استطاع علم النّفس أن يفهم مجموعة من السّلوكات الإنسانيّة الّتي كان يصعب تفسيرها خارج ما هو خرافي و” أخلاقي” (أتحدّث عن الأخلاق هنا من زاوية نظر دينيّة، أي خطيئة أو إثم، وكذلك من زاوية نظر اجتماعيّة: كعيب وممَّا لا يجوز فعله). فبيّن لنا، بالتّالي، مجموعة من النّظريات المهمة حول النّفس الإنسانيّة.

وعلم النّفس يمكن أن نعرّفه بأنه ذلك العلم الّذي ينصبّ اهتمامه على دراسة سلوك الإنسان وما يصدر عنه من استجابات ظاهريّة أو داخليّة أو اجتماعيّة (1). وما يميّز علم النّفس أنّه يقوم على المنهج العلميّ، أو لنقل المنهج الإستقرائي التّجريبي، أي يقوم على الملاحظة والتّجربة. فعلماء النّفس مهما تنوّعت اهتماماتهم  فإنّهم يعتمدون على المنهج العلميّ وعلى النّظرة العلميّة (2). والمنهج العلمي يظهر واضحاً في تجارب إيفان بافلوف عن الفعل المنعكس الّتي وظّفها جون واطسن  في وصفه لكسب الأمراض النّفسيّة وإزالتها (3).

غير أنّ هذا المنهج العلمي الّذي يقوم عليه علم النّفس قد لا نلاحظه كثيراً في مدرسة التّحليل النّفسي الّتي تزعمها فرويد، ففرويد وقف في وجه التّفسير العضويّ للاضطراب النّفسي، وقال بنظريّة “اللاّشعور”، فالرّغبة والفعل المحرّك للإنسان يكمن في اللاّشعور  حسب تصوّر فرويد (4).

وما يميّز نظريّة التّحليل النّفسي هو أنّ منهجها مغاير للمنهجيّة العلميّة المألوفة في الأوساط العلميّة، ولهذا واجهت انتقادات حادّة لها. وأهمّ ما ركّزت عليه نظريّة التّحليل النّفسيّ الفرويدي هو الغرائز الجنسيّة، إذ اعتبرتها المصدر الأساسي للدَّوافع والسّلوك الإنسانيّ (5).

ونحن في هذا المقال سنسلط الضّوء على أحد المواضيع الّتي تناولها فرويد والمرتبطة بالغريزة الجنسيّة، وهو موضوع ما أسمّاه فرويد بـ “التّميميّة”. ثمّ في الختام سنحاول الإجابة على السّؤال التّالي: هل الفصل بين الجنسين يمكن أن يعد حلاً لكبح الرّغبات الجنسيّة؟  فما الّذي نقصده بمفهوم التّميمية؟ وهل لهذا المفهوم تمظهر في مجتمعاتنا العربيّة والمغاربيّة؟

هذه الأسئلة، وغيرها، سنحاول الإجابة عليها فيما سيأتي من مدارسة.

اكتشف فرويد دور الغريزة الجنسيّة في تحريك الإنسان وفي التّأثير على سلوكاته و دوافعه، ولهذا نجد فرويد يتحدّث عن الكبت وعن الانحرافات الجنسيّة، وغيرهما من المواضيع المتعلّقة بالجنس في كثير من كتبه. بيد أنّ تصوّر فرويد للغريزة الجنسيّة لم يفهم كثيراً، واعتبر البعض أنّ فرويد، إذ يناقش الكبت، ويتحدّث عن الجنس والاضطرابات الجنسيّة، فإنّه يدعو للانحلال وللإباحيّة كعلاج. وفي الحقيقة إنّ الإباحيّة قد تكون سبباً للمرض النّفسيّ وليس علاجاً له. إنّ فرويد يسلّط الضّوء على الهوام موطن الرّغبة المكبوتة، وليس على الممارسة الجنسيّة أو الإباحيّة. فالهومات الجنسيّة المنحرفة هي الّتي تسبب المرض النّفسي عبر توليدها لمشاعر ذنبيّة، أو إباحيات جنسيّة ليس لها حد (6).

ومن هنا، ففرويد يرى أنّ الهوام الجنسيّ قد يجعلنا نتّخذ بدائلاً غير ملائمة للموضوع الجنسي. فهناك حالات يستبدل فيها الموضوع الجنسي الطّبيعي بموضوع آخر غير طبيعي بالمرّة، وهذا الموضوع الّذي يتّخذ بديلاً للموضوع الجنسي الطّبيعي هو موضوع غير ملائم للهدف الجنسي كقطع من ثياب الجنس الآخر مثلاً. ويقارن فرويد هذه البدائل بالتّميمة، فيقول:

«ومن الممكن مقارنة هذه البدائل، في الحقيقة، بالتّميمة الّتي يُجسّد فيها المتوحش إلهه» (7).

   إنّ الأطروحة الّتي سنحاول إثباتها في هذا المقال هي أنّ التّميميّة تظهر في الكثير من العلاقات العاطفيّة بين الجنسين في مجتمعاتنا العربيّة والمغاربيّة. ففي المجتمعات المحافظة الّتي يصعب فيها الوصول للهدف الجنسيّ، وهو حال المجتمعات العربيّة، فإنّ اتّخاذ التّميمية كبديل جنسيّ غير طبيعيّ يتمظهر في الكثير من سلوكات الجنسين. لأنّ من أسباب اتّخاذ بدائل جنسيّة تميميّة غير طبيعيّة للموضوع الجنسيّ صعوبة الوصول إلى الهدف الجنسيّ، وعلى هذا فالتّميمية قد تظهر في الحبّ السوي، فنجد العاشق مثلاً يطلب من حبيبته منديلاً أو قطعة من الشعر..إلخ. غير أنّه حين تحلّ هذه التّميمة محلّ الهدف الطّبيعي فإنّنا هنا نكون أمام حالة غير سوية، وكذلك حين تصبح التّميمة مطلوبة جنسيًّا لذاتها، دون أي ارتباط بشخص مَّا. إنّنا في هذه الحالات نكون أمام انحرافات مرضيّة برأي فرويد (8).

تظهر التّميمية في كثير من سلوكيات الجنسين العاطفيّة، فقد تظهر في طلب الحبيب من حبيبته شيئاً يخصّها للذكرى، كخصلة من شعرها مثلاً، كما قدّمنا، وقد تبدو المسألة رومانسيّة، فالشعر العربيّ حافل بالأبيات الشعريّة الّتي تتحدّث عن بدائل للموضوع الجنسيّ، مثل قول نزار قبّاني في قصيدة تحمل عنوان إلى السّياق:

«اذهبي غيري مكانك .. اخفي

ترف السّاق .. أنت أصل شحوبي

أدخليها لوكرها .. كلّ عرق

من عروقي يصيح: أين نصيبي؟»

 

فالشّاعر هنا يتحدّث عن ساق حبيبته الّتي تحوّلت إلى موضوع تميمي بديل للهدف الجنسيّ. أمّا فرويد فيورد نصًّا مقتبسًا من فاوست، استدل به على وجود التّميمية في الحبّ السَّوي، وهو:

« ائتني بمنديل لامس صدرها

أو برباط ساق حبيبتي «!(9)

وإذا ابتعدنا عن مجال الشعر والأدب، وجدنا أنّ العادات الاجتماعيّة والأعراف المحليّة تساهم في اتّخاذ التّميمية كبديل جنسيّ غير طبيعيّ. فمثلاً، كانت المرأة نادراً ما تخرج من منزلها في بعض المناطق المحافظة في المغرب، وكانت الحالات القليلة الّتي تخرج فيها من المنزل، هي في مواسم زيارة الأضرحة، وبحكم الأعراف والعادات الاجتماعيّة، فالمرأة أثناء هذه الزّيارات لم يكن يظهر منها شيء سوى القدمين. فكانت القدمين تتّخذان عند الرَّجل رمزاً لجمال المرأة. ويفسّر فرويد الإيثار التّميمي للقدم بكونه يرجع إلى النّظريات الجنسيّة الطفليّة، لأنّ القدم في نظر الطّفل تنوب عن القضيب الّذي يزعجه أن يُفقد لدى المرأة. كما يقدّم فرويد تفسيراً ثانياً، في نظري، يصحّ على المثال الّذي قدّمته عن اتّخاذ القدمين رمزاً لجمال المرأة، وهو أنّ بعض حالات تميميّة القدم كانت في الأصل رغبة في رؤيّة الأعضاء التّناسلية، إلاّ أنّ الكبت والحظر جعل هذه الرّغبة تتوقّف على القدم الّذي أصبح تميمة (10).

في الختام، نتساءل: هل الفصل بين الجنسين يمكن أن يعدّ حلاً لكبح الرّغبات الجنسيّة؟ يمكن أن نجيب عن هذا السّؤال ، بناءً على رأي فرويد حول التّميميّة الّذي ذكرناه، فنقول أنّ دعوات الفصل بين الجنسين المنتشرة في بعض الأوساط الاجتماعيّة، لا يمكن أن تكون حلاً لكبح الرّغبات الجنسيّة، لأنّ هذه الرّغبات طبيعيّة. أكثر من هذا، فإنّ الفصل بين الجنسين قد يؤدي إلى ظهور أعراض مرضيّة كثيرة في المجتمعات المحافظة، فالرّغبة الجنسيّة لا يمكن محاربتها، لأنّها مسألة غريزيّة. ومهما تمّ منع الاختلاط فسيظلّ هناك بحث عن الموضوع الجنسيّ وإن بأشكال منحرفة، أي غير طبيعيّة. فهل يمكن أن نحصي البدائل غير الملائمة للموضوع الجنسيّ، أي التّميمية، في مجتمعاتنا العربيّة والمغاربيّة؟ اعتقد أنّه إذا كان يُقال إنّ المغرب أرض عذراء للدّراسة الأنثروبولوجيّة، فإنّه يمكن القول أيضاً إنّ المغرب ـ وغيره من البلدان العربيّة والمغاربيّة ـ أرض عذراء للدّراسة السيكولوجيّة.

********

هوامش:

1 ـ عبد الستار إبراهيم، الإنسان وعلم النّفس، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 86، ص: 15.

2 ـ عبد الستار إبراهيم، مرجع نفسه، ص:19.

3 ـ عبد الستار ابراهيم، العلاج النفسيّ الحديث،  سلسلة عالم المعرفة، عدد:27، ص: .15

4 ـ عدنان حب الله، التحليل النّفسي للرجولة وللأنوثة، دار الفاربي، المؤسّسة الوطنيّة للاتّصال والنّشر والإشهار، الطّبعة الأولى:2004، ص: 11.

5 ـ عبد الستّار إبراهيم، مرجع سابق، ص: 14.

6 ـ عدنان حبّ الله: مرجع سابق، ص: 12.

7 ـ سيغموند فرويد، ثلاثة مباحث في نظريّة الجنس، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة ـ بيروت، ط:5، ص: 29.

8 ـ نفسه، ص: 30.

9 ـ نفسه، ص: 30.

10ـ نفسه.

https://www.alawan.org/2017/05/18/