فوز كبير لـ «موت صغير»

نديم الوزه

 
توّجت «موت صغير» للسعودي محمد حسن علوان بجائزة «بوكر» العربية في نسختها الأخيرة. هي سيرة روائية «متخيلة» – حسب توصيف لجنة الجائزة – لحياة محيي الدين بن عربي. أما لماذا يتخيّل الروائي سيرة علم من علماء الصوفية أدباً وفكراً؟ فلا أحد يجيب على ذلك. حتى محمد حسن علوان نفسه يتنصل من الإجابة، ويرى أنّ روايته نوع من الكتابة البيضاء، وبلا رسالة.

وكنت أتمنى ذلك، لأقرأ شكلاً جديداً من السرد العربي بناءً ولغةً. لولا أنّ الرواية ذاتها تقدّم إجابة أخرى قد لا تقارب رغبة الراوي بقدر ما تجهد لنقضها فصلاً بعد آخر.
تستعير «موت صغير» بنيتها الزمنية من رواية «الموريسكي الأخير» لصبحي موسى، في تقسيم زمنها إلى زمنين:
زمن ترحال مخطوطة محيي الدين بن عربي بداية من كتابتها في أذربيجان 610/ 1212، ليتمّ بيعها أخيراً، في بيروت 1433/ 2012. وزمن السيرة المتضمن في المخطوطة من غير تحديد زمني للأحداث التي تبدأ من ولادة ابن عربي في الأندلس حتى وفاته في دمشق.
كما تحيل بنية سردها الدرامية لرواية «حرمة» لعلي المقري. لكن بينما تحتفي عناوين «حرمة» بعبارات من أغنية لأم كلثوم، لأحداث غيرها، تحتفي «موت صغير» بعبارات من ابن عربي نفسه لتضيء حوادث سيرته، أو تستضيء بها، أو تجد لها تفسيراً واقعياً، أو من خلال ما يتخيله الروائي لها من أحداث تخصّ علاقاته بعائلته وأصدقائه وأصحاب الحكم في كل مكان وزمان يتواجد فيه.
داخل البناء المستعار، تقوم الرواية على متوالية تقليدية للسرد التاريخي المتماسك والمغلق على حياة محي الدين بن عربي وحدها، لا سيما في زمن السيرة. تحكي مكان ولادة صاحب «الفتوحات المكيّة»، وزمانها، وكيف عاش طفولته، وصباه، وشبابه، في الأندلس، زمن الموحدين، وارتحل عنها، لتحكي أثناء ذلك الصراعات على الحكم بين العرب والبربر والفرنجة. بينما ابن عربي مشغول بالقراءة وتحصيل المعارف من أجل الوصول إلى مرتبة أولياء الله الصالحين. وليتمكّن من ذلك، عليه أن يتعرّف إلى أوتاده الأربعة، فيغرق في رحلة طويلة. وتده الأول شيخه «الكومي» في إشبيلية. ووتده الثاني «الخياط» وريث «الحصّار» الذي مات قبل أن يعرف ابن عربي بمرتبته في القاهرة. و«نظام» التي أحبها وكتب فيها ديوانه «ترجمان الأشواق»، ولم يستطع الزواج منها لأنها كانت وتده الثالث في بغداد. وفي «مليطة»، تعرّف إلى وتده الرابع «شمس الدين التبريزي». يطمئن الشيخ المتصوّف إلى إيمانه، فيذهب إلى أذربيجان، ليعتزل الناس في كوخ جبلي، ويخطّ سيرته، ثم يعود لينتقل بأسرته إلى حلب، فدمشق.
بعد أن يموت ابن عربي، ينتقل مخطوط «سيرته» إلى مريده «سودكين». يودعه ابنه «طاهر» لدى خادم ضريح «ابن عربي» في دمشق. حين مجيء التتر، يذهب المخطوط إلى الكرك مع أحد المتصوفة. ثمّ ينتقل منها إلى سمرقند مع «أبي الفداء». يصل إلى «أماسيا» هدية للسلطان من أحد أبناء تيمور. ثم ينتقل المخطوط إلى استانبول. ثمّ يستطيع عبد القادر الجزائري أن يحضره إلى دمشق ثانية. لكن أثناء قصف الفرنسيين لدمشق، ينتقل المخطوط إلى حماه. وأثناء أحداث حماه 1982، يُهرّب المخطوط إلى دمشق ثالثة، خوفاً من جيش السلطة السورية التي كانت تحارب فقهاء الإخوان المسلمين – والفقهاء أعداء ألدّاء للصوفية كما تقول سيرة الرواية! يصل إلى بيروت بسبب الأحداث الأخيرة التي عصفت بالبلاد 2012. وربما منها إلى يد الروائي الذي نسخه إلى روايته «موت صغير». ربما باستثناء النسخ (الاقتباس) لا يبدو شيئاً أبيض في هذه الرواية. هي تذخر بالخلافات الدينية والطائفية من إشبيلية إلى دمشق مروراً بالقاهرة، بين المسيحيين والمسلمين من جهة، وبين الرشدية والمتصوفة والمذاهب الإسلامية من جهة أخرى. ربما أكثر ما ينبغي التأكّد منه في سيرة ابن عربي على لسان محمد حسن علوان هو إن كان ابن عربي قد تسبّب أو ساهم حقاً في سجن ابن رشد ومحنته! لا أدري هل كان كلّ ذلك من نسج خيال الروائي كما يدعي مانحو جائزة «بوكر» أم جاء على سبيل التسلية واللعب اللغوي كما يدّعي الروائي ذاته؟! «موت صغير» لم تضف إلى لغة ابن عربي، ولطائفها التخيلية، والمعنوية أيّ شيء جديد بقدر ما اتكأت عليها في سرد تقريري لأحداث عادية يعيشها الصوفي وغيره. بل أبدت اضطراباً في فهمها، لا سيما حين ربطت رؤى ابن عربي بحالات المرض والحمّى، أو تفسيرها على سبيل المجاز بين الظاهر والباطن لبعض قراءته مثل حديث «علّموا أولادكم الرماية والسباحة»، أو تفسيرها على سبيل الحقيقة لآية قرآنية تتعلّق بشرب الخمر. بما يجعل ابن عربي ذريعة وأداة للعبة خطابية راهنة، أكثر منه ضرورة تاريخية لها.
* ناقد سوري

 

http://al-akhbar.com/node/277