين, تشيلي, بوليفية, البيرو, الإكوادور, كولومبية, فنزويلة, بنمة, كوستاريكة, نيكاراغوة, هندوراس, السلفادور,غواتيمالة, المكسيك, كوبة, سانتو دومنغو (جمهورية الدومينيكان), تضاف إِليها جزيرة بورتوريكوالتي مازالت تستخدم اللغة الإِسبانية مع أنها تدار من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما ينطبق كذلك على الأجزاء الجنوبية من الولايات المتحدة, وخاصةً ولاية نيومكسيكو وأجزاء كبيرة من ولايات كولورادو وأريزونة وأوكلاهومة, حيث ما زالت الإِسبانية شائعة جنباً إِلى جنب مع الإِنكليزية. ويمكن تقسيم الأدب الإِسباني – الأمريكي إِلى ثلاث مراحل رئيسة, تمتد الأولى منذ وصول الإِسبان في أواخر القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. في حين تمتد المرحلة الثانية من استقلال بلدان القارة عن السيطرة الاستعمارية الإِسبانية حتى أوائل القرن العشرين. أما المرحلة الثالثة فتتناول ازدهار آداب أمريكة الإِسبانية وتبلور شخصيتها, وانتشارها عالمياً في العصر الحديث.

 

الأدب في المرحلة الاستعمارية:

 

لعل أول ما يلفت النظر لدى رصد تطور الكتابة النثرية في العالم الجديد إِبان القرون الأولى للغزو الإِسباني هو الغياب الشامل تقريباً للإِنتاج الروائي. وهناك تفسيرات كثيرة لهذا الغياب, أبرزها التشريعات التي سنها الملك كارلوس الخامس منذ عام 1532 بحظر نسخ أعمال الأدب المتخيل ونشرها وتوزيعها وتداولها وخاصةً روايات الفروسية, خوفاً من أن يعتقد السكان الأصليون ( الهنود) بصحة تلك التخيلات الروائية التي قد تصرفهم عن الإِيمان, لأن إِيمانهم كان حديث العهد بالمسيحية وما يزال ضعيفاً.

 

أما أول الكتابات النثرية التي ظهرت حول أمريكة الإِسبانية فهي يوميات كريستوف كولومبس عن رحلته الأولى, وكذلك رسائل فاتح المكسيك هيرنان كورتيس إِلى الملك كارلوس الخامس يخبره فيها بفتح مملكة إِسبانية الجديدة (المكسيك) ويطلعه على أحوال تلك البلاد.

 

وبعدها تأتي كتابات المؤرخين الذين رافقوا الإِسبان أو كانوا جنوداً في الحملات مثلما هو حال بيرنال دياث دل كاستييو Bernal Díaz del Castillo صاحب كتاب «القصة الحقيقية لفتح إِسبانية الجديدة» Verdadera historia de la conquista la Nueva Espaňa , وفيرنانديث دي أوبييدو Fernandez de Oviedo في كتابه «التاريخ العام والطبيعي لبلاد الهند» (وبلاد الهند أو las Indias هي التسمية التي شاعت للقارة الأمريكية نتيجة الخطأ التاريخي الذي وقع فيه كولومبس منذ البداية باعتقاده أنه قد وصل إِلى شواطىء الهند).

 

ولابد من ذكر الراهب بارتولومي دي لاس كاساس Fray Bartolomé de las Casas الذي دافع بحرارة عن سكان القارة الأصليين وأدان بشدة وحشية الإِسبان وقسوتهم في استعباد أهل البلاد الهنود في كتابه الشهير «القصة الموجزة لتدمير بلاد الهند» حتى استحق لقب رسول بلاد الهند.

 

وقد انتشرت هذه الكتابات على نطاق واسع في إِسبانية وأوربة في القرن السادس عشر, وكانت مصدر إِلهام في ظهور أساطير جديدة, مثل أسطورة مملكة الذهب أو إِلدورادو, ومملكة الأمازونيات, وأسطورة البلاد الرائعة التي يقطنها متوحشون طيبون, كما كان لها أثر كبير من دون ريب في ولادة الأفكار اليوتوبية Utopian المثالية, التي دعا إِليها توماس مور[ر] وبيكون وغيرهما.

 

والملاحظ أن جميع هؤلاء الكتاب هم من الإِسبان الذين استقروا في العالم الجديد. أما أول كاتب كبير من أصل أمريكي كتب بالإِسبانية فهو الإِنكا غارثيلاسو دي لا بيغا [ر] lnca Garcilaso de la Vega (1539 -1616) الذي ولد في البيرو لأب إِسباني هو القائد سيباستيان دي لابيغا وأم هندية هي الأميرة ايسابيل تشيمبو أوكلو ابنة عم امبراطور الإِنكا الأخير آتاهوالبا. وقد أدهشت كتاباته الناس في أوربة وأثار استغرابهم حديثه عن وجود حضارة متطورة في البيرو قبل الغزو الإِسباني, ووصفه لمعاناة أبناء شعبه على يد الإِسبان في كتابه «الشروحات الملكية للإِنكا» و «التاريخ العام للبيرو» حتى عدّه بعضهم أبا التاريخ الأمريكي اللاتيني. ورأى فيه الكاتب الغواتيمالي ميغيل أنخل استورياس [ر] Migel Ángel Asturias (1899ـ1974) السابقة الأولى لأدب الاحتجاج والمعارضة, وذهب الروائي البيروي المعاصر ماريو بارغاس يوسا إِلى أبعد من ذلك عندما رأى أن أصول الواقعية تعود إِلى كتابات الإِنكا غارثيلاسو, وخصوصاً عرضه لمأساة شعب الإِنكا في أيامه الأخيرة, مع مجيء الإِسبان.

 

أما الأشعار التي توالى ظهورها منذ وصول المستوطنين الإِسبان إِلى القارة الأمريكية حتى القرن التاسع عشر فقد ازدهرت في مركزين ثقافيين أساسيين في العالم الجديد: المكسيك والبيرو.

 

ولكنها لم تكن إِلا تكراراً للأساليب والأنماط الشعرية السائدة في الوطن الأم على الجانب الآخر من المحيط. والمثال البارز على ذلك الشاعرة المكسيكية الراهبة خوانا إِنيس دي لاكروث Sor Juana Inés de la Cruz (1651-1692) التي أبدعت في محاكاة أساليب الشعراء الإِسبان, وخاصةً كيفيدو [ر] Quevedo وغونغورا [ر] Góngora.

 

ويرى مؤرخو الأدب أن نقطة انطلاق الشعر الإِسباني – الأمريكي تبدأ سنة 1604 بديوان أشعار «العظمة المكسيكية» La grandeza mexicana التي نظمها الراهب بيرناردو دي بالبوينا Bernardo de Balbuena (1568-1627) ويتغنى فيها بجمال مدينة مكسيكو وبعاداتها ونمط حياتها الاجتماعي.

 

ولم يقتصر الشعر في تلك المرحلة على القصائد الغنائية, وإِنما تعداها إِلى الشعر الملحمي, وهو ما يُلمس في القرن السادس عشر لدى الشاعر التشيلي ألونسو دي إِرثيا أي ثونييغا Alonso de Ercilla Zuniga (1533-1594) مؤلف ملحمة «الأراوكانية»  Ia Araucana ومع أن الشاعر إِسباني المولد, فإِن ملحمته جزء لا يتجزأ من الأدب الإِسباني – الأمريكي, لأنها تنبع من الواقع الأمركي وتنصبغ بصبغته في تغنيها ببطولات شعب أراوكو (في تشيلي اليوم) ونضالهم بقيادة لاوتارو ضد الغزو الإِسباني.

 

وقد نشطت كذلك في المرحلة الأولى التي تلت الغزو الإِسباني أشكال بدائية من المسرح, ولكنه كان مسرحاً تبشيرياً وتعليمياً نظمه رجال الدين والبعثات التبشيرية لتلقين السكان الهنود مبادئ الديانة الكاثوليكية, وغالباً ما كانت العروض المسرحية تقام في الكنائس والأديرة وتنتهي بتعميد الهنود الحاضرين. أما المسرح بمعناه الفني والجمالي والاجتماعي, فلم يزدهر في أمريكة الإِسبانية إِلا في وقت متأخر.

 

مرحلة الاستقلال:

 

واجه الأدب الأمريكي اللاتيني في القرن التاسع عشر, وعلى أثر حركة الاستقلال التي شملت القارة بأسرها, مسألة جديدة شديدة الخصوصية, ألا وهي تعلم ممارسة الحرية التي تم الحصول عليها, وتحديد الهوية الثقافية الذاتية المستقلة.

 

وهكذا بدأ سعي بلدان القارة التي استقلت حديثاً لتحقيق الانعتاق الفكري والاستقلال الروحي في محاولة إِيجاد ثقافة وطنية أصيلة. ولهذا يلاحظ أن آداب القارة في الثلث الأول من القرن التاسع عشر مشحونة بزخم أيديولوجي مبثوث في المقالات الصحفية والرواية والشعر على السواء, للإِسهام في تكوين شخصية ثقافية متميزة. ولكن هذه المساعي لم تقلل من شأن التبعية الثقافية, بل اقتصر الأمر على استبدال المنابع التي تنهل منها. فالنخبة المحلية التي أسهمت كثيراً في الثورة على الهيمنة الإِسبانية, بدأت ترسل أبناءها للدراسة في إِنكلترة وفرنسة آخذة بالحسبان الأهمية المتزايدة للولايات المتحدة بعد استقلالها عام 1776, إِذ كانت المرآة التي ترى فيها الأمم الأمريكية الجنوبية نفسها. وهكذا أصبح الأدب الإِنكليزي والفرنسي, جنباً إِلى جنب مع الأدب الإِسباني, الدليل والمثال الذي يقتدي به الكتاب في أمريكة الناطقة بالإِسبانية.

 

فعودة استيبان ايتشيبريّا Esteban Echeverría إِلى بوينس آيرس عام 1830, بعد أن أمضى أربع سنوات من الدراسة في السوربون, كانت بداية حركة جديدة ذات أهمية بالغة في تطور الأدب الأمريكي – الإِسباني وهي الحركة الإِبداعية (الرومانسية).

 

إِلا أن أفضل النثر في تلك المرحلة الأولى التي تلت الاستقلال ليس في الكتابات الأدبية الصرفة, وإِنما في التأملات الاجتماعية حول بنية المجتمعات الجديدة الناشئة, والكتابات التاريخية, والمجادلات النظرية التي كانت تظهر على صفحات الصحف.

 

وأبرز مثال على ذلك المناظرة التي نشأت سنة 1842 في الصحافة التشيلية بين أندرس بيو [ر] Andrés Bello ودومنغو سارمينتو Domingo Sarmiento حول نقاء اللغة وحرية التعبير التي سبقت الموجة الإِبداعية. وبرز من كتاب المقالات في تلك المرحلة أيضاً الإِكوادوري خوان مونتالبو Juan Montalvo (1832-1889) والبيروي مانويل غونثالث برادا Manuel González Prada (1848-1918) والمكسيكي خوستو سييراJusto Sierra (1848-1912) والكوبي خوسيه مارتي[ر] José Martí (1853-1895) , ولابد في هذا الصدد من ذكر بطل تحرير أمريكة اللاتينية, الفنزويلي سيمون بوليفار (1830-1883) القائد العسكري لحروب الاستقلال الذي عبر عن أفكاره السياسية والاجتماعية ورؤيته لبنية المجتمعات الجديدة في أكثر من ثلاثة آلاف رسالة ومئتي خطاب وبيان كان يكتبها بأسلوب فريد في تألقه وجماله.

 

أما الكتابة الروائية فتبدأ مع المكسيكي خواكين فيرنانديث دي ليثاردي Joaquín Fernández de Lizardi الذي يحتل مكانة مرموقة في تاريخ الأدب الإِسباني – الأمريكي بوصفه صاحب أول رواية كتبت في أمريكة اللاتينية سنة 1816 بعنوان «بيريكيو سارنينتو» El periquillo Sarniento وهي بعث أمريكي لنمط الرواية البيكارية (رواية الشطار والعيارين) Picaresca القديم في إِسبانية.

 

والحقيقة أن قيمة الرواية لا تنبع من أهميتها الأدبية, وإِنما من ريادتها من جهة, ولأنها تعكس من جهة أخرى واقع المجتمع المكسيكي قبل الاستقلال مباشرة.

 

ومع انتشار الحركة الإِبداعية (الرومنسية), ظهرت في مجال الرواية ثلاثة تيارات لابد من الإِشارة إِليها؛ أولها هو تيار الحضارة والبربرية ونموذجه البارز الذي استقى منه اسمه هو رواية دومنغو فاوستينو سارمينتو (1811-1888) المشهورة باسم «فاكوندو» Facundo وهو اسم الشخصية الرئيسة فيها, مع أن عنوانها الكامل أطول من ذلك بكثير: «الحضارة والبربرية . حياة خوان فاكوندو كيروغا, والمظهر الطبيعي لجمهورية الأرجنتين وعاداتها وتقاليدها» وهي رواية احتجاجية على خوان مانويل روسا, حاكم الأرجنتين الطاغية منذ 1835 حتى 1852. وروسا في الرواية هو ممثل البربرية التي وصلت إِلى قمة السلطة المطلقة, وفي مواجهته تقف الحضارة مجسدة في جماعة من المثقفين المتصلين مباشرة بالثقافة الأوروبية ممن دفعهم تعسف الدكتاتور إِلى المنفى أو الهامشية. وهناك في السياق نفسه رواية «آماليا» Amalia من تأليف خوسيه مارمول [ر] José Mármol (1817-1871) وهي قصة حب رومنسية في ظل دكتاتورية روسا. يتهم بطلاها بالتآمر على النظام وتجري مطاردتهما إِلى أن يصرعهما زبانية الدكتاتور.

 

أما التيار الثاني في الحركة الإِبداعية فهو اتجاه الرواية العاطفية, وهي قصص حب متأثرة بالكتاب الإِبداعيين الفرنسيين, ومن أوسعها انتشاراً رواية «ثيسيليا بالديس» Cecilia Valdés  للكوبي ثيريلّو بييابيردي Cirilo Villaverde (1812-1894), وأهمها على الإِطلاق رواية «ماريا» María للكولومبي خورخي إِساكس  Jorgi lssacs (1837-1895), التي يمكن عدّها اقتباساً من نوعية عالية جداً لقصة الكاتب الفرنسي برناردان بيير «بول وفيرجيني» مع تأثر كبير بقصة «أتالا» لشاتوبريان.

 

وأخيراً هناك تيار الرواية التاريخية والموضوع الغالب عليه هو نضال الهنود في مواجهة الغزاة الإِسبان الذي يأتي في الغالب ضمن إِطار قصة غرامية مأسوية, وأشهر روايات هذا الاتجاه هي «إِنريكيو» Enriquillo للدومينيكاني مانويل دي خيسوس غالبان Manuel de Jesús Galván (1834-1911). أما أبرز من اهتموا بالماضي التاريخي فهو البيروي ريكاردو بالما Ricardo Palma (1833-1919) الذي أبدع نوعاً أدبياً جديداً دعاه «التقاليد» هو حالة وسطى ما بين الأسطورة التاريخية والحكاية الشعبية.

 

وقد كتب بالما أربعمئة وثلاثاً وخمسين  قصة من هذا النوع, جمعها في كتاب من عدة أجزاء بعنوان «تقاليد بيرويّة» Tradiciones Peruanas.

 

أما في ميدان الشعر فقد رأى الشعراء بعد الاستقلال أن الواجب يفرض عليهم أن يكونوا أدلاء أممهم الجديدة للتخلص من التقاليد الثقافية الاستعمارية, والتغني بانتصارات الشعوب الأمريكية اللاتينية لتعزيز روحها القومية, وهو ما يلمس في القصيدة البطولية الطويلة التي نظمها خوسيه خواكين أولميدو [ر] José Joaquín Olmedo (1780-1847) في تمجيد انتصارات بطل التحرير سيمون بوليفار بعنوان: «انتصار خونين أو نشيد إِلى بوليفار».

 

ومنذ عام 1830 بدأت الحركة الإِبداعية بالانتشار في أمريكة اللاتينية مع عودة ايتشبيريا من باريس ونشره في بوينس آيرس قصيدته الطويلة «إِلفيرا, أو عروس البلاتا» عام 1832.

 

وقد اتسع نطاق الحركة الإِبداعية, وكان لها دور فاعل في إِذكاء الحماسة القومية, وهو ما يظهر بجلاء في العمل الشعري الطويل الذي نظمه خوسيه هيرنانديث José Hernández (1834-1886) بعنوان «مارتين فييرو» Martín Fierro, ومازال هذا العمل حتى اليوم بمنزلة القصيدة الوطنية الأولى في الأرجنتين, والتعبير الأرقى عن الأدب الغاوتشي Literaura gauchesca الذي يعالج بأسلوب إِبداعي أحوال حياة الغاوتشو, أي رعاة المواشي في سهول البامبا الأرجنتينية.

 

ولكن نضج الشعر الأمريكي – الإِسباني لم يتبلور إِلا مع تيار الحداثة Modernismo الذي كان من أبرز رواده الكوبي خوسيه مارتي هذا الشاعر «الذي يكتب أجمل نثر في العالم» كما قال عنه حامل لواء الحداثة النيكاراغوي روبين داريو [ر] Rubén Darío (1867-1916). وقد مثلت حركة الحداثة نقطة تحول في الأدب الأمريكي اللاتيني, فمعها انتهى عهد التبعية الثقافية, وانتقل التأثير أول مرة من الجانب الآخر للمحيط الأطلسي باتجاه أوربة. فكانت الحداثة الأمريكية اللاتينية هي القدوة التي سيحذو حذوها شعراء إِسبانية, حتى إِن وصول روبين داريو عام 1898 إِلى إِسبانية للعمل مراسلاً صحيفاً, صار يعّد نقطة انطلاق حركة الحداثة في شبه الجزيرة الإِيبرية.

 

وهكذا أصبح الأدب الأمريكي اللاتيني يستند إِلى تقاليد خاصة به, وانفتح الطريق واسعاً أمام الكتاب المشبعين بذلك الواقع ليقدموا الشخصية الأمريكية اللاتينية المتميزة, فظهرت مع بدايات القرن العشرين أسماء لامعة ما لبثت أن عرفت في العالم بأسره, مثل هوراسيو كيروغا, وروبيرتو آرلت, وغبرييلا ميسترال, وبابلو نيرودا [ر] وغيرهم.

 

تطور الأدب في القرن العشرين:

 

بدأت حركة الحداثة بالتفكك في الواقع منذ سنة 1910, وظهرت فيها انشقاقات كثيرة, منها معارضة الشاعر المكسيكي إِنريكي غونثالث مارتينث [ر] Enrique González Martínez لأرستقراطية روبين داريو في قصيدته الشهيرة «إِلوِ عنق البجعة». ومما يستدعي الاهتمام وجود شاعرات بارزات خرجن على الحداثة وأثبتن حضورهن في النصف الأول من القرن العشرين, مثل ماريا أوخينية باث فيريرا María Eugenia Vaz Ferreira  (1875-1924) في الأرغواي, وألفونسينا ستورني Alfonsina Storne (1892-1938)  في الأرجنتين, فضلاً عن الشاعرة التشيلية اللامعة غابرييلا ميسترال [ر] Gabriela Mistral (1899-1957) التي تلقت على أشعارها المفعمة بالمعاني النبيلة والرقة جائزة نوبل لعام 1945, فكانت أول من يحصل على هذا التكريم الأدبي العالمي في أمريكة اللاتينية.

 

ومنذ عام 1920 بدأت تظهر حركة تجديد في الشعر تحت تسميات مختلفة: الإِبداعية Creacionismo, والتطرفية (مذهب المغالاة) Ultraismo, والطليعية Vanguadismo. وكان من أبرز وجوهها التشيلي بيثنتي هويدوبرو Vicente Huidobro (1893-1948), والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس [ر] Jorge Luis Borges (1899-1985). ويرى بعضهم أن عام 1922 هو بداية القرن العشرين فيما يصل بالشعر الإِسباني – الأمريكي. ففي تلك السنة نشر البيروي ثيسر باييخو [ر] César Vallejo ديوانه Trilce  , وبعده بمدة قصيرة صدر ديوان بابلو نيرودا «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة», ويبدو واضحاً نزوع الشاعرين إِلى التخلص من الصيغ التقليدية واختصار المسافة ما بين الشاعر والقارئ عن طريق إِبداع لغة جديدة وصور مبتكرة تسخر من التقاليد الشعرية السابقة. وقد التقت هذه الحركة التجديدية في الشعر الأمريكي اللاتيني بحركة موازية في إِسبانية كان من أبرز رموزها فيدريكو غارثيا لوركا [ر] وخورخي غيين ورفائيل ألبيرتي [ر] وغيرهم من شعراء «جيل 27» الإِسباني.

 

لقد كان منح الشاعر التشيلي بابلو نيرودا Pablo Neruda (1904-1973) جائزة نوبل عام 1971 اعترافاً أكاديمياً عالمياً بشاعر لقي التقبل والرواج في كل أرجاء العالم وأثر تأثيراً عميقاً في مجمل الشعر الأمريكي الإِسباني في القرن العشرين.

 

ومن الأصوات الشعرية المتميزة في هذه المرحلة الأخيرة الشاعر الكوبي نيكولاس غيين (1902-1988) صاحب الأشعار الإِفريقية – الكوبية التي تستوحي الإِيقاعات الإِفريقية في مضامين اجتماعية وإِنسانية تراوح بين الاحتجاج العنيف والمرارة العميقة حيال العنف والجور.

 

وكذلك الشاعر الغواتيمالي المشهور عالمياً بكتاباته الروائية ميغيل أنخل استورياس الذي نال جائزة نوبل عام 1967. والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث [ر] Octavio Paz  صاحب جائزة نوبل لعام 1990.

 

أما الرواية الأمريكية اللاتينية التي بدأت بالظهور بعد الاستقلال في أوائل القرن التاسع عشر, فقد حققت في النصف الثاني من القرن العشرين قفزة هائلة أوصلتها إِلى الصدارة على المستوى العالمي. والحقيقة أن بروز الرواية الأمريكية اللاتينية لم يأت من فراغ, وإِنما استند إِلى تقاليد أكسبت الرواية الأصالة وصقلت نضجها الفني منذ بدايات القرن, حين انتشرت اتجاهات وتيارات كثيرة أغنت اللغة والأساليب الروائية, وكان أبرز تلك الاتجاهات: الرواية الغاوتشية La novel gauchesca, وهو اتجاه ظهر في الأرجنتين عامة, وفي منطقة لابلاتا خاصة, وبلغ أقصى مداه في رواية «دون سيغوندو سومبرا» (1926) للكاتب الأرجنتيني ريكاردو غويراليديس Ricardo Guiraledes  (1886-1927). والرواية الإِقليمية La novela regional التي حققت نجاحاً كبيراً في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين, وكان من أبرز ممثليها الكاتب الكولومبي خوسيه إِوستاسيو ريفيرا [ر] José Eustasio Rivera (1889-1928) في روايته «الدوامة» La vorágine, والفنزويلي رومولو غاييغوس Romulo Gallegos(1884-1969) في رواية «دونيا بربارة». وهناك تيار رواية الثورة المكسيكية, وهي حركة روائية واكبت الثورة المكسيكية (1910-1920) أبرز مؤرخي تلك المأساة التي تمثل أشد جراح القارة إِيلاماً في العصر الحديث.

 

والرواية الهندية التي تبنت اتجاهاً احتجاجياً على الصعيدين الاجتماعي والسياسي, وازدهرت ازدهاراً خاصاًَ في البلدان الإِنديزية – بوليفية والإكوادور والبيرو – حيث يكثر وجود الهنود الحمر. ومن أبرز ممثلي هذا التيار الإكوادوري المبدع خورخي ايكاثا Jorge Icaza (1906-1973) وخاصة في روايته «هواسيبونغو» Huasipungo, والبيروي ثيرو أليغريا Ciro Alegría (1909-1967) صاحب رواية «العالم فسيح وغريب» El mundo es ancho y ajeno.

 

وكان عام 1949 منعطفاً مهماً في تاريخ الرواية الأمريكية – الإِسبانية, ففي ذلك العام ظهرت روايتان كان لهما شأن كبير في تطور الأدب الروائي في القارة, الأولى هي رواية الكاتب الغواتيمالي ميغيل أنخل أستورياس التي تحمل عنوان «رجال من ذُرَة» Hombres de maíz التي عُدّت بداية نشيد العالم السعيد المفقود (عالم السكان الأصليين), حيث ينفتح أمام القارئ عالم سحري غامض قوامه النضال اليومي من أجل الحياة بالاستناد إِلى استعادة الروح استعادة سرية مستمرة عبر طقوس شديدة الغنى. أما الرواية الثانية فهي «ملكوت هذا العالم» El reino de este mundo للكوبي أليخو كاربينتير [ر] Alejo Carpentier (1904-1980) وتدور أحداث هذه الرواية في هايتي إِبان الأحداث الاستثنائية التي عصفت بالجزيرة في أوائل القرن التاسع عشر (ثورة العبيد على الاستعمار الفرنسي), فيعمد الكاتب إِلى رصد تفاصيل الواقع بدقة ميكروسكوبية, ويمزجها بالأسطورة والفولكلور والسحر ليظهر البعد الغرائبي للأرض الهايتية وروحها الخرافية. ومع هذين الكاتبين بدأت الموجة التي ستجتاح العالم بعد عدة سنوات تحت اسم «الواقعية السحرية» El realismo magico إِذ يكون الانطلاق على الدوام من أحداث تاريخية وواقعية, لا تلبث أن تطغى عليها أبعاد خرافية غير معهودة يستوحيها الكتاب من ميراث السحر والأساطير والشاعرية, ومن التباين العرقي الشديد والغني في أراضي أمريكة العذراء.

 

ومن أبرز روائيي الموجة الجديدة التي شهدت انتشاراً عالمياً منقطع النظير, المكسيكي خوان رولفو Juan Rulfo (1918-1988) صاحب الرواية التجديدية الباهرة «بيدرو باروما» Pedro pároma, والكولومبي غابرييل غارثيا ماركيث Gabriel García Márquez, (جائزة نوبل 1982) مؤلف رواية «مئة عام من العزلة» Cien anos de solidad التي أصبحت معلماً في تاريخ الرواية العالمية.

 

والأرجنتيني خوليو كورتاثار [ر] Julio Cortázar (1916-1984)  في روايته «الحجلة» Rayuela التي هي نوع من التجميع (الكولاج Collage) يتكامل في فصول وقصاصات يمكن فهمها بألف طريقة مختلفة, ويعمد المؤلف فيها إِلى تفتيت الحدث وتحطيم السياق الزمني, داعياً بذلك القارئ إِلى «مشاركة جديّة وفعالة في حل معضلات العمل وتعقيداته مثلما تفعل شخصيات الرواية تماماً». وهناك المكسيكي كارلوس فويتنس  Carlos Fuentes (1928), والبيروي ماريو فارغاس ليوسا Mario Vargas Liosa (1936) اللذان يعدان من أبرز وجوه الرواية الأمريكية اللاتينية المعاصرة.

 

مع أنه لا يمكن مقارنة تاريخ المسرح في أمريكة اللاتينية بغيره من النشاطات الأدبية الأخرى, فإِن الكتابة المسرحية أخذت تترسخ في العقود الأخيرة بأصالة وثقل جديرين بالتنويه. ومع أن المسرح اقتصر في المرحلة الاستعمارية على بعض العروض الدينية التعليمية, وعلى نصوص قليلة للشاعرة الراهبة خوانا إِنيس دي لاكروث وغيرها, فإِنه لم يظهر في الواقع كتاب مسرحيون حقيقيون باستثناء الكاتب البارز الوحيد في أواخر القرن التاسع عشر فلورينثيو سانتشيس [ر] Florencio Sánches الكاتب البارز الوحيد في الأورغواي. ثم ما لبث أن ظهر في المكسيك عدد من كتاب المسرح الذين لفتوا الانتباه عالمياً مثل خابيير بيياوروتيا Xavier Villaurrutia (1903-1950) ورودلفو اوسيغلي Rodolfo Usigli (1905-1980).

 

ثم تصاعدت حركة التأليف المسرحي منذ منتصف القرن العشرين, ورافقها تأسيس عدد كبير من الفرق المسرحية التجريبية, وظهرت أسماء لامعة مثل الغواتيمالي مانويل غاليتش Manuel Galich, والأرجنتيني اوزبالدو دارغون Osvaldo Dargún, ولم يبق هناك اليوم بلد أمريكي لاتيني إِلا لديه مؤلف مسرحي لامع. ولكن معظم هؤلاء المؤلفين هم أبطال يواجهون العزلة في مجتمعهم نفسه, ذلك أن المسرح يتطلب حداً من الوعي والثقافة ويحتاج إِلى ممثلين وأماكن عرض لا تتوافر في عدد كبير من بلدان القارة.

 

ومع ذلك, فإِن عدداً غير قليل من أعمال المسرحيين الأمريكيين اللاتينيين قد ترجم إِلى لغات أخرى, وقدم في مسارح أجنبية ونال جوائز عالمية في العقود الأخيرة.

 

ولابد أخيراً من التنويه بالازدهار الذي يشهده النقد الأدبي. فالاهتمام العالمي بمشاكل القارة وبآدابها دفع الباحثين الأمريكيين اللاتينيين إِلى معالجة مشاكل بلدانهم معالجة أشد عمقاً, وإِلى دراسة إِنتاجهم الأدبي والفني دراسة نقدية جدية, ولعل كتاب المكسيكي أوكتافيو باث «متاهة العزلة» هو علامة بارزة في هذا التوجه.

 

 

 

 

مراجع للاستزادة

-Universidad Complutense de Madrid, Literatuta Hispanoamerican, tres tomos (Madrid, 1978).

 

– Universidad Complutense de Madrid, Anales de Literatura Hispanoamericana,

 

(Madrid, 1975).

 

– Raimundo Lazo, Historia de la Literatura Hiapanoamericana, La Habana 1967.

 

– Guillermo Diaz- Plaja, Literatura Hispanoamericana, Madrid 1979.

 

– Luis Alberto Sanchez, Proceso y Contenido de la Novela Hispanoamericana, Madrid 1976.

 

-Macelino Menendez Pelayo, Historia de la Hispanoamericana,( dos tomos), Madrid1948.

 

-Raul Silva Castro, Panorama Literario de Chile, Santiago de Chile 1961.

 

-Enrique Williams Alzaga, Pampa en la novela argentina, Buenos Aires 1955.

 

– Marta Portal, Proceso Narativo de la Revolucion Mexicana,Madrid 1977.

العنوان – عربي مجرد:

ادب اسباني امريكي

العنوان انكليزي:

Latin American literature

العنوان – انكليزي مجرد:

LATIN AMERICAN LITERATURE

العنوان – فرنسي:

Littérature hispano-américaine

العنوان – فرنسي مجرد:

LITTéRATURE HISPANO-AMéRICAINE