سعيد ناشيد:
في نهاية إحدى أعظم الأساطير اليونانية، نجح الإله برومثيوس في الانفكاك من السلاسل التي كبّله بها كبير الآلهة زيوس بعد أن سرق النار ومنحها للبشر. كان العذاب مروعاً، فقد بقي برومثيوس مصلوباً بالسّلاسل مسمّراً على صخرة العذاب، يأتيه صباح كلّ يوم نسر أسطوريّ لينهش كبده الذي يعاود النموّ في اللَّيل. كان زيوس قد أقسم بأن يظلّ عذاب برومثيوس أبديا. لذلك، وكي لا يجعله يشعر بالحنث، فقد صنع برومثيوس خاتماً حديدياًّ من نفس السَّلاسل الّتي تخلّص منها، ووضع في فصّه قطعة من صخرة العذاب الّتي نجا منها، ثمّ جعل الخاتم في أصبعه تعبيراً رمزيّا على بقائه مكبّلا بنفس السَّلاسل ملتصقا بنفس الصَّخرة. بهذا النّحو استعاد برومثيوس حرّيته دون أن يحنث زيوس الّذي يبدو كأنّه رضي في الأخير بالنَّتيجة. ما يعني – وهذا ما سكتت عنه الأسطورة- أنّه سيعود على الأرجح إلى استئناف أفعاله الّتي لم يندم على فعلها. فماذا كان يفعل؟

أثناء عمليّة الخلق، لاحظ برومثيوس بأنّ الإنسان قد حُرم من مزايا الحيوانات: الفروة، المخالب، الأنياب، السُّرعة، القوَّة، إلخ، فأشفق عليه وبدأ يمنحه مزايا رفيعة ترفعه رويدا رويدا إلى مستوى الآلهة: المشي على قدمين، الصّناعة، الفنون، العمران، وصولا إلى العطاء الأكبر: النّار الّتي سرقها من الآلهة ومنحها للبشر. النّار تعني النّور والدّفء والصّناعة، تعني الحضارة والعلم والتقنية، تعني الحبّ والإبداع والفنون، تعني القوّة والإرادة والتَّحدّي، تعني بالجملة بداية الطَّريق نحو الألوهيّة. هذا ما أغضب زيوس. لكن، ألا تعني موافقة كبير الآلهة في الأخير على حريّة برومثيوس – ولو مرغماً- أنّ طريق الإنسان نحو الألوهيّة بات سالكا؟

في كلّ الأحوال، ثلاثة فروقات أساسيّة ظلّت تفصل البشر عن الآلهة: أوّلاً، البشر يسكنون في الأرض والآلهة تسكن في السّماء. ثانياً، البشر فانون والآلهة خالدة. ثالثاً، قدرة البشر على الإدراك محدودة وقدرة الآلهة على الإدراك لامحدودة. هذه الفروقات الثلاثة ضمنت للآلهة نوعا من السّيادة الكونيّة على البشر.

لكن، منذ أعلن نيتشه عن موت الله في أواخر القرن التّاسع عشر، أصبح مكان السّيادة الكونيّة شاغراً. فإمّا أن يبقى شاغراً ويظلّ النّوع البشريّ تحت رحمة الفراغ حتّى موعد انقراضه بسبب الدورات البيولوجيّة، أو التَّقلُّبات الجيولوجيّة، أو التحوّلات الفلكيّة، أو أنّ على الإنسان أن يحتلّ موقع السّيادة الكونيّة بنفسه، فينحت قدره وقدر الكون الأعمى، بمعنى أن يحتلّ مكان الآلهة. إنّه القدر البرومثيوسي في الحساب الأخير.

ثمّة ثلاث مسائل إجرائيّة:

إذا استطاع الإنسان أن يهاجر للعيش في السّماء فسيكون قد دخل في بداية المنعطف الأخير نحو الألوهيّة. في العقود القليلة القادمة ستكون الخطوات الحاسمة نحو بدء الانتقال للعيش في السّماء قد تحقّقت.

إذا استطاع الإنسان أن يرفع معدّل عمره إلى عدّة قرون، وربّما يتّجه نحو الخلود، ولو في أشكال وجود مغايرة ومثيرة للجدل، فسيكون قد دخل في بداية منعطف مهيب نحو الألوهيّة. في العقود القليلة القادمة ستكون الخطوات الأوليّة نحو الحياة الأبديّة قد بدأت.

إذا استطاع الإنسان أن يُطوّر دماغه وراثيًّا واصطناعيًّا وبرمجيًّا لكي يكتسب قدرات إدراكيّة خارقة، فسيكون قد دخل في بداية منعطف خطر نحو الألوهيّة. في العقود القليلة المقبلة ستكون الخطوات الحاسمة نحو تطوير الدّماغ البشري قد تمّت.

لا يتعلّق الأمر هذه المرّة بقصص الخيال العلميّ، وإنّما يتعلّق بمشاريع عمل كبرى، تديرها شركات عملاقة، ومختبرات ضخمة، وتدعمها نخبة من أكثر العلماء كفاءة، وأكثر الخبراء مهارة، وأغنى الأثرياء. وإن كانت متمركزة في معظمها داخل الولايات المتحدة الأمريكيّة، فهذا لا يمنع من وجود منافسين أشدّاء داخل روسيا والصين والاتّحاد الأوروبي وغيرها، غير أنّ المنافسين متعاونون هذه المرّة، طالما أنّ “سماء الله” واسعة شاسعة.

أوّلاً: الطَّريق إلى السَّماء

في غضون العشر سنوات القادمة ستكون بعض الشَّركات الكبرى قد طوّرت مشاريع لإنشاء مستوطنات دائمة على سطح المريخ، حيث سيعيش بادئ الأمر وبصفة نهائيّة أشخاص متطوّعون، مستعدّون للمجازفة، ومجهّزون بالوسائل التقنية والفنّية والمنظومات الروبوتيّة الضَّروريَّة للعيش والفلاحة والبناء، على أمل ظهور سلالة بشريّة متكيّفة مع أجواء المريخ. من بين الشَّركات الَّتي أعلنت عن مشاريع في هذا الإطار: الشَّركة الهولنديَّة البريطانيَّة “مارس وان” Mars One الّتي تأسّست في عام 2012 (وربّما تكون إحدى الشَّركات السويسريَّة قد اشترتها)، والشَّركة الأمريكيّة “سبايس إكس” الّتي سبق أن أنشأها البليونير الأمريكي إيلون ماسك عام 2002، كما دخلت شركة “بوينغ” الشَّهيرة على الخطّ لتطوير برامج تهدف إلى المساهمة في إعمار المريخ، فضلاً عن الوكالة الأمريكيّة للطَّيران والفضاء (ناسا) والّتي من أهدافها المعلنة جعل القرن الواحد والعشرين قرن إعمار المريخ، دون أن ننسى بأنّ جمهوريّة الصين قد التحقت بدورها بالرَّكب، تحت إشراف الدَّولة.

بهذا المعنى، نكون قد انتقلنا من سؤال هل هناك حياة على المريخ؟ إلى السّؤال كيف نصنع الحياة على المريخ؟ إنّ نجاح تجربة العيش في المريخ سيعني أنّ البشريّة قد أنجزت الخطوة الأولى نحو الانتقال للعيش في أحضان السَّماء.

ثانيا: الطَّريق إلى الأبديَّة

ثمّة أشكال من الخلود يمكن تصوّرها علميّا وعمليّا منذ الآن، من قبيل ما يسمّى بـ”الخلود المعرفيّ”. بمعنى أنّ العلماء سيتمكّنون في المستقبل القريب من نقل محتويات دماغ بشريّ إلى دماغ رجل آليّ متطوّر الذّكاء، وبنحو يجعل أهمّ خصائص الوعي لدى الكائن البيولوجيّ قد تستمرّ عقب وفاته في شكل كائن آليّ. وثمّة بالفعل كثير من المبادرات في هذا الاتّجاه، من بينها “مبادرة 2045” الّتي أسّسها رجل الأعمال والميلياردير الروسيّ ديمتري اتسكوف، وقد جمع لهذا المشروع فريق عمل يتألّف من أفضل العلماء الروس، وغايته تحقيق “الخلود المعرفيّ” في أقرب الآجال الممكنة.

لكن، ثمّة بالموازاة جهد جهيد لتحقيق طفرة هائلة في معدّل عمر الإنسان، بنحو يقترب من تحقيق حلم الخلود. لا سيّما وأنّنا ندرك اليوم بأنّ الموت الطَّبيعيّ ليس حتميّة بيولوجيّة بالنّسبة لكافّة الكائنات الحيّة، فلقد تمّ مؤخّرا اكتشاف حيوان بحريّ لا يشيخ ولا يموت ما لم يتعرّض لحادث عنيف، اصطُلِح عليه اسم تيولا، وهو نوع من أنواع قنديل البحر، يعتمد على آلية تجديد خلايا جسمه بنحو دائم. وهي آلية تشبه ما يفعله حيوان السلمندر (أو السمندل) الّذي يجعل أطرافه المقطوعة تنمو مجددا، غير أنّ حيوان التيولا يطبّق تلك الآلية على جسمه بالكامل. بلا شكّ، فإنّ اكتشاف كائن حيّ لا يموت سيساهم في تحرير العقل العلميّ من مسلّمة حتميّة الموت.

وربّما يمكن اعتبار “مشروع كاليكو” Calico Project، الّذي أنشأته شركة “غوغل” عام 2013 داخل إحدى بلدات ولاية كاليفورنيا، أحد أهمّ المشاريع الرّامية إلى تحقيق طفرة كبرى في معدّل عمر الإنسان لكي يبلغ عدّة قرون، ومن ثمّة التوجّه نحو الحياة الأبديّة. يتعلّق الأمر بمشروع يهدف إلى إطالة عمر الإنسان بنحو “خارق”، مع القضاء جينيّا على القابليّة الوراثيّة لكلّ الأمراض، وضمنها الشيخوخة الّتي بات العلماء ينظرون إليها كمرض وراثيّ قابل للعلاج الوراثيّ.

ثالثا: الطَّريق إلى الذّكاء الخارق

لا يخفى وجود شركات اليوم تسعى إلى تطوير الذّكاء الاصطناعي لكي يكتسب نوعا من المشاعر والأحاسيس. من بين تلك الشَّركات شركة “مايكروسوفت للأبحاث”، والّتي تعدّ من أهمّ المختبرات الهادفة إلى تطوير الذَّكاء الاصطناعيّ. لكن، ثمّة شركات أخرى تسعى إلى تطوير الذّكاء البشريّ نفسه باستثمار علوم الوراثة والأعصاب والمعلوميات وتقنيات النانو. وهناك أيضا مشاريع تحاول الجمع بين المسارين: تطوير الذّكاء الاصطناعيّ، وتطوير الذّكاء البشريّ. وجدير بالذّكر أنّ فريقا من العلماء البريطانيين قد نجحوا في تصنيع خلايا عصبيّة انطلاقا من الخلايا الجذعيّة. وبهذا الصَّدد تحمل شركة كيرنيل الّتي أسَّسها رائد الأعمال برايان جونسون مشروعا ثوريًّا طموحا لغاية تحسين قدرة البشر على التّفكير والإدراك، وذلك باستعمال الشَّرائح الدماغيّة القابلة للزّرع والّتي قد تقود إلى تطوير الحواسّ، وبتنصيب برامج روبوتيّة جديدة داخل أدمغتنا، ما سيفتح الباب أمام ظهور قدرات إدراكيّة “خارقة للطبيعة”.

نحن إذن أمام ثلاث طرق برومثيوسيّة:

الطَّريق إلى السّماء، الطَّريق إلى الأبديّة، والطَّريق إلى الذّكاء الخارق. طرق ستفتح الباب لا محالة أمام تحوّل جذريّ في مستقبل النذَوع البشريّ. ومن يدري؟ لعلّ الإنسان سيغدو سيّد القدر الكونيّ بلا منازع. غير أنّنا قد نخسر في المقابل ثلاث مسائل. ويبقى علينا فقط تقدير حجم الخسارة.

أوّلا، قد نخسر وحدة النّوع البشريّ: فاختلاف ظروف الحياة بين الكواكب، واختلاف الإمكانيات والأذواق لدى التَّحسين الوراثيّ للجسد والدّماغ والحواس، كلّ ذلك قد ينتهي إلى بروز اختلافات بيولوجيّة جوهريّة بين الأشخاص. لكن، هل يتعلّق الأمر فعلا بخسارة أم أنّنا علينا فقط أن نستعدّ لكي ندفع بمفهوم التنوّع إلى مداه الأقصى بلا تردّد؟

ثانيا، قد نخسر عنصر الصُّدفة: فقد يجعل التَّعديل الوراثيّ للجينات مآل الفرد مبرمجا بنسبة كبيرة، ما يعني انتفاء عنصر الصُّدفة سواء في مسالك التَّفكير، أو دروب الحياة، لا سيّما بعد أن تتطوّر تقنية زراعة الروبوتات النانومتريّة في أعضاء الإنسان ودماغه، وفعلا يسجّل العلماء الرُّوس اليوم اختراقا كبيرا في هذا المجال. غير أنّ التَّربية والصَّداقة والحبّ والإبداع كلّها مسائل تعتمد على هامش كبير من المصادفة والمفاجأة والاستعداد للمجازفة. وإلاّ فأيّ معنى يبقى للحياة في غياب عنصر المصادفة؟! لكن، هل يتعلّق الأمر فعلا بخسارة أم أنّنا منذ الأساس مبرمجون وراثيًّا وعصبيًّا واجتماعيًّا، وفقط علينا أن ننتقل من برمجة مجهولة إلى برمجة معلومة؟

ثالثا، قد نخسر متعة المنافسات الرياضيّة: فإنّ كلّ المنافسات والمسابقات الرياضيّة تنطلق من مبدأ المساواة الطبيعيّة بين أجساد البشر وحواسّهم، بحيث يتطلّب التألّق من الجميع جهدا يوميًّا جهيدا. لكن، عندما يصبح التَّفوُّق الجسديّ مرتبطا بنجاعة التَّعديل الوراثيّ، وفعاليّة البرمجة العصبيّة الإلكترونيّة ونحو ذلك، فسيغلب على المنافسات الطَّابع العلميّ والصناعيّ أكثر من الطَّابع الرياضيّ، تماما كما هو الحال في سباق السيّارات، والّذي لا يضمن سوى قدر ضئيل من متعة الفرجة، أو كما قد يحدث لو أجرينا مباريات للروبوتات في الشّطرنج أو كرة الطَّاولة، حيث قد تكون المنافسات ذات مستوى عال من الدقّة والبراعة، لكنّها رغم ذلك تفتقد إلى متعة الفرجة. لكن، ما العيب في أن ينتقل مركز الثّقل في المنافسات الرياضيّة إلى الذّكاء -حتى لو تعلّق الأمر بالذّكاء الاصطناعيّ- بدل العضلات الطبيعيّة، والّتي قد لا تفيد كثيراً في حضارة المستقبل؟ وبعد هذا، ألا يوجد اختلال طبيعيّ بين البشر؟ أليس ثمّة ظلم طبيعيّ يلحق بآلاف الأشخاص، سواء في مستوى الجينات، أو في مستوى القدرات الجسديّة والحسيّة والحركيّة، وما علينا سوى أن ننتقل من اختلال يتحكّم فينا إلى اختلال نتحكم فيه؟ فهل سيكون الطّريق إلى التحكّم في الحياة آمناً؟

قلنا سابقا، إنّ النّار في أسطورة برومثيوس تعني النُّور والدّفء والصّناعة، تعني الحضارة والعلم والتقنية، تعني الحبّ والإبداع والفنون، تعني القوّة والإرادة والتَّحدي، تعني بالجملة بداية الطّريق نحو الألوهيّة. لكن، علينا أن نضيف بأنّ النّار إذا أهملناها أكثر فقد تنطفئ فجأة، وإذا ألهبناها أكثر فقد تحرق كلّ شيء.. النّار هي سرّ عظمة الإنسان، وسرّ هشاشته أيضاً.

 

((الآوان))