هذا ليس جديداً على فرنسا. لكنه خيارٌ جيدٌ جداً.

أولاً لأن مَن تشغل المنصب امرأة عاصفة.

ثانياً لأنها امرأة مثقفة.

وثالثاً لأنها امرأة تُدعى فرنسواز نيسين.

للعلم والخبر؛ في سجلّ هذه المرأة أنها لم تقبل يوماً بأنصاف الحلول، لا في عالم اختصاصها، ولا في غيره.

وبأنها تغلي غلياناً، كما البركان الجحيمي في وجدان عاشقة أو في وجدان شاعرة.

في سجلّها أنها ناشرة كتب. وأنها نشرت الكتب في “أكت سود”، كمديرة ثانية. وليست كوارثة لأبيها، مؤسس الدار الفرنسية العريقة.

فتحية إلى الوزيرة الفرنسية. وتحية إلى الكتب. وإلى عالم نشر الكتب. وإلى “أكت سود” طبعاً.

من La Petite Maison d’Édition d’Arles إلى Rue de Valois، في إمكان وزارة الثقافة الفرنسية في الشارع المذكور، أن لا تشعر بـ”الطمأنينة” بعد الآن.

هذا إذا كانت وزارة الثقافة الفرنسية قد شعرت يوماً بـ”الطمأنينة”، أو استكانت إليها.

افتحوا سجلّ هذه الوزارة العظيمة، من مالرو شارل ديغول إلى آخر حبّة في عنقود الثقافة الفرنسية.

الجديد، ان الوزارة، وزارة الثقافة الفرنسية، ستكون هي مقرّ العاصفة هذه المرّة.

العاصفة التي تهبّ باستمرار، من صوّان الحرية، من وجدان الحبر، في المكتبات، والكتب، والكتّاب، والشعراء، والمثقفين، والشوارع، والمقاهي؛ ستهبّ هذه المرّة كما لم تهب من قبل. ستهبّ من قلب الوزارة.

وستكون عاصفةً خلاّقة. لذيذةً. وطليعية.

وستنثر الأخضر في كلّ مكان؛ أخضر الحبر والحلم والشعر والأمل والأسئلة والنقد، وأخضر الحرية، وسوى ذلك من مشاريع “المشعوذين الملعونين” النبلاء.

طوبى لفرنسا لأنها تعرف أن تختار.

وقد اختارت الحرية. كما دائماً.

السياسة ليست هي الهمّ. بل الثقافة. ثقافة الحرية. ثقافة الخلق. ثقافة الأفكار. ثقافة العاصفة.

ماذا يجدر بي أن أفعل، أنا “المثقف” اللبناني، حيال أمر كهذا؟

المعيار هناك، ثقافيّ بحت. وقيمي.

المعيار هنا، يا لعار المعيار!

لا أريد أن أقارن. أريد من “الحاكم”، الحدّ الأدنى مما يجب أن يعنيه “لبنان الشاعر”.

أين هو هذا الحدّ الأدنى؟

والحال هذه، أيجب أن أغار؟ أم يجب أن أشعر بالذلّ؟

لا بدّ من أن أشعر الشعورَين معاً.

الأول “طبيعي”، لأني أطلب المستحيل.

الثاني، “واقعي”، لأن لبنان الثقافي الرسمي تحت الصفر. كي لا أقول في المرحاض.

من حقّ لبنان عليَّ شخصياً، أن أطالب في الأقلّ الأقلّ، بالحدّ الأدنى. فقط بالحدّ الأدنى.

ومن حقّ لبنان خصوصاً أن أرفض هذا الانحطاط الثقافي.

تمرّداً على الذلّ، وإكراماً للإرث الوطني الذي يذهب إهداراً، وفي كثير من الأحيان، ممرَّغاً بالوحول.

ليت العاصفة الفرنسية، عاصفة الثقافة، تهبّ علينا، وإنْ مرةً واحدة… لا مرّتين!

akl.awit@annahar.com.l

 

https://www.annahar.com/article/58620