سيف الرحبي

( اذا كان الإنسان يبحث عن أسرار الطبيعة، فلن يعثر إلا على مرآة ذاته ).. يذكرني هذا القول لماكس ارنست، وأنا أوغل بنزهاتي اليوميّة في الدغل والغابة والحديقة. متخففاً وهارباً من أثقال العالم ومجازره، ولو إلى حين، يذكرني برسومات، ذلك الفنّان الذي تخيله بورخيس في إحدى قصصه، وهو موغل في رسم خرائط الكون، في المتاهة اللامحدودة للوجوه والحيوات والأماكن.. وفي نهاية مطاف رحلة الخيال والمسافات التي قطعها والسنوات، يجد انه لم يكن يرسم إلا تضاريس وجهه وملامح هذا الوجه الغريب..
طائر ينقض على فريسته في البحيرة التي يسبح فيها البط والأوز وسائر مخلوقات الله في هذه الظهيرة القاتمة التي تبشرُ بمطر وشيك على عكس أحلام (الخواجات) أصحاب المكان الحالمين دوماً بطقس مشمس يتعرون تحت سطوته بحريّة كاملة..
تبحر مواكب الطبيعة في هذا البلد الشمالي، كي ترضي بدوياً مثلي لوّحته شموس الهاجرة الجنوبية، حتى الجنون والعُصاب، تبحر بالمطر والضَباب والغابات..
أواصل المشي بين السرعة والبطء التأمليّ طاوياً مسافات لا بأس بها في أنحاء الغابة بمحاذاة البحيرة الشاسعة أحس برغبة التوقف والاستراحة، ألمح كرسياً من بعيد على حافة الماء، أتجه نحوه، وقبل أن أجلس شدتني تلك الشجرة المتدلية الغصون والأوراق الهائلة بكثافتها، شجرة الصفصاف الباكية، والتي غالباً ما تعرّش حول الأنهار والبحيرات بما يشبه التوحّد والحلول، بين الشجرة شآبيبها الحاضنة للمياه والفضاء والمحيط، صرتُ أطوف حولها عدة مرّات مثل طواف البدو الرُحّل حول أشجار (الغاف) قبل أن يحطوا الرحال في ذلك الفضاء الصحراوي المترامي، مُوقدين نارهم بعد ترحال طالَ أمدُه..
الشجرة الباكية (ويللوتري) على نحو ما تشبه شجرة الغاف وتُذكر بها، إلا أن الأولى متدلية الأغصان كخيوط دموع منسكبة في مجرى المياه السرمدي..
تهاويتُ على الكرسي لاستراحة عابرة، لكنني فوجئت بأنني أغطس في فضلات البط والطيور الأخرى، وبرازها، حيث الخضرة تستبد بالألوان حتى براز الطيور أخضر وكذلك الكرسي جزء من نسيج المحيط.
نزلت إلى بساط العشب لأنظف ما يمكن تنظيفه.. فأمامي مسافة أقطعها حتى أصل إلى المنزل الذي استأجرناه من التاجرة الهندية أمام الحديقة.. وفوجئت أيضا وأنا أفتش في حقيبة الكتف، أن زجاجة الماء اندلقت على مسودات أوراق كثيرة وحزنت، لكنني واصلت الجلوس محدقاً في البحيرة وأشجارها الدامعة الباكية..
***
لذة المحرّم تبدأ بعالم الأطفال التلقائي البريء، ولا تنتهي بالفرزدق وأندريه بريتون. هذا الصباح اصطحبت ابني (ناصر) إلى الحديقة هروباً من اشتباك دامٍ مع أخيه.. أخذنا نتجول في أنحائها، زواياها وممراتها وردهاتها المأهولة بتماثيل لملوكٍ وقادة غابرين… وهناك ممر عشبي صغير مليء بأنواع الورود، وهو لا يشكل من فضاء الحديقة إلا الهامش أو أقل منه مساحة. هذه المنطقة الصغيرة مكتوب حولها تنبيهات بعدم المشي فيها أو اللمس والاقتراب، على عكس مجمل الحديقة بهوامشها ومتونها التي لك أن تمارس فيها حريتك الواسعة.. وتلك المنطقة بمثابة فضاء للبيوت التي يقطنها عجائز ومعوقون.. (… نحن لنا بهاء الفردوس المُرتجى).. على رغم سعة الحديقة أخذ ناصر في اقتحام المنطقة الممنوعة تاركاً فضاء الحديقة الشاسع، المرة تلو الأخرى أحاول منعه من دخول تلك المنطقة، وهو لا يفتأ فيما يشبه الهياج، يحاول اختراقها واللعب فيها، حتى انتقل الاشتباك الذي تفاديتهُ مع أخيه بيني وبينه والذي لا يمكن فضّه إلا بالعودة إلى المنزل القريب أو الانتقال إلى مكان آخر.. فهذه اللحظة اتخذ لا وعي الطفل قرار حريته الخاص مع المكان والقوانين ومعي..
منطقة جذْب وإغراء دائما هي المناطق المحرّمة، خاصة لدى الأطفال والشعراء والفنانين.
وكذلك بالطبع أهل المعرفة الفلسفية والعلمية رغم صرامتها. وإلا لم يمض العقل والخيالُ البشريان إلى هذا المستوى من الرقي والابتكار، لو ظلّ على الثابت والمستتب عبر القرون. أهل الأدب والفن لا يفعلون في صنيع الإبداع والجمال إلا استعادة فوضى الطفولة تلك، جموحها وانطلاقها وحرية أحوالها اللامحدودة يحاولون استعادتها استعادة عبقريّة حسب العبارة البودليرية، او غير العبقريّة ، كل حسب ما قُدّر له من قراءة وموهبة وإدهاش خيال.
أتذكر أثناء إقامتي القصيرة في العاصمة الانجليزية حسب ما أشرت في الفصل الأول، متأثراً بقراءتي للأدب السوريالي خاصة، كانت لي مقالة أو زاوية أسبوعية في مجلة «أوراق» بعنوان (المنطقة المحرّمة) استمرت حتى بعد مغادرتي لندن فترة غير قصيرة لا أعرف إلى أي مدى مارست فيها لذة المحرّم، لكن لا بد أن في ذلك العمر المبكّر حصل اختراق ما… اختراق المحرّم في الأدب، ربما لايرتبط بعمر بعينه، لكن حساب الزمان والمكان وارد، ويرد أيضا الاختلاف لنوع وتجلّي ذلك المدعو، اختراق المحرّم والمحضور لنسق التقاليد والعادات المهيمنة، أو الجرأة في ارتياد آفاق جديدة يحلم بها الكاتب والفنان.
***
سلاماً أيتها الشجرة، يتجدّد جلالك كل صباح مع هبوب الرياح بأمطارها، دورة الفصول التي تَهب نسغك البهاء، النَضارة والجمال.
***
هذه الزجاجة المقذوفة وحيدةً بين الأشجار بعد أن أُفرغت البارحة (السبت) في جوف رجل وحيد، امرأة وحيدةً تنام مع شبح الزوج التائه في الحروب.
***
ألعب كرة القدم مع الأطفال، أستعيد خيط ضوء لطفولة غاربة.. دائما تبقى كرة القدم هوايتي الوحيدة من بين الرياضات الأخرى.
جمالية المشاهدة في جماليات متونها العالميّة خاصة. فإحساسك بأنك جزء من هذا الكرنفال الكوني، وأنت قابع في غرفتك نصف المضاءة أمام الشاشة في صقع ناءٍ، يزيح عنك بعض العزلة التي تربط ذاتك على صخرتها الأزليّة، حين ساءت أحوال الطقس والجماعة وانْسللتُ تدريجياً من حلقاتها المدمرة للأعصاب والروح.
من منا في طفولته لم يجربْ كرة القدم، على الرغم من قسوة أجواء تلك الطفولة بشح المعيش وضيق الحال، كانت حرّة طلِقةً في تلك السهوب والشواطئ والوهاد. الكرة الشراب حسب التعبير المصري في الأحياء الشعبية الفقيرة، في عُمان يطلقون على الكرة اسم (التوفة) مثل (الطابة) في بلاد الشام.
من منا لم يجرب لعب كرة القدم على اختلاف أشكالها الدائرية.. في القاهرة كنتُ مشجعاً لنادي الزمالك دون الأهلي على الأغلب مثل بقية الوافدين إلى مصر، كان تشجيعهم للزمالك أكثر.. مرة دفعني شغف التشجيع للذهاب وحيداً من حي (الدقّي) متشعبطاً على سطح الباص المكتظ بالركاب، إلى استاد ناصر بمدينة نصر. وحين وصلت دخلت في ذلك الخضمّ البشري الهائج، لا أعرف أين أتجه؟ ومن هم مشجعو الزمالك حيث اختلط الحابل بالنابل كما يُقال. والشرطة الراجلة ومن هم على ظهر الخيول يطاردون الناس على غير دليل، وهدى يخبطون بالعصيّ هنا وهناك، قيامة بشريّة من الفوضى والجري على غير اتجاه وجدتُ نفسي في حيرة من أمري تائها بين الحشود أنى هربت، حتى اتجه خيّال بقامة فارعة وعصاً طويلة نحو الكتلة البشرية التي كنت محشوراً بينها، يهوي بعصاه أنى اتجهت وانقضّت، حتى أصابني نصيبي، ضربة قاصمة طوّحت بي إلى ما يشبه الغيبوبة والدوران، بعد أن لملمتُ أشلائي إثر ضربة العصا القويّة، عُدت إلى البيت.. ولم أذهب إلى أي استاد لتشجيع الفريق الذي أحب، حتى حلت صدفة أخرى، حين سكنت لفترة قصيرة في حي العباسية قريباً من معهد البعوث (المدرسة الاعدادية والثانوية) وكانت الشقة التي سكنتها مع زملاء، من مصر قدموا من قرية قريبة من طنطا، أحدهم اسمه محمد والآخر قطب ونسيت اسم الثالث، إذ في ظل منحة عشرين جنيهاَ في الشهر لابد من اقتسام السكن مع آخرين.. كان الزملاء أهلاويّة، وحين أزف موعد (الكلاسيكو) المصري قرروا الذهاب إلى الاستاد القريب من حي العباسية.. ذهبت معهم ، لم تكن هناك صعوبات تذكر، حين تمركزنا في المقاعد المخصصة للأهلاوية.. بدأ اللعب ، وبدأ التشجيع ، والصراخ والشتائم الحادة بين مشجعي الفريقين العتيدين.. وجدت نفسي مضطراً للإفضاء بسري، إلى الزملاء (يا جماعة أنا زملكاوي مش أهلاوي)..
همسوا في أذني بعصبيّة، (اخرس) وإلا حلت بك وبنا المصيبة، يا نهار إسود..
***
ثلاثة أحداث في هذه الفترة استولت على وسائل الإعلام والرأي العام : دهس المئات في الجنوب الفرنسي بمدينة (نيس) المتوسطيّة من قبل شاب تونسي معتوه أو متطرف، وانقلاب مجموعة من الجنرالات في الجيش التركي، على الوضع الدستوري في بلادهم وفشله ، ساحباً وراءه أمواجاً من التحليلات والتكهنات كعادة أحداث مفصلية في هذا الشأن.. وتفجير مركز تجاري في ميونيخ، من قبل شاب ينحدر من أصل إيراني.. هل يعتبر اجتماع الجامعة العربية في نواكشوط حدثا، أم فقاعة تبتلعها دوامة مياه الحنفية مثل بنات جنسها ملايين الفقاعات الفارغة؟.
ما يخص أحداث التفجيرات والقتل الفردي والجماعي، ليست بحاجة لعناء التحليلات والاحتمالات فداعش جاهز أو جاهزة. دائما على الخط وحسب الطلب، وليس على المعلقين والساسة الذين يحتلون الشاشات بمختلف أحجامها، إلا سكْب سائل الكلام في القوالب الجاهزة.
الحديقة فاتحة أبوابها على مدار الأربع والعشرين ساعة، وهي العتبة الأولى للولوج إلى حدائق وغابات كثيرة في روعة هذا الطقس. ولَمنْ قدم من تلك القفار، في الجزيرة العربيّة أو شبيهها، والشعاب والمولات، مَن انحدر مِن تلك الذاكرة الشقية، يعرف قيمة اللحظة طقساً عليلاً وحرية شاسعة تندمجان في وحدة روحيّة كقيمة جماليّة عليا.
عمال القمامة ما زالوا يجمعون أشلاء الليل من علب وقنانٍ فارغة، المرأة المميزة مع كلبها، لم أرها منذ أيام ، تتنزه وحيدة كعادتها، تلقي التحيّة بالصوت والإيماءة وتمضي مثل البشر العابرين .. في هذه الفترة من غيابها ، فكرتُ أن مرضاً ما أقعدها في المنزل المسوّر بحديقة يانعة، زكام حاد أو مرض آخر، أو ربما ذهبت إلى عائلتها للزيارة في مدينة أخرى. هي الوحيدة دائما عدا الكلب الصغير ، مؤنسها في ليل العزلة الريفيّة .. مُطلّقة أو انها مثل كثيرات في أوروبا ، لم تر في الزواج طريقا يجلب السعادة والأمان ، فاختارت العيش على هذا النحو من انتظار اللامتوقع بدهشته ومسراته، وبمرارة الانتظار أيضا..
زجاجة الأمس الوحيدة الفارغة التي لم يحطّمها شاربها في العطلة الاسبوعية، ما زالت تنتظر جامع القمامات، لتواصل مسيرتها إلى مجهول آخر ، وهي في هذا ليست أسوأ، من خط مسيرة الحياة البشريّة ، إذ أن المصير الغامض هو القاسم المشترك لجميع الكينونات الناطقة والصامتة المولودة بمختلف أعمارها، وتلك التي لم تولد.
***
في الشرفة الخارجيّة للمقهى أي مقهى، اذا كان مفتوحا على شارع المارة، عابرين بوتائر مختلفة، سريعة، بطيئة محتارة، أو تلك التي حسمتْ طريقها نحو الهدف الذي رسمتْه الأحلام والطرق..
في الشرفة الخارجية، تشعر أنك أقرب إلى الأفق المفتوح، على الصدفة والمفاجأة، على اللامتوقع البشري والطبيعي. رب حدث مفاجئ يغيّر مسار حياتك أو يطوح بها إلى فصل جديد كل الجِدّة يصل إلى المصير الحاسم . وإن لم يكن كذلك فقراءة كتاب جيد في الشرفة تكون أكثر صفاء وتركيزاً، تسترق النظر بين الصفحة والأخرى إلى المشهد المحيط، بحيث تنزاح القراءة وتثري بعضها كتاباً وحالة مشهدية واقعية تتعدد احتمالاتها ورؤاها. المرأة المسرفة في الإشراق، تمضي في الكتاب كما هي أمامك، فريدةً، حتى تكاد تضيع في الزحام أو تذوب في هباء المغيب. العازف المتجول يتردد صدى موسيقاه العذبة في الشارع والمخيلة. مغني (التربادور).. لم يبق من هؤلاء الجوّالين الذين يحملون الجَمال والآلات الموسيقية بكلابهم متسكعين بين الدروب والمدن. لم يبق من مجدهم الغابر، إلا أطياف تعبر بين الحين والآخر..
وحين تكون في «المغتربات» تجلس في شرفات المقاهي، يكون من هواجسك مرور أحد الأصدقاء والوجوه التي أحببت وألفت قبل أن ينعق غرابُ البين- كما تقول العرب- وتغادر إلى البلاد البعيدة. مع الأيام بالطبع، يخفت هذا الهاجس وان لم يختف ويتلاشى بالكامل.
وإذا تواتيك الفرصة وتكون أول زبائن المقهى في الصباح الباكر، ترقب ولادة مشهد الحركة بانبثاقاتها وتموّجاتها الأولى، إلى أن تكتمل وتستوي، ستفوز بوليمة باذخة من الرؤية والرؤيا.. من هذا الركن تدرك أن غياب المقهى من حياتك هو غياب لعنصر جوهري في إنعاش خيال الكتابة والذاكرة والحياة..
شرفات المقاهي الخارجيّة، جنّة، المشهد والذكرى وجحيمهُ أيضا.
***
غياب عنصر جوهري، هو غياب المقهى، في كل الأمكنة والبلاد، الأحياء الراقية حسب التوصيف، والمتوسطة والشعبيّة. في البلاد المتحضرة المضاءة بنور المعرفة والحريّة، والمتخلفة التي تمتلئ مقاهيها دائما بالعَسس الواضحين منهم والمندسين تحت ملابس وأقنعة ليست لهم، يتواجدون في المقاهي غالباً التي ترتادها النُخب الثقافيّة والفكريّة.. ولا تألو جهداً أن تلاحظ شخصاً أو أكثر يتوزعون على كراسي، في أيديهم أقلام وأوراق وكتب، على الطاولات خافضين رؤوسهم أو رافعينها إلى أعلى في لحظة تأمل وشرود، في دور تمثيلي ينضح بالفجاجة، رغم انهم تدربوا عليه في المخافر قبل أن يدخل طور الممارسة والتطبيق، ممثلين رديئين أمام مخرج يتقن أدوات العمل والتنكيل داخل المقرّات السريّة المظلمة، هذا النوع من العسس الذي تمتلئ به المقاهي في البلاد العربية، يقومون بمهمات استثنائية لا يقوم بها أولئك المكشوفون للرّواد والنظارة. مثل ذلك الشاعر الذي أخذته الراحُ وأدارت رأسه بحركة او إشارة إلى صورة الرمز الزعيم القائد التي تحتل ركنا كاملا أمام الكاونتر الخشبي، في اللحظة نفسها انبرى المخبرون السريّون بأقنعتهم والأقلام في أيديهم ، ضرباً وإذلالاً ورفساً أمام أنظار الموجودين . فترة من الوقت استغرق مشهد التنكيل الذي لم يكن تمثيلاً على الإطلاق، اذ أن الدم سال غزيراً، الدم المرتجف للشاعر الذي نسي نفسه ومصيره أمام دوّامات العرق الماكر.
بعد هذا العرض الحيّ اختفى عامين كاملين، في حين داومت امرأته على حضور المقهى من غير أن تقول شيئاً عن أخباره التي اختفت تماماً.. وقد انتشرتْ الإشاعات في الوسط إياه ، بأنها كانت تُخبر عليه قبل مشهد الضرب والاختفاء في القعر المظلم. مما أكد الشائعة عند البعض، أن الشاعر المنكود حين خرج من سجنه ، كتب قصيدة هجاء مفزعة تجاه زوجته ، عبّرت عن تفجر ساحق الغضب لمُخان مظلوم.
المقهى مسرح بروّاده المتنوعين ونضّارته، مكان للصداقة والحميمية والحوارات التي تثري كيان الانسان وروحه، ومكان للقسوة والاشاعة ورعب الرقابة، في الحال العربي، ترمي إلى شلل الروح وتدميرها، المقاهي برهة صدق حقيقي ومعرفة، ترى فيها أنظمة الاستبداد والطغيان مساساً بكينونتها واستمرارها الهش المذعور في أساس تكوينه وبنيانه وان تدرّع بكافة دروع البأس وأقنعة السلطة بأنيابها الكثيرة الراعبة.
في البلاد الأجنبيّة الغربيّة لا تحمل المقاهي تلك الهواجس والحضورات، حتى ولو كان هناك بوليس بثياب مدنيّة، خاصة في هذه الفترة المضطربة، لا يلاحظ ذلك، على الأرجح تجلس بكثير من الحريّة المسنودة بقواعد وقوانين راسخة أو ما زالت كذلك.
يمكنك في شرفة المقهى ومن داخله في صمته وزواياه ، أن ترقب العالم تمضي تتأمله شعرياً وجمالياً، أطوار المقهى. جميعها تحمل شيئاً من إثارة ودهشة، تتجدد اللحظة والمشهد وتتغيّر الألوان والحضورات الواقعية، الخياليّة.
أن ترقب حركة الغرباء، مثلك والمقيمين بحيواناتهم، كتبهم وأجهزتهم في البرهة الحاليّة، إذا كان هناك رجل او امرأة، تقرأ في كتاب ورقي في زاوية المقهى أو شرفته، تكون أقرب إلى اللحظة الشعريّة، من القراءات الإلكترونيّة، والرقميّة… أن ترقب الغيوم تتوافد من حواف موج المحيط الأطلسي، إلى عرين سماء أنعمتْ على أهلها بصحو يومين أو ثلاثة، وها هي تعود إلى جِبلّتها القديمة الماطرة.
***
عبر زجاج المقهى، أرى النسوة في الخارج ، يتحلقن على طاولة، من أعمار مختلفة، جالسات واقفات، يتحدثن بهدوء وانفعال أحياناً، في صباح هذا اليوم النسوة على طاولة المقهى الذي يبدأ في الامتلاء تدريجياً.. عن أي شيء أو حدث تتحدث النسوةُ المرحات وقد طفحت وجوههن بالوعد والإشراقَ، عن سهرة البارحة ربما، مسألة عشق وزواج لزميلة في المكتب والشلّة. أشياء من هذا القبيل، وليس عن فلول الغضب والعنف المتطرف الذي أخذت حوادثه تتصاعد هذا الصيف، في الأنحاء الأوروبيّة، إذ أن سحنات الوجوه وحركاتها، لا تفصح عن حدث أليم..
في فيلم (برسونا) لانغمار برغمان الذي يبدأ بمشهد امرأتين في الغرفة المائلة إلى حمرة اللون القرمزي، تتحدثان بهمس صامت، وعلى المشاهد أن يخمّن نوع الحديث الحميمي بين امرأتيّ بلد الصقيع والحضارة (السويد) لا تلبث إحداهن أن تحط يدها على ظاهر يدِ الأخرى. تقترب الكاميرا الوقورة، لكن الفضوليّة في بحثها عن السريّ والخفيّ في نفوس البشر، النساء خاصة، من الوجوه الطافحةبالمشاعر، لكن من غير مرح وابتسام.. النسوة الانجليزيات المرحات لا أظن إنهن يتحدثن عن (سيلفيا بلاث) التي أدى بها القلق العاصف إلى القضاء انتحارا. (بلاث) التي كانت ترى، أن للـهِ نارين، نار العقاب والعذاب ، ونار السماء ، نار التطهر والجمال.
***
على الطاولة التي رُسم عليها علامة منع التدخين بالأبيض والأحمر والأسود، أجلس سارحاً في المارّة والأفق. المارة بعرباتهم، من عربة الأطفال، إلى عربات الشيوخ بعلامات الوَهن، والعجز الذي يستوطن الجسد على بوابة غروبه الوشيك..
يدخل رجل مع كلبه، يجلس على الطاولة المجاورة، دخوله يرجّ هدوء المقهى، قطعة العنف تتمركز قربي وتلتهم فضاء المقهى والطريق، بصمت مطبق وترقب حَذر، بينما الكلب البوليسي اتجه نحوي مباشرة من بين الزبائن. أخذ يشمشم من تحت الطاولة ويهوهو بنباح خفيف.. أنجز تعاليم صاحبه بحنكة ورويّة، ثم جثم إزاء الطاولة هادئاً وديعاً، انتقلت وداعته وطمأنينته إلى صاحبه، صاحب الهيئة العنيفة المتوترة، عرفت انه رجل أمن بلباسه المدني يطمئن على الوافد الغريب في هذه القرية التي يندر فيها السيّاح من خارج البيئة الانجليزية والأوروبية، كان الكلب المدرب وسيلته للكشف عما يرتاب فيه من أحزمة ناسفة ومتفجرات، في هذه الفترة شبه الاستثنائيّة في القارة الأوروبية والعالم.
العنف والتطرف بدأ بالانتشار فائضاً على بؤره ومناطقه المتشظّية بحرائق الحروب والإبادات، في بلاد الشرق العربي خاصة ، التي ترزح منذ سنين تحت أثقال هذا القدر التراجيدي العاتي..
بعد حملة التفتيش المحدودة التي قام بها الكلب المطيع، هدأ الثلاثة أبطال هذه المسرحية، أو بالأحرى هذا الاسكتش الصامت، واتخذت الحياة طريقها الطبيعي في غفلة من زبائن المقهى الذين لم يعرفوا شيئاً، ولم يلتفتوا إلى ما جرى. اعتبرتُ مثل السلوك البوليسي الذي من غير صخب ولا شوشرة، يؤدي مهامه، ذكاءً من البوليس الانجليزي (سكوتلنديارد) العريق على عكس البوليس الفرنسي الذي يسلك سلوكا صاخباً وفضائحياً حتى لمجرد الشك البسيط العابر. مثل ذلك اليوم من أواسط ثمانينيات القرن الماضي، حين كنت جالساً مع أصدقاء في مقهى تحت الشقة التي أسكنها والواقعة بشارع الشهداء (غودي ماغتيغ) حين شك في أشكالنا وهيئاتنا جرسون المقهى الجديد. وكانت باريس تعيش على إيقاع تفجيرات ارهابيّة من قِبل المدعو (جورج عبدالله) ومجموعته، حين داهمت المقهى كتيبة بوليسية، من عدة سيارات، دخل الضابط وعناصره المقهى متجهاً نحونا مباشرة. أمرنا بالوقوف ومن ثم فتشونا جسداً وملابس بدقة متناهية، طلبوا هويتنا، وكانت من حسن الحظ إقامتنا شرعيّة ولم تنته بعد كما في مرات كثيرة.. قال الضابط قائد الفرقة (مرسيه) وذهبوا.
***
أيتها الغيمة، مرضعة الأطفال والشجر، حامية الحِمى من زحف الصحراء والجفاف. منذ فجر الخليقة الأولى. وأنت تترحّلين بين الآفاق والمحيطات، أيتها الغيمة المعظّمة، تستَجدي عطاياكِ الأقوامُ والمفازات. حنانك العالي موصولاً في الليالي الموحشة إلى الأرامل والجرحى، فيض حنانك الإلهي أيتها الغيمة المبجّلة في الطقوس والديانات.
***
كم أخطأتِ أيتها الجدّة في قضْم تفاحة الخطيئة، لتصنعي «حدث الجنة الوحيد». بذرة التأسيس الأولى للجريمة والشتات، أيتها الأم، الأم الأولى. الرحم الدامس الذي انشقّ من ضلع ناكحِه، كم أخطأت؟!
لكن المقدر مكتوب على جبين السلالة مثل وشْم القطيع المتناسل في العراء الفاجر.
***
حين أنظر إلى هذا الأعمى الإنجليزي، يشبك يده في ذراع عمياء مثله ، لا شعورياً أتذكر قول السيّد المسيح «أعمى يقود أعمى كلاهما يقع في حفرة». وربما المسيح قصد البعد الرمزي لعمى القلب والبصيرة.. هؤلاء العميان الذين نصادفهم في أكثر من زقاق ومدينة، لايقعون في حفرة، لأسباب واقعية ورمزيّة، منها تلك العصا الإلكترونيّة التي تقودهم إلى جادّة صواب المكان المقصود. المؤسسات وجمعيّات العناية وذلك الحدس الذي يعوض به الله أصحاب العاهات. أتذكر (شعبان جلاصات) بسوق مطرح (خور بمبه) الذي يكون دائما بصحبة عمياء أيضا، بصوته العالي الأخاذ وهو يتوسل المارة لقمة عيش أو كسرة خبز.. كيف كان يتدبر أمره وسط ذلك الشح القاسي للمعيش.
***
في مقهى ريفي بعيد.. هؤلاء الزبائن القليلون، بحيواناتهم الهائجة.. ذئاب رمادية ستكتسح القرية بعد قليل. قادمة من الصحراء الأسترالية، أو من الاسكيمو، حيث تتنزه متأملة مصير الروح في عزلتها القصوى، بينما ريح ثلجيّة تهب على الثَقلين محطّمة العلامات والجسور.
***
هذا الوجه المعتّق في الوحدة والنأي، محتقناً من فرط السهر والكحول، لحظات سريعة تمر عليه، وهو يتأمل حياته كأي جنرال متقاعد، حين كان مع رفاقه يحتلون المدن والثكنات. بتثاقلٍ يمضي، إلى الحانة التي لا يعرف غيرها، ثكنته الجديدة، ناظراِ في مراياها مصير الكائن برهة الأفول والاضمحلال.
***
ما لهذه الشهوة التي لا تنضب مياهها الرقراقة إلى مؤخرات النساء والفروج. إلى نبيذ الأحلام المعتق والكروم.
(أحلم بالغرق في مياه
الروح الخالدة بعيداً عن
الجسد الفاني)
يقول الشاعر المحتدم بصراع هوامّ صحرائه وأنواتِه
التي لا تُحصى.
***
هل الأحلام حين نتذكر وقائعها الليلية في الصباح، ونحاول كتابتها نستطيع النقل الحرفي للصور والأحداث متسلسلة أو متقطعة كما هي طبيعة الأحلام على الأغلب؟ أم تخضع كأي مادة خام لشيء من التحويل في عبورها، عبور الطيور القادمة من فجاج الزمن وأطوار الحياة المتشابكة؟
كنت البارحة رأيتني في المدينة التي أحب، بأكثر من مكان، في فنادقها الدَبِقة وشققها وأزقتها التي تفوح منها رائحة القٍدم والتاريخ. هكذا ينفتح المشهد الحلمي وأنا في أحد الفنادق ألملم أغراضي المبعثرة في الغرفة.
ذاهبا إلى المنزل الذي لا يبعد كثيراً ، بل يمكن القول انه في حي الفندق نفسه ، في الشارع وأنا أحمل الحقيبة رأيتني من غير حذاء، حافياً أمضي في الطريق نحو البيت العتيق. شملني اضطراب وارتباك، لا أعرف كيف أمضي من غير حذاء وسط حشود المارة؟
واذ أتقدم في الطريق رأيت موتى مبعثرين من أعمار مختلفة.. هالني المشهد ونسيتُ أمر الحذاء، حين سألت أحد المارة في دروب الأحلام وترّهاتها: ما لهؤلاء موتى، هكذا مرميين مهملين في الزوايا المعتمة المتْربة، أجابني أحدهم، بأنهم أخذوا جرعات زائدة من مخدر (البانجو) فقضت على أحلامهم المنتشية ورحلوا عن دنيا البشر.. وفي (كادر) آخر من هذا المشهد الليلي أحمل كيساً فيه الكثير من الملابس المتسخة إلى المكوجي، لكن هناك من أتى وسرق الكيس، بقيت أفكر نادباً حظي. كيف أتدبر أمر الملابس من جديد، وكيف أتدبر أمر رحيلي من هذه المدينة وأنا لم أغير ملابسي المتسخة منذ زمن؟!
في هذه اللقطة يجمد المخرج السماوي المشهد بكادراته ووجوهه التي تبتلعها سُحب الأحلام الحثيثة نحو فوّهات المسالخ والهاويات.
***
إلهي … لماذا أتعثّر بقطيع الليل المظلم..
أنى هربتُ منه
ونأيت ؟!
***
ورود وكروم تعرّش فوق
مقبرة(البريد الأخير) يستنشق
الموتى منها رائحةُ الأيام السعيدة
شاربين نبيذها كل صبْح ومساء..
***
كنت في المقهى، سارحاً أفكر (بعد حادثة الأمس وتلك الصفة اللاأخلاقية التي بدرت من البعض ممن كنت أتوسم فيه نقيض ذلك) أفكر حزيناً ومحبطاً، في تلك البلاد الكبيرة، تاريخا وشعوباً وجغرافيا، وقد أحالها التخلف والاستبداد الظلامي، إلى حطام بشر وأنفس منبتة العواطف والانسانية والأخلاق التي كانت موجودة كعناصر سلوكيّة لدى الأسلاف الراحلين.. وهي في حالتها هذه، إذ بالانفجار البركاني لتكنولوجيا ما دعي بوسائل التواصل الاجتماعي الذي صنعته حضارة الغرب بشكل رئيسي، يطوح بأولئك البشر إلى أصقاع صحارى تعمق أمراضهم وأوبئتهم النفسيّة والاجتماعيّة بشكل ينذر باليأس من أي أمل بشفاء قادم إلا من (رحم ربي)… وأنا على هذه الحال ساقطا في هوة الألم والحيرة المظلمة، إذ يلوح ضوء جمال روحي قادم من الكبير (إرنستو ساباتو)..
«يوفر عصرنا لكل من يعيش حالة انسداد الأفق فيقرر الإقدام على خطوة الانتحار، ارقاماً، هاتفية. (للاتصال مع بعض المساعدين) أجل لا يزال في حقيبتا دون أدنى شك بعض ما ينبغي قوله لذلك الكائن الانساني الذي تتوقف الحياة عن الظهور عنده بمظهر الخير الأسمى بل غالباً ما أقدم أنا نفسي بعض السند النفسي لأناس غالبا ما يشرفون على الهاوية. غدونا نبحث كيف تأتينا كلمة طيبة من الطرف الآخر للخط الهاتفي وحسب أو عبر جهاز الحاسوب، بينما انعدمتْ هذه الكلمة في بيوتنا ومقرات عملنا وفي الشارع العام كذلك ، وكأنما ما زلنا مجرد نزلاء في عيادة طبيّة محاطة بحاجز مُشبك، يفصل بعضنا عن البعض الآخر من وقوع اتصال وجداني بيننا ، كلما اجتمعنا حول مائدة واحدة قد يكون من الجائز جداً ألايفضل في مُكنتنا أي شيء آخر يمكن فعله ، عدا الركون لاستعمال وسائل الاتصال..
***
غارقاً بلجّة هذا الجمال
بلجة هذا العَدْم
أتأمل هذه المدينة فارغةً
قوافل ترحل في ليلها الأبدي
مزينةً بالهوادج
يحملها الظاعنون
مزينة بالنعوش
***
إزاء معاناة الشعب السوري ومكابدته القتل والتدمير والإبادات الجماعيّة في كل الأماكن حيث الأبواب مغلقة والنوافذ والممرات حتى تلك التي تفضي إلى الموت على الأرجح، أصبحت محكمة السدّ والإغلاق عبر السنوات الدامية. والتي تختزل قرونا وأحقاباً من المعاناة والبطولات التي فاقت خيال الأساطير وحلت محلها حين يسرد السوري لاحقا شيئا من ملحمته للأولاد القادمين والأحفاد..
إزاء معاناة هذا الشعب ونبله التراجيدي، أفكر، انه من باب الاستحقاق والعدالة أن يمنحه التاريخ والزمن والآلهة بعض ما منحته للبشرية ماضياً وراهناً، من فضاءات حريّة وكرامة ورغد عيش ومعرفة وجمال، يطلع من بين جبال الخرائب والأنقاض. من باب العدالة والاستحقاق الطبيعي الأخلاقي القانوني المنطقي، أن يكافئ الرّب والتاريخ ، هذا الشعب بمثل هذا الوضع من كرامة وهدوء وسلام، ليعيد صياغة ذاته الخلاقة عبر السنين والعصور، وهذه ليست هبة فيها شيء من المجانية إزاء حجم التضحيات والصبر الخرافي على الملمات والإيمان بالانسان وكرامته ، قبل كل شيء، إزاء قوى الطغيان التي تخجل كهوف تاريخ البشر وظلامه، من الانتماء إليها. انها نوع آخر غير موجود ربما، ولا موصوف في الكتب والوقائع، نوع آخر من الضعة والانحطاط والحقد والعدوانيّة على كل ما يمُت إلى القيم الانسانية قيم الحرية والعدل والجمال.
انه طور آخر من الانحطاط البشري لم تعرفه العصور السالفة، طور آخر في الأرض السورية والعربية التقى وتقاطع واندمج على مقياس حجمه، مع قوى وعناصر نافذة الأوامر والمخططات على مستوى العالم ، قوى تمسك بزمام التاريخ الراهن وتقوده بلا ريب إلى الهاويات الأكثر غلظة وظلمة وانحطاطاً..
ان الكلام عن «الإرهاب» الصبياني المراهق والسريع الزوال، بانه مولد الشرور والآثام والرعب ، هو الهروب عينه ووجهه وروحه، من المسؤولية الكبرى للقتلة الحقيقيين، والذين من غير شك هم المسؤولون الأساسيون عن ولادة هذه الألوف من القتلة الذين دعتهم القوى المهيمنة بالإرهابيّين، وهم كذلك ممن اتسموا بضيق أفق الوعي حتى الامحاء العدواني وفقدوا الصلة والأمل، بالحياة والسياسة والتاريخ .. انهم العرض الزائل وبسرعة أكيدة، لكن أولئك القتلة الموسوعيين في قدراتهم وتحشيدهم وأموالهم الجمّة، أموال الشعوب المسروقة والمستعبدة هؤلاء هم مصدر الإرهاب والدم، خزّانه الكبير ورحمه الهائل الذي يتمدّد عَبر الجغرافيات والزمن والواقع الذي لا يُسرد عبر وسائل الإعلام النافذة، إلا ظلاله وأشباحه ان لم تكن الأكاذيب المحضة والافتراءات..
ان هؤلاء السوريين خصوصا والعرب وغير العرب عموماً، الذين يهيمون بأطفالهم وشيوخهم، في أرض البشر، مُقتلعين ومُذلين، ان هذه الموجات المتلاحقة لهذا التيه العاتي، العَدمي الأكثر قسوة من كل ضروب الاقتلاع والتشريد الذي عرفته الحروب والنزاعات، لا بد أن يثمر عنفاً معاكساً ومدلهماً أكثر شراسة، وانتقاماً ثأر الضحايا المقذوفين من الأطفال، والمراهقين وهم ينْمون وسط هذا اليباب الفظيع، وسط لامبالاة عربيّة وعالميّة. قل نظيرها تجاه غزارة هذا الدم المسفوك من العين إلى العين والروح ومن الوريد إلى الوريد..
ثأر الضحيّة النبيلة المغدورة، وهي في غمرة مطالبها البديهية بشيء من الكرامة والحريّة والمعيش الطبيعي كبشر في القرن الحادي والعشرين او في أي زمن كان..
***
اذا كان فلاسفة ومؤرخو فلسفة، وصفوا (عمانويل كانت) بانه العبقرية التي لا تجود بمثلها الدهور إلا نادراً، فربما الوصف نفسه ينطبق على وليم شكسبير في الشعر والمسرح… ثمّة لافتات وكتب تزين واجهات المكتبات الانجليزية في القرية والمدينة، إذ أن المعرفة في الغرب الرأسمالي مُتاحة للجميع حتى أعماق القرى والدساكر والأزقة النائية الضيقة: انها الذكرى المئوية للكاتب الشهير بجدارة واستحقاق.. وما تزال الدراسة التي كتبها بهذه المناسبة الشاعر والناقد بول شاؤول ماثلة في الذاكرة وتكمن أهميتها وعمقها في أن اللبناني الكبير لم يركن إلى مرجعيّات الكتابات المتراكمة كالجبال حول الانجليزي الراحل منذ أربعة قرون، حيث أسقط شاؤول شخصياته بنوازعها المأساوية ومساخرها بتناقضاتها الحادة، المسالك والمصائر. على الراهن العربي وراهن العالم (فشكسبير يتذكّرنا) حسب عنوان الدراسة من فرط الحاح حضوره في لحظتنا وراهننا الواقعي والرمزي.. ولسنا نحن الذين نتذكره، فهو يطبق على واقعنا ووقائعنا، إطباق المفترس على الطريدة الهاربة بين تضاريس الأماكن والعصور.. انه الفن الذي يتجدّد ويزداد راهنيّةً وتحققا مع تصرم الزمان ونأيه..
الفن الذي لا يشيخ ولا يموت ما دامت هناك حياة بشريّة وحيوانيّة على هذا الكوكب الموغل في حتفه وهلاكه، خاصة ذلك الجزء الذي نعيش في زاوية من زواياه المظلمة.
«كأننا لا نتذكر شاعراً، رحل منذ أربعة قرون، فهو ليس ذكرى .. الذكرى يحدها ماضٍ أحياناً ويختزلها مستقبل وحاضر، كأن شكسبير قال للأجيال المقبلة «أكون معكم أو لا أكون» أتذكركم أو لا أكون، فهو معنا بحضور راسخ، طالع من عمق مآسينا وأفراحنا رغبتنا وجنوننا وحروبنا بكل هذه الديكتاتوريات السائدة المتحدرة من مئات السنين.. كأنه في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرين وفي مظلات القرن الحادي والعشرين.. شمس لا تغيب عن مخيّلاتنا وكلماتنا وهواجسنا وأمراضنا ولا معقولنا ويومياتنا».
يمضي شاؤول في الغابات الشكسبيرية، وأدغالها ووحوشها الساحقة. حنانها القليل ودمويتها الأكثر رسوخاً خاصة في (الدراما) إذ أن شكسبير في شعره المحظ، حميمي غنائي على شيء من الألفة، عكس تلك الدراما الجحيميّة المظلمة، دراما عصرنا الحاضر الذي نعيش ونسمع ونشاهد كل يوم ولحظة، في النوم الكابوسي وفي اليقظة المريعة، تعبر الأزمنة والبيئات والمحيطات..
تمضي الدراسة إلى ملامسة اللغز الشكسبيري ليس في المسرح والشعر وأعماق الهاويات التي تتخبط في غموضها شخصياته وعوالمه بل حول شخص الكاتب نفسه الذي يتحول إلى لغز والتباس مفعمم بالغموض والغياب، حين طرحت في القرن التاسع عشر، بدايةَ السِجال، داليا بيكون زوجة الفيلسوف فرنسيس بيكون بأن شكسبير ليس هو كاتب أعماله وانما زوجها الفيلسوف.. وقد تمكّنت من إقناع كثيرين أصحاب شهرة ونفوذ ثقافي أكيد مثل امرسون وولت وايتمان ومارك توين… الخ حتى كبرت كرة الثلج ليصل لائحة المرشحين ليكونوا هم الكتاب الأصليّين إلى 68 شخصاً، كلهم «شكسبير» ما عدا شكسبير..
شكسبير في هذه المرحلة التراجيكوميديّة تحديدا ، يتذكرنا نحن العرب أكثر ، من مواطنيه ومحيطه الأوروبي، ولو ذكر شاؤول، أن العرب على ما ذهب أحد زعمائهم وهو شخصية شكسبيريّة بجانب كثرة، في الزعامات العربية. بأنهم أرادوا تملكه بتغيير اسمه (الشيخ الزبير) وأصله وانتمائه الولادي الحضاري، لاكتملت (دراما) الانتحالات والادعاءات والأسقاطات، في شكلها الساخر والسمج..
***
البروق نائمة في سمائها
لتستيقظ مع الفجر الأخضر،
تقبل أمطارُها
أشجارَ الحديقة..
***
تجثو الأم على رضيعها النائم
بحنو شجر الصفصاف على
ذكريات النهر، على ذوائبه
تستريح الطيور المهاجرةُ من رحلةِ
الليل والنهار..
***
أما آن لهذه الريح العاصفة أن تستريح،
من هذا العواء الجريح، الذي يختلط
بعواء ذئاب تسرح في
بيدائها والجبال..
ليل مجنون
يَسرده نهار سكران..
نشوة الزمن الهارب من
بين الأصابع والعيون..
***
تمضي الكلاب مندفعة وراء طرائدها ، كما يندفع البشر شلالاً أعمى وراء الحتف الذي يتربّصهم في القصور المشيدة بالتحصين والرفاه.
***
يتحدث طفل السادسة عن ماضٍ وذكرياتٍ تمتد إلى ما قبل ولادة الكون ..
***
أيها الغراب القادم من صحراء العرب،
تطوي المسافة برقاً يشطر الكوكَب
الى نصفين،
برق الزلازل التي تشظت
بفعلها الأراضي والقارات..
***
كل صباح ، أفتح نافذتي المطلة على الحديقة العامة في القرية ، أغصان الشجر تكاد تلامس النافذة والجدار الذي يعرّش فيه شجر اللبلاب،، أقرأ للجد ساباتو الذي تلامس سنوات عمره قرنا كاملاً، كما يلامس الشجر والنوافذ والحيطان وهو جد الرواية اللاتينيّة أيضا، يتأسى على الصدْع الفظيع الذي حصَل في مشاعر الناس وعلاقاتهم ببعضهم أو مع الطبيعة بأشجارها وحيواتها الضاربة في القدم والرأفة والحنان، ويتذكر في هذا المنحى كيف كان «صديقه (توريتوريللي) الذي ظل حبّه موقوفا على الأشجار ، لكم كان ذلك أمراً مثيراً بشكل بليغ إذ كان هذا الصديق في بعض الأحايين، يعمد إلى تقبيل الأشجار التي توقظ في دخيلته الشجن لتلك الحقبة التي عمل فيها حارساً للغابة. لقد ظللنا نشعر برفقته بالسعادة الغامرة بينما نحن نقطع في جنّة (ثاغوني) ويمضي صديق ساباتو فتى الغابة في وصف حبه العميق للأشجار الأزلية التي تبقى بجذورها ومياهها وغموض ليلها المكتنز بالأسرار والجمال، فيما تزول الدول والامبراطوريات ويندثر على صخب مجدها الزائل أمام خلود أشجار الغابة المأهولة بمجد البروق الخفيّة والرياح..
أتذكر شخصيّة الايطالي (دي لوكا) في روايته (ثلاثة جياد) ذلك البستاني المفعم بحب الأشجار والحنين «الأشجار تحتاج إلى شيئين الغذاء من تحت التراب والجمال من فوقه.. انها مخلوقات صارمة ولكنها طافحة بالبهاء».
***
غالبا حين يكون الطقس غائماً، وممطراً، وأنا على طاولة المقهى أمامي كوب القهوة المخلوطة بالحليب، وثمة منفضة سجائر على رغم أني قطعت التدخين منذ 12 عاما.. عليها سجائر، تركها السابقون في الكرسي المستطيل الذي أجلس عليه، بينما يمر الغرباء في القرية أو المدينة ، فرادى وجماعات يعتمرون قبعات أو من غيرها حاسري الرؤوس أمام سماء مفعَمة بالغضب والغيم… ومن مألوف المعيش اليومي أن يندفعوا في الطريق متحدثين مع بعضهم فيما يشبه الهذيان، حتى لكأن الواحد في منولوج ذاتي، وليس رفيق الدرب إلا واسطة لتفجر الهذيان واستمراره بينما الأفراد يكون هذيانهم من غير وساطة، عاريا مع الذات المتوحدة ومن غير أقنعة.. أصحاب القبعات من المارة في هذيانهم الصامت، يضيفون على المشهد جواً أكثر رومانسية وخيالاً، فكأنك في فيلم من الماضي السينمائي بالأبيض والأسود من غير وسائط الكترونية ولا تليفونات جوالة.
في مثل هذا الجو وأنا أجلس على الطاولة لابد من كتاب ودفتر لتكتمل عناصر الحالة التي أتقمصها روحاً من الماضي قرأتها في كتاب أو شاهدتها في فيلم مليء بتأملات جمالية وفكريّة. بعض تلك الأرواح الضائعة المغتربة اغتراباً ساحقاً وجذرياً، تتلبّسني في حين من الزمن ، شخصية (ميرسو) في رواية «الغريب» لألبير كامو، تلك الذات الهاربة والتي تحاول الانسلاخ من الماضي والقافلة والمجتمع والتاريخ، الذات المغتربة عن ذاتها الهائمة في مدار اللاجدوى الذي يجرف كل الأشياء والكائنات، يجرف الوجود والعلّة والمعلول..
هكذا كانت تتقمصني حالة (ميرسو) غارقا في المتاه، حتى توقظني ذكرى قتل الشاب الجزائري على شاطئ البحر بينما الشمس في عز الظهيرة والحرارة الراعبة في الصيف. وتحضرني رؤى بعض النقاد، بأن هذه الواقعة تحمل في ثناياها عنصرية مبطنة، رغم مناخ اللاجدوى والعبث الذي يطبق على الشخصية والرواية من الغلاف إلى الهاوية… وبما أني خبرت سطوة حرارة الصيف في بلادي، من فرط قسوتها (التي تستدعي القيامة بشكل مبكر) راودتني هواجس عدوانية تجاه العالم، حد الرغبة في القتل والابادة، أو الامحاء أي الاختفاء في هوة سحيقة.. تشبه ثقباً أسود تفرزه أرض الجدْب واليباب.. في ضوء هذه الخبرة برّرت (لميرسو) عدم حمل واقعة القتل إلى هاجس عنصري ولو كان غاطساً تحت طبقات اللاوعي البعيدة والصدفة جعلته جزائريا، لأن بلد وقائع الرواية هي الجزائر، ابان الاستيطان الفرنسي، وتلك صدفة محظ، ومن الممكن أن تكون ضمن سياق الرواية قريباً او من أي جنسية أخرى، وتذكرت أيضا أن التهمة الموجهة لبطل الرواية، هي بجانب القتل انعدام الاحساس والعاطفة تجاه موت أمه، وأنا ربما من أكثر الذين تأثروا بغياب الأم وموتها، بحيث انفجرتُ باكياً أمام جميع المشيعين من الأهل والبلدة، وهو ما يعتبرونه ضعفاً، إذْ على الحزين أن يحبس دموعه أو يفجرها حين يكون وحيداً، أو يدفعها إلى داخل أعماقه فقط فتطفح قسماتُه بالألم والحزن لكن من غير دموع واضحة، بل دموع خفية مثل تلك التي كنت أراها في عيون الوالدة في حياتها وخاصة الوالد حين يكون في خضمّ ملمة أو مصاب..
وهناك شخصيات لا تحصى في الكتب والروايات خاصة، في فترة من الزمن وأطواره مثل شخصية (توماس) في خفّة الكائن التي لا تحتمل.. وغيرها من الشخصيات الرمزية والواقعية المترحلة الممزّقة التي لا تستقر على حال ومكان..
ومثل شخصيات الروايات وقبلها شخصيات الملاحم والأساطير، التي كان الرواة يسردونها لنا في الطفولات الآفلة..
أما في مثل هذا الجو الغائم الممطر، والمارة الغرباء تسيل هذياناتهم بقبّعات وغيرها فشخصيات الأفلام السينمائية لا تحصى أيضا حسب أطوار العمر، الزمن والوعي، من شخصية محمود ياسين في فيلم (على من نطلق الرصاص) لكمال الشيخ الذي شاهدته في سينما ميامي حين كنت تلميذا في القاهرة تلك الشخصية المثقفة (المأزومة في وعيها حدّ التخبط والتيه والارتباك، حتى شخصية مارلون براندو في (التانجو الأخير في باريس) تلك الشخصية السينمائية الفريدة التي أبدعها خيال الايطالي(برتلوتشي) تتضافر عبقريّة التمثيل مع الإخراج ، ذلك الفيلم الذي يغلب على أجوائه اللون الأصفر، كأنما قذف المخرج بطله خارج الزمان والمكان، تائها بين الأحياء والموتى وتائهاً حدّ الخراب والتدمير بين الأحاسيس والجنازات والانتحار الذي يحمل حتميّة النهاية المنطقيّة لمثل هذه المسارات التي ترسم علامات مصيرها القاتم..
في مثل هذه الأجواء الغائمة الممطرة الغريبة تتقمصني حالات وأرواح شتى.. أرواح بشر وطيور وحيوانات حالماً بأمواج البحر المتوسط التي تغمرني بحنانها الوحشي بعد قليل..
***
فجأة أصيب بالخَرسْ
الوجود كله أصيب بالخرس والامحاء والغياب
لا يستطيع الكتابة (ولا النطق)
لا يستطيع الكتابة لا يستطيع التعبير.
وحقل الشجر الذي يحيطهُ
انفصل عنه من غير عودة
النساء، والأطفال والذكريات،
ماذا يعمل بأثقال هذه
النهارات وهذه الليالي؟
ماذا يصنع بأيامه؟
بأيامه التي من غير عودة ..
رأى على مقربة فوّهةَ
العدم السحيق، كفرج
امرأة يغوي بالانزلاق
والسقوط
انزلق وسقط في ثقب الفضاء
الأسود المضيء كسرّة
امرأة قادمة من ضفاف الأزلِ البعيد…
***
تفكر أمام الصفحة البيضاء
وكانت الأولمبياد مقامة هذا العام في ريو دي جانيرو.. حيث مزارع الكاكاو وعمال النقابات وقراصنة البرتوكس، بلحاهم الطويلة التي تبعثرها رياح المحيط
إزاء الصفحة البيضاء
حلبة الملاكم الأعزل
الكاتب ما هو إلا هذا الملاكم
الذي يخوض النزال
مع مخلوقات وهميّة
موجودة أو لا وجود لها
النزال غير متكافئ ، لكنه
يخوضه برباطة جأش
المحارب ، لا تهمه الهزيمة
ولا يهمه النصر، كل شيء يتوقف
على ضربة القدر اللازب،
ليس هناك قوي ولا ضعيف
ولا محال: كل شيء في قبضة
هذه اللحظة المحتدمة بالهواجس
والانتحارات، بالهوام
وغضب المحيطات..
هناك في تلك الدّجنة
الهادرة حيث لا يعود
أحد إلى مُستقره الأول،
موت أو عُصاب موت وانهيار ..
هناك حيث الموج يبصق
أشلاءه على غُرباء مجهولين
***
هناك تحت ضلع الطوفان
تهذي الأجسام المثخنةُ في
موج أحلامها المدلهم،
هناك حيث ينام
مشردو الحروب الاجرامية
في العراء الهائج بالدم
والكوابييس
نخلة الدم التي حفرها الرسام
الإلهي في خيال الطفل الهارب
من هول المذبحة
شجرة الدم التي حملها من صحن
البيت والى مهب الأماكن والقارات
***
تدخل عائلة مصرية إلى المقهى، الكبرى في منتصف العمر بنتوءات انثوية واضحة، كان يراقبها من وراء الزجاج حين تذكر في الأزمنة البعيدة قراءته رواية لنجيب محفوظ نسي اسمها لكنه ما زال يحتفظ باسم المقهى الذي كان يقرأ فيه الرواية وسط البلد (الاكسلسيور) أمام السينما ومسرح ميامي، أتذكر تلك العبارة من الرواية التي ما زالت محفورة في تضاريس ذاكرة مثقلة، «… قسماتها الرقيقة الواضحة حركت ذكرياته البعيدة فتفجرت ينابيع الذكريات…» أكتب العبارة المحفوظة، وكلب أسود ضخم على ظهره ما يشبه البردعة أو «الحلس» باللهجة العُمانية، يشمشم رجليّ ويعوي عواء خافتاً بينما صاحبته المتقدمة قليلاً في السن ، تسحبه إلى ناحيتها ليواصلا الطريق إلى البيت أو الحانة ..
***
حين وصل المسافر ، إلى بلد الضباب والغيوم، قادماً من بلد الحقد والغبار، متنزهاً في حدائقه المفضلة ذهابا وايابا، محدقاً في الشجر والأمطار الموشكة على النزول، أحسّ أنها تمحو تجاعيد وجهه، تضاريس الجبل التي حفرتها الأيام والسنون .. ورأى الماعز والضباء تركض في الوهاد الخضراء، كما في أيام طفولته الضاربة.. رأى الريح تحمل السفن إلى مينائها الأخير. والكلاب تحاور الغياب بنباحها الليلي الذي لا ينام..
كان الغريب مقيدا مخطوفا بنشوة الروح بين الغرباء والغيوم..
***
هذه الأطياف المكدّسة
أمام بابي
هذه الشموس
والمجرات التي توشك على الانفجار
ثقوب سوداء تبتلع الخليقة:

حروب وطغاة يحتلون الأفق
مأخوذين بنشوة الدم المُراق

كل هذا أو غيره من إلهام القائلة
في بلاد العرب..
… بلادنا…
***
غراب وحيد يجوب الحديقة
في هذا اليوم الحار
غراب متوحش وجريح
لا يبدو على وجهه سيماء النجاة
غراب وحيد
يبدو ان الطيور
في هجرة مؤقتة إلى الغابات المجاورة..
العقعق بلطخته البيضاء وذيل مرحهِ الطويل
مبتهجاً على الدوام وهو ينقر الحشرات
في تموّجات العشب
عصفور الدوري عابر الأزمنة والأكوان
السنونو بخفة الربيع يزهر في الأعماق
الحداءات في هدوء قيامة قادمة..
غراب وحيد يجوب الحديقة
من أي طوفان قدِمتَ هذه
المرة أيها الغرب؟
* جزء من كتاب قادم.