حوار‮:‬ إيهاب محمود الحضري

أكثر ما يرهقني،‮ ‬عندما يصلني كتاب من مؤلف أحترمه،‮ ‬ويكون عمله أقلّ‮ ‬من المستوي المطلوب،‮ ‬وأكون مضطراً‮ ‬للعمل عليه كثيراً‮. ‬أو عندما يصلني كتاب أري فيه لمعات مضيئة ويستحق أن ينشر لكنه يحتاج لعمل كثير،‮ ‬بل‮- ‬أحياناً‮- ‬لإعادة كتابة‮.‬

عندما ظهرت جائزة البوكر العربية عام‮ ‬2007،‮ ‬ومع تتابع دورات الجائزة،‮ ‬لفت المركز الثقافي العربي الأنظار إليه،‮ ‬فلا تكاد تخلو دورة من الدورات إلا وتجد القائمة الطويلة ثم القصيرة تضم روايات صادرة عنه،‮ ‬غير أنه بدءًا من العام‮ ‬2013،‮ ‬لم تفز رواية صادرة عن المركز بالجائزة،‮ ‬بل ولم يصل المركز إلي القائمة الطويلة في الخمس دورات الأخيرة سوي ثلاث مرات فقط،‮ ‬في مقابل صعود دار التنوير لتسجل حضورًا لافتًا بوصولها تسع مرات إلي القائمة الطويلة،‮ ‬فضلًا عن الفوز بالجائزة عام‮ ‬2015‮ ‬برواية الطلياني،‮ ‬اللافت هنا أن حسن ياغي هو من كان يحرر الروايات في المركز الثقافي العربي،‮ ‬إلي أن تركه نهاية‮ ‬2011،‮ ‬ليبدأ عمله في دار التنوير‮!‬
‮ ‬هنا يحكي ياغي عن هذا التأثير المدهش الذي يحدثه وجوده محررًا أدبيًا لدار نشر ما،‮ ‬كما يتحدث عن علاقته بلجان البوكر،‮ ‬وتفاصيل عمله،‮ ‬وأمور أخري‮.‬
كيف بدأت العمل محررًا ؟
كان عالم القراءة والكتب يجذبني،‮ ‬وقد عملت في البداية في مطبعة،‮ ‬ثم انتقلت عام‮ ‬1983‮ ‬إلي دار التنوير التي كانت من أفضل دور النشر عندي‮. ‬عملت فيها لثلاث سنوات قبل أن انتقل لتاسيس المركز الثقافي العربي كدار نشر في بيروت‮.‬
كان عملي في دار التنوير مراجعة الكتب والتأكد من سلامة العمل ومتابعة أعمال الطباعة،‮ ‬بسبب خبرتي في هذا المجال‮. ‬ولم تكن مهنة المحرر الأدبي موجودة،‮ ‬لكن شغفي بالقراءة طوّر قدرتي علي تحديد أهلية النصوص التي أقرأها،‮ ‬ومدي صلاحيتها للنشر‮.‬
أما عن عملي كمحرر في هذا المجال،‮ ‬فيعرفه كل الذين قدمت أعمالهم،‮ ‬إذ عادة بعد القراءة أقترح تعديلات من موقعي كقارئ متمرّس يمتلك إمكانات ناتجة عن معرفة طويلة بكيفية جعل النص أكثر قوّة وجمالاً،‮ ‬وخاصة في ميدان الرواية التي أعتبرها عملاً‮ ‬إبداعياً‮ ‬فنياً،‮ ‬وهذا هو ما يترك التأثير،‮ ‬و قبول تدخلي ليس شرطًا،‮ ‬أبداً،‮ ‬إذ القرار النهائي بخصوص النص يعود للمؤلف وليس لي‮. ‬وهناك أعمال لم أتدخّل فيها،‮ ‬وحازت علي جوائز،‮ ‬وهكذا لست أنا صانع الجوائز،‮ ‬بل الكاتب‮. ‬غير أن التعاون بيننا ضروري‮.‬
فازت ثلاث روايات صادرة عن المركز الثقافي العربي بالبوكر أثناء عملك محررًا للدار،‮ ‬فضلًا عن الروايات التي وصلت إلي القائمة الطويلة كل عام،‮ ‬وعندما ذهبت إلي التنوير تكرر الأمر؛ فازت الطلياني بالبوكر وكانت القائمة الطويلة لا تخلو من روايات صادرة عن التنوير‮..‬
‮ ‬ثمة‮ ‬غرابة في الأمر إذ يبدو وكأنك تعرف ذوق لجنة التحكيم التي تتغير كل عام وتقدم إليها الروايات التي تتفق مع هذا الذوق‮!‬
أنا بدأت العمل في المركز الثقافي العربي أول عام‮ ‬86‮ ‬واستمررت حتي يوليو من عام‮ ‬2011‮ . ‬ولم تكن لي أي علاقات مميزة بإدارة جائزة البوكر،‮ ‬بل هي علاقات عادية ناتجة عن معرفة معظم الذين يعملون في ميدان الثقافة والنشر،‮ ‬والفوز بتلك الجوائز لم يكن نتيجة علاقات تربطني بإدارة الجائزة أو بلجان التحكيم،‮ ‬بل بسبب تميز الأعمال التي قدّمناها،‮ ‬فمنذ أن بدأت أهتم بالجائزة،‮ ‬لم تخرج القوائم ولا مرة خالية من الأعمال التي أقدّمها‮. ‬وقد أكدت مرات أنه لا يوجد أي تدخّل من إدارة الجائزة في اختيارات اللجنة،‮ ‬وهذا عرفته وخبرته لفترة طويلة،‮ ‬والقرار ناتج عن مزاج لجنة التحكيم التي تقرر،‮ ‬وحدها،‮ ‬وهذه اللجنة تبقي سريّة حتي إعلان القائمة الطويلة،‮ ‬ولم يحصل أن عرفت هذه اللجنة،‮ ‬أو سعيت لمعرفتها،‮ ‬بل كنت دائماً‮ ‬مطمئناً‮ ‬إلي أن الدار التي أشرف عليها سواء،‮ ‬المركز الثقافي العربي،‮ ‬أو التنوير،‮ ‬ستكون حاضرة بسبب ما أقدّمه من أعمال تستحق أن تكون حاضرة،‮ ‬وليس لأي سبب آخر‮. ‬
أما عن البوكر،‮ ‬فأقول إنه من الظلم لجائزة حققت أكبر مكانة بين الجوائز الأدبية،‮ ‬أن يُقال إن هناك تأثيرا مني أو من‮ ‬غيري علي إدارة الجائزة‮. ‬فكلام من هذا النوع يضعف قيمة الجائزة المعنويّة،‮ ‬ولا يفيد أحداً،‮ ‬عدا عن أنه‮ ‬غير صحيح ويترك آثاراً‮ ‬سلبية،‮ ‬سواء علي الجائزة أو حتي علي عملي نفسه‮.‬
ولماذا تركت المركز الثقافي العربي؟
أنا لم أترك المركز الثقافي العربي،‮ ‬بل‮- ‬للأسف‮- ‬أُجبرت علي تركه،‮ ‬فالمركز كان بمثابة بيتي لمدة‮ ‬25‮ ‬عاماً‮ ‬أنتجت فيها ما جعل للمركز مكانة رفيعة،‮ ‬وضمت قائمة منشوراته أكبر عدد من مفكري الصف الأول في العالم العربي‮.‬
ما أكثر ما يرهقك في عملك كمحرر ؟
أكثر ما يرهقني،‮ ‬هو عندما يصلني كتاب من مؤلف أحترمه،‮ ‬ويكون عمله أقلّ‮ ‬من المستوي المطلوب،‮ ‬وأكون مضطراً‮ ‬للعمل عليه كثيراً‮. ‬أو عندما يصلني كتاب أري فيه لمعات مضيئة ويستحق أن ينشر لكنه يحتاج لعمل كثير،‮ ‬بل‮- ‬أحياناً‮- ‬لإعادة كتابة‮.‬
ترهقني أيضًا كثرة الأعمال التي تصلني،‮ ‬وهي كثرة متعبة،‮ ‬حيث تصلني مخطوطات أكبر بكثير من طاقة دار التنوير علي النشر،‮ ‬ومن طاقتي علي القراءة،‮ ‬في حين أنه لا يمكنني الأعتذار عن النشر من دون القراءة‮.‬
وبالنسبة لتحرير الأعمال المترجمة؟
هي الأصعب من كل هذا،‮ ‬لأنه عندما تكون الترجمة ضعيفة،‮ ‬فإن هذا يستلزم جهداً‮ ‬كبيراً،‮ ‬لأنك تكون مضطراً‮ ‬لضبط النص كسياق،‮ ‬ولغة ومعني ومصطلحات،‮ ‬أو بعث الروح الجمالية في النص السردي،‮ ‬وبعد ذلك المقارنة مع النص الأصلي،‮ ‬وعمل كهذا قد يستدعي العمل علي النص أكثر من مرة،‮ ‬ذلك أن الترجمة تحتاج لمعرفة باللغة التي ننقل إليها أكثر من اللغة التي ننقل منها،‮ ‬أي معرفة باللغة العربية،‮ ‬وإمكانات التعبير بواسطتها‮. ‬فأن تفهم النص الأجنبي هو الحلقة الأسهل،‮ ‬والأصعب أن ننقله بطريقة سليمة ومفهومة،‮ ‬أو بلغة تحاكي جمال لغة الأصل في رواية‮.‬
كأحد العاملين في صناعة النشر العربية‮.. ‬ما الذي ينقصها في تقديرك؟
صناعة النشر في العالم العربي،‮ ‬صناعة ضعيفة جداً،‮ ‬إنها تنتمي إلي زمن‮ “‬المانيفاكتورة‮”‬،‮ ‬أي ما قبل الصناعة الحديثة‮. ‬فما زالت صناعة النشر تعتمد علي الشخص الذي يدير العمل،‮ ‬ولم تصل إلي مستوي عمل مؤسسة‮. ‬في‮ ‬غالبية دور النشر لا يتجاوز عدد الموظفين أصابع اليد الواحدة،‮ ‬بل إن عدداً‮ ‬كبيراً‮ ‬من دور النشر ليس فيها سوي الناشر وموظف في المستودع،‮ ‬وهذا يدل علي حال هذه الصناعة التي اسمها أكبر بكثير من واقعها،‮ ‬ولا يمكن مقارنتها بمثيلاتها التي تتوجّه إلي‮ ‬400‮ ‬مليون قارئ كما هو حالنا‮.‬
وهل تهتم الصناعة بالمحرر ؟
هذه المهنة‮ ‬غير موجودة بالفعل‮. ‬لو سُئل شخص ما عن عمله وأجاب بأنه محرر أدبي‮!! ‬لذهب الظن إلي العمل الصحفي في أحسن الأحوال،‮ ‬أو لم يُفهَم ما هو هذا العمل‮.‬
ثم إنها مهنة عمادها الأساسي الممارسة،‮ ‬وهذه الممارسة يجب أن تتم في مؤسسة،‮ ‬وهذا النوع من المؤسسات‮ ‬غير موجود‮. ‬فلا يكفي للمحّرر الأدبي أن يكون ملماً‮ ‬باللغة علي نحو جيد،‮ ‬أو أن يكون علي معرفة بضبط نص ما،‮ ‬بل النقطة الاساسية،‮ ‬هي الذائقة،‮ ‬والقدرة علي تلمّس الجديد الملفت علي صعيد البحث،‮ ‬أو الجميل المدهش في النص الإبداعي،‮ ‬وبعد ذلك هناك مجموعة أمور أخري،‮ ‬مثل‮: ‬لغة النص،‮ ‬موضوعه،‮ ‬قراءه المفترَضين‮.‬
ما رأيك في الإنتاج الأدبي العربي عقب ثورات الربيع التي اندلعت في‮ ‬2011؟
بكل أسف نحن نسير عكس منطق التاريخ البشري،‮ ‬فقد قامت عندنا ثورات ألهبت مشاعرنا وجعلتنا مرة أخري نستعيد الدافع الأكبر للحياة،‮ ‬وهو الأمل،‮ ‬لكن بدل أن يدفعنا ذلك إلي مزيد من الكفاح لتطوير حياتنا جاءت النتائج‮- ‬وإن كنت لا أوافق علي هذا التوصيف‮- ‬لتعيد مجتمعاتنا إلي حالة من الإحباط أشدّ‮ ‬من التي عاشتها لعقود مضت‮. ‬وتلاشت الآمال بالتغيير لصالح حالة من الخوف من المؤامرات،‮ ‬ومن الغرق في ما هو أسوأ من كل ما مررنا به،‮ ‬ووقعنا في أسوأ ما يمكن أن تقع فيه المجتمعات،‮ ‬ألا وهو التعصّب بكل أنواعه‮.‬
الآن نلاحظ أن كل ما يُنتَج،‮ ‬ليس إلا تكراراً‮ ‬لتأكيد حالة البؤس التي نعيشها،‮ ‬ولذلك لا تجد شيئاً‮ ‬له قيمة علي المستوي الفكري،‮ ‬سوي حالات استثنائية،‮ ‬وهي قليلة جداً‮. ‬أما علي المستوي الإبداعي فلا شيء يتوقف لأن الإبداع حالة فردّية ذاتية،‮ ‬يلعب فيها الخيال الدور الأوّل،‮ ‬وإن استند علي وقائع،‮ ‬لذلك نري كماً‮ ‬هائلاً‮ ‬من الأعمال الإبداعية،‮ ‬وإن كان الثمين فيها قليل،‮ ‬إلا أنها تبقي علي بعض الأمل في إنتاج ما يستحق أن يقرأ‮.‬
هل تتابع النشاط الأدبي الحاصل في مصر عقب ثورة يناير؟
أتابع،‮ ‬بقدر ما يسمح لي وقتي،‮ ‬الحركة الأدبية في مصر،‮ ‬وهي لا تشذّ‮ ‬عن العالم العربي سوي في ثلاثة أمور‮: ‬الأول‮: ‬ظهور ما يمكن أن نسمّيه الكتاب الشعبيين واسعي الانتشار علي مستوي مصر وحدها‮.‬
الثاني‮: ‬وجود ثقافة لها انتشار لا بأس به باللغة العامية،‮ ‬أكثر من بلدان أخري‮.‬
الثالث‮: ‬وجود سوق مصرّية خاصة،‮ ‬بسبب عدد السكان،‮ ‬يمكنها أن تحمل بعض الأعمال وتؤمن لها نوعاً‮ ‬من الانتشار والحراك الثقافي الذي يساعد عليه العدد الكبير،‮ ‬غير الموجود في بلاد أخري،‮ ‬من الصحف والمجلات والملاحق الثقافية‮.‬
من واقع خبرتك الطويلة‮.. ‬هل يتقبل كتابنا العرب التعاون مع محرر أدبي؟
مرات كثيرة حصل أن سحب كتاب أعمالهم من الدار التي أشرف عليها بسبب الرأي الذي أبديته حول ضرورة إجراء تعديلات،‮ ‬كما حصل أن شُتمت واتُهمت بأنني مدّعٍ‮ ‬أو متسلّط،‮ ‬أو‮ ‬غير ذلك،‮ ‬وهذا مفهوم ومتوقَع من طرفي‮.‬
لكن في أغلب الحالات تسير الأمور علي نحو جيّد بسبب العلاقة الشخصية والثقة،‮ ‬خاصة وأنه صار معروفاً‮ ‬عني أنني أقوم بدور المحرر الأدبي،‮ ‬وصار معظم الذين يأتون إلي دار التنوير إنما يأتون لهذا السبب‮.‬
هل هناك روايات راهنت عليها لتحصل علي جوائز ولم تفز؟
طبعاً‮. “‬أميركا‮” ‬لربيع جابر ما كنت أري‮ ‬غيرها حينها للجائزة،‮ ‬لكنها لم تفز‮. ‬وأيضاً،‮ ‬كنت أراهن علي‮ “‬عطارد‮” ‬لمحمد ربيع‮. ‬أما في القوائم،‮ ‬فمعظم،‮ ‬وليس كل،‮ ‬ما راهنت عليه دخل‮.‬
هل فكرت في كتابة رواية؟
دائماً‮ ‬أفكر في الكتابة،‮ ‬وليس الرواية فقط،‮ ‬لكنها تبقي مشاريع مؤجّلة‮. ‬ومعظم أصدقائي من الكتّاب يصرون عليّ‮ ‬أن أكتب،‮ ‬وإن كتبت سيسعدني أن أجد مَنْ‮ ‬يقرأ عملي كما أقرأ أعمال‮ ‬غيري،‮ ‬خاصة من قارئي درك ما أرمي إليه في حال كانت الكتابة بحثاً،‮ ‬أو أن يعيش ما أبدعه الكاتب ويسير معه مع إدخال أو حذف ما يجب‮.‬
في الختام،‮ ‬أقول إن المحرر الأدبي ليس كاتباً‮ ‬علي كتابة‮ ‬غيره،‮ ‬وليس سلطة تُمارس علي النصوص بين يديه،‮ ‬وليس عمله إجراء تعديلات علي النص بحسب مزاجه،‮ ‬ويجب أن يكون عمله تقنياً‮ ‬إلي حد بعيد،‮ ‬محايداً‮ ‬إلي أقصي حدد‮. ‬همه تقديم الأجمل‮.‬

((أخبار الأدب))