محمد وسعيد

 
دوما كان هناك ذلك الرجل الباهت الثياب، ماثلا كصنم حي في الساحة الخلفية للمحطة الطرقية حيث تستريح الحافلات وترسم زيت المحركات بقعا سوداء دائرية على الحصباء الرمادية..
في البدء، حسبت الرجل الباهت الثياب مساعدا في اقتناص المسافرين لهذه الحافلة أو تلك، ومرة أو مرتين، بعد أسفار عديدة، تنكبته حذرا، فقد يكون نصابا أو نشالا، لكن مؤكد ليس متسولا..
كنت لأسأل عن سر الرجل الباهت الثياب، الواقف دوما عند قدم كل حافلة، المتطلع نحو الوجوه المتعبة وهي تطل من النوافذ أو تتدحرج من الأبواب، لكن الأمر ظل باستمرار أقل أهمية من الإسراع للحاق بحافلتي الراحلة أو البحث عن خلاص من ثقل الأمتعة بعد سفر طويل..
ذات يوم قال لي مسافر هش القلب مشيرا إلى الرجل الباهت الثياب:
– المسكين، إنه لا يتسول ولا يسرق ولا يتكلم. من الصباح يقف هنا حتى المساء، ثم يأوي إلى العشة هناك.
نظرت إلى حيث أشار المسافر الهش القلب، إلى الزاوية حيث ملتقى جداري السور المحيط بالمحطة، فرأيت العشة لأول مرة، رثة ومهلهلة كنسيج عنكبوت كبير ومزركش..
في الأصياف، عندما تخرج الشمس عن طورها، وفي الشتاءات، بينما السماء بحر نزق وغامض، ظل الرجل الباهت الثياب هناك كي يودعني منظره كلما غادرت ويستقبلني كلما حللت..
ذات سفر غير متعجل تأملت الرجل الباهت الثياب، تأملته على مهل ككائن استمر غير متوقع، يمتلىء وجهه بالغضون والأسرار الحزينة، كان الوقت مساءا متأخرا، نظر إلي الرجل الباهت الثياب فجأة بحزن، ثم انقلب وسار منكسرا نحو عشته الرثة..
عندما عدت من السفر غير المتعجل إياه وددت أن أستكمل تأمل الرجل الباهت الثياب على مهل، نزلت من الحافلة وبحثت عنه، كان بلا أثر..
في ذلك اليوم كنت لأكمل الرحلة بانتظار يوم آخر، لكن شيئا ما رفض إطلاق سراحي: أين راح الرجل الباهت الثياب؟
لم أسأل أحدا، كل المسافرين حيارى، متعجلون، يمضغون علك الانتظار ويبتعلون صرخات المحطة ويستحثهم البعيد، البعيد المجلل بالضباب، البعيد الذي لا فكاك منه..
– أين راح الرجل الباهت الثياب؟
سألني الشخص المتنكر في ثيابي بصوت آمر شجي..
قمت بجولة متلهفة في الساحة الرمادية المرشوشة بالأسود وبآثار الخطى البائدة والجديدة، تفحصت الوجوه والقامات العابرة والواقفة، تنكبتني النظرات والأجساد، ووحدها الخيبة اصطدمت بي في النهاية وعانقت سؤالي..
أين راح الرجل الباهت الثياب؟ لم أسأل أحدا، ولم يسألني أحد هذه المرة. ثم عدت إلى المكان المعلوم بالذات، ووقفت تماما هناك، عند قدم الحافلة التي وصلت لتوها، وكصنم حي في ثياب باهتة رحت أتطلع إلى الوجوه المتعبة وهي تطل من النوافذ أو تتدحرج من الأبواب. كان المساء قد حل سريعا، وبينما غادر آخر مسافر الحافلة تنهدت بحزن: الشقية لم تأت اليوم أيضا..
نظرت إلى الرجل الذي لم يتوقف عن تأملي بفضول، ثم انقلبت وسرت منكسرا، كما في كل مساء، نحو العشة الموحشة..