قيس مجيد المولى

 

تعتبر الفيثاغورسية نقلة جديدة في مجال التجديد الفلسفي، الذي نحى لبعث شكل من أشكال الفهم الأخلاقي والديني والاجتماعي، وكذلك العلمي، الذي اعتبروه وسيلة فعالة لتهذيب النفس وتطهيرها.
وقد اهتمَ أتباع فيثاغورس بالرياضيات والطب والموسيقى والفلك، وكان التعليم يجري على درجة من السرية، وهذه السرية ملزمة حد الموت وتنص تعاليمهم بهذا الخصوص على أن عقوبة الموت ستحل بالذي يفشي سرا علميا، خارج الحلقات الدراسية، ولكي تكون هذه السرية أكثر أمنا فالفيثاغورسيون لم يتعلموا عن طريق المقروء، بل كان تعليمهم تعليما شفاهيا أو سماعيا وهذا يدل على مدى الحرص الذي كان يوليه هؤلاء لأسرارهم تلك التي كانوا يقدسونها.
ولاشك أن نظامهم الاجتماعي يتصف بالزهدية، سواء ذلك الذي يتعلق بالمأكل والمشرب، أو بطبيعة العلاقات الشخصية ما بين الأفراد، ومن صفاتهم أنهم كانوا يرتدون زياً واحداً، ويمشون حفاة، ويقتصدون في الضحك والكلام. ولاشك أن الآثار التي تركتها الحروب الفارسية، وكذلك مجمل الأوضاع الأقتصادية آنذاك، وكذلك انتهاء عصر المدرسة الملطية، بعد وفاة رائدها أنكسيماس، أدت إلى حراك فلسفي، حين نزح العديد إلى أوطان جديدة بحثا عن الأمان الذي سيوفر لهم فرصا أكبر للتعبير عن معتقداتهم. كان أتباع المدرسة الفيثاغورسية يقيميون نظامهم الخاص بهم على مجموعة من المبادئ التي تبدو أخلاقية صرفة، وبعضها الآخر له صلة بمعتقدهم حول تناسخ الأرواح، ولعل مبدأ محاسبة النفس من المبادئ الرئيسة التي يتشكل عليها طالب هذه المدرسة، فالمرء مسؤول عن محاسبة نفسه كل يوم عن أوجه الخير التي قام بها، وأوجه الخير التي غفلها، وكذلك السيئات التي ارتكبها وبمفهومهم هذا، أن أمام الإنسان فرص عديدة لتجاوز الأخطاء ومعاودة عمل الخير، وأن يكون نزيها وصادقا أمام أخطائه، وهم لا يحبذون القسم للتدليل على صدقهم أثناء الحديث.
ولاشك أن إيمانهم بعقيدة التناسخ، جعلهم يحرمون أكل لحم الحيوانات ويحرمون تعريضها للأذى، كونهم يعتقدون أن روح إنسان ما في هذا الحيوان أو ذاك، حتى أن بعض الأصوات التي تصدر عن تلك الحيوانات يفسرونها بأنها تعود لأشخاص من البشر، تناسخت أرواحهم في أرواح تلك الحيوانات، أو في نفوسها، وهم لا يفرقون بين النفس والروح.
إن فكرة الفيثاغورسيون عن النفس أنها وجدت قبل الجسد، وأنها خالدة وأزلية وأن الجسد مجرد غطاء مؤقت تالف، وعلاقة النفس بالجسد علاقة عكسية غير توافقية على مستوى العطاء ومستوى الخلود، لذلك فهم يرون أن الجسد فان، وأن الروح باقية، فكيف يمكن للنفس أن تتسامى إلى عالم الخلود بدل من حلولها في أجساد أخرى؟
نادى فيثاغورس سابقا بالزهد لتطهير النفس، وكانت شعائره تقوم على هذا المبدأ في المأكل والمشرب والملبس والحديث، ولكي يكون هذا الزهد شموليا دعمه من أجل الوصول الى التطهير النافع، دعمه بالعلم الرياضي والموسيقى، وضمن ذلك أدخلت الموسيقى كوسيلة من وسائل العلاج المصاحبة للطقوس والشعائر الدينية، وعدت كما الهندسة والحساب علما من العلوم النظرية التي تتطلب الدرس والبحث والتأمل. إن شيوع القصص والأساطير، وما ذكره هيرودتس عن مزج تعاليم فيثاغورس بتعاليم المصريين والأورفيين، لا يلغي قدرا من أخباره ومعجزاته التي ينظر له من خلالها، كونه أحد أبطال عالم الخيال، أو أنه ذلك اللغز المحير الذي من الصعوبة على المرء معرفة ما توحي به قسماته.

٭ ناقد عراقي

http://www.alquds.uk/