تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي:

 

في اللَّيْل تهيجُ مواجِعُ الكونِ ويزدهر فيه المحوُ: محوُ الأشكالِ والأصواتِ والخطاباتِ والأمكنةِ، فلا يُرى ما يجب أنْ يُرى ولا تبقى فيه سطوة إلاّ لظُلمةٍ تُقطِّرُ في صمتٍ ذكرى وُحوش الحكاياتِ القديمة وهي تصهل في أخيلةِ الناسِ، وتملأ كياناتِهم بالخوفِ والهواجسِ والمُكابدةِ. ولكنّ لليلِ سحرًا لدى المبدعين، فهو واهبُ عزلتِهم، والعزلةُ في عُرفهم صفاءٌ يُحرِّرُ أفكارَهم من أنظمةِ الرقابة النهارية، ويمنحهم القدرة على قراءة ذواتهم في اتصالها بما حولها. إنه منبعُ تخييلهم، وجسرُهم الخفيُّ للعبورِ إلى فجرِ استعاراتهم.
ولتعرُّفِ علاقة المبدع العربي بالليل اقترحنا على مجموعة من الكتّاب أن يكشفوا لقرّاء «القدس العربي» عن بعضِ ملامح تعاطيهم الإبداعيّ مع الليل، متكّئين في ذلك على تجاربهم الشخصية.

وجدي الأهدل- روائي يمني
الجنيُّ الذي يحضر في الظلام

حين أقرر أن أكتب في الليل، فهذا يعني أني قد بلغت الحضيض الأسفل من اليأس والإحباط، وأنه لم يعد أمامي سوى الاستعانة بصديقي «الجني» الذي يحضر في الليل، كما هو معروف عندنا نحن معشر المجانين، الذين نفغر أفواهنا بانتظار الإلهام. وهذا «الجني» اللطيف يحضر أحياناً، وأحياناً يبدو أنه مُلتهٍ بمشاهدة فيلم هندي، أو بتقمص جسد قط أسود ليتلصص على النساء. وعلى كل حال، أنا لا أطلبه بصورة فظة، ولكنني أتركه على مزاجه، ويكفي أن أفكر فيه لكي يعلم أني بحاجة إليه. وهذا الصديق ليس كما تتصورون، إنه يهبني حفنة من الأفكار الغامضة، أو أشتاتاً من كلمات لا معنى لها، ويغادرني وعلى ثغره ابتسامة خبيثة، ولا مرة واحدة أوحى لي بنص كامل، إنه ملعون تماماً، واستخرج منه ومضات الإبداع بصعوبة بالغة كمتسول ذليل. ولكي لا أنسى الأشياء التي يهذي بها، فإني أُسارع بتدوينها في جذاذات، وغالباً ما أحمل القلم وأجري به على الورق في الظلام، لأنه يتضايق من الضوء، فيأتي الصباح، وأنا أدعو الله أن أتمكن من قراءة خطي.
أمضي النهار في محاولة فك تلك الطلاسم، وكأنني مفسّر أحلام أو عالم حفريات وقعت بيده عظمةُ حيوان انقرض منذ ملايين السنين. يبدو الأمر مخيفاً في البداية، وبالذات إذا كان الإنسان يتكلم مع نفسه بصوت عال. ولكن بالتدريج يتعود الأهل والجيران، وأنت نفسك على سماع الشخصيات وهي تتكلم وتتجادل وتتبادل السباب. «الجني» الذي يحضر في الظلام، لا يعرف معنى ما تكتبه، ولا الغاية منه، وهو لا يبالي بذلك أصلاً، فهو مخلوق من نار، كتلة من لهب، وملايين الأفكار تنبعث منه كشرارات تومض لأجزاء من الثانية ثم تختفي، إنه كائن سحري يَهَبُ سحر الإبداع بخفة، بخفوت، بخفاء، بخوف. إن ومضات الإبداع الخاطفة التي تلقّاها البشر شديدة الندرة، إنها الشجرة المحرمة، عندما أغوى إبليس سيدنا آدم، فإن الإغواء لم يكن سوى أوراق الشجر التي راح آدم يكتب عليها قصة مستوحاة من خياله الخصب، لقد فرّط آدم في الخلود الجسدي، من أجل الفوز بالخلود الأدبي. ولأجل هذا فإن الأديب والفنان في حاجة مستمرة إلى الإغواء، إلى الهمس، إلى الوحي، إلى الغموض الجميل الذي يحيط بهذا النشاط العقلي العجيب. حين نبدع، فإننا نكون أكثر قرباً من الحدث الأكثر أهمية في الكون، ألا وهو الكتابة، وتقرير المصائر، وخلق القدر. في الليل، في الهدوء، في الصمت، يمكن أن نحصل على شذرات لا رابط بينها، وأن نسمع صوتاً ليس كالأصوات، وأن نرى عالماً واضح المعالم لا يراه غيرنا.
في الليل تقريباً، وعلى ضوء النجوم، كتب سيدنا آدم أول قصة للبشر، وفي الصباح انكشف أمره. ولأنه خط القصة في الظلام، فقد تلاصقت الحروف، وتداخلت السطور، فكتب علينا نحن أن نعيش من بعده حياة غير مفهومة.

ممدوح فراج النابي – ناقد وكاتب مصري
أنا والليل ضدّان

لا أزعم أنني صاحب طقوس بالمعنى الحرفي المتدوال بين أوساط الكُتَّاب، أثناء حواراتهم عن طقوس الكتابة واستعدادتهم لها، وكنت أتعجب جدَّا من طقوس بعض الكتاب أثناء عملية الكتابة، خاصة ما كان يفعله أرنست همنغواي؛ حيث كان يكتب واقفًا. وهو ما دفعني للكتابة عن العالم السري للكتاب وطقوسهم الغريبة في الكتابة، والحقيقة أنني رأيت عالمًا مهولاً وغريبًا ومتناقضًا يجمع بين الدقة والصرامة، والنظام والفوضى، الوعي واللامبالاة. ومن الأعاجيب أنه في مرة من المرات سألني أحد الأصدقاء عن المنبّهات التي أتناولها أثناء استجداء مخاض الكتابة. أشرتُ له بأنني لم أفهم السؤال، فأوضح:»يعني، ثم ضحك!» ففهمت، وما أن أجبتُ بلا، حتى نزل قولي عليه غريبًا. أعترف أنني اعتبر نفسي بلا خصوصية في أي شيء، سوى عادة الكتابة وأنا جالس على الأرض، والتي لا أعرف لماذا ارتبطتُ بها. ومن عجائب الصدف أنني اكتشفت أن الشاعر الأمريكي من أصل صربي تشارلز سميك، كانت لديه عادة قريبة من عادتي، حيث كان يكتب وهو في السّرير، وأحيانا على الأرض واضعا وسادة عالية يتكئ عليها. لم أهتم يومًا بأن أسجِّل شيئًا عن عادات القراءة والكتابة، وقد تهربت يومًا من حوار عن مكتبتي وأهم قراءاتي، أنا كائن نهاري بامتياز. أعلم حاجة الكُتّاب إلى هدوء الليل لممارسات نزيف الكتابة، فالليل كما يراه الكُتاب هو الواحة التي يهربون إليها من ضجيج النهار وصخب العمل. غير أنّي لم أكن كائنًا ليليًا أبدًا، بل كنت أُقدِّسُ طقوس الصباح. ودائما ما أبدأ الكتابة في ساعات الصباح الباكر. لا أنكر أنني استغل الليل للقراءة وطرح الأفكار ومن الممكن تسجيلها. لكن لا أستطيع أن أقول إنني كتبتُ أكثر من عدة سطور، تكون صالحة لاستثمارها في ما بعد، لكن ما أن يبدأ النور إشراقاته الأولى حتى أبدأ الكتابة بالفعل وبلا توقف، حتى أشعر بأن وقت دوامي الرسمي بدأ فانصرف على مضض، باستثناء أيام العطل التي لا يصرفني عن الكتابة شيء. مارستُ الكتابة سنوات طويلة على الأرض دون الجلوس إلى مكتب، حتى في حضور الحاسوب، كان لديّ حاسوب شخصي صغير، أستخدمه في الكتابة، وأنا جالس على الأرض. فكرة الانتظام والالتزام بموعد محدد للكتابة لم تحدث إلا مؤخرًا – وإن كنت أخرقها – بعد إكراه العمل. فدومًا كنت مضطرًا للكتابة قبل بدايات ساعات العمل الرسمي. وفي أوقات الاستراحة كنت أنتهزها لمراجعة ما كتبتُ. لكني لا أكمل الموضوع. إلا في حالات نادرة.

أسامة رقيعة – روائي سوداني
الليلُ زمنٌ ناعمٌ

لليل بنات، هواجس وأفكار، ذكريات وهموم، والكاتب بطبعه فدائي يحمل همّ الآخرين ويحلم لأفراد مجتمعه وينضد أمنياته لهم، وحتى حين يرسم الجمال والإبداع فإنه يُحضِرُ فيه الآخرين ويخصُّهم به، ويثير مكامن الجمال لديهم، لذلك ظل الليل ملتقى لكل كاتب مع أحلامه وأفكاره وأمنياته وآلامه أيضا، يناجيها ثم يستدعي الكلمات، كي تحملها لمن أراد. والليل وقت ناعم تسكن فيه الأشياء عن ضجيجها ليبرز ضجيج الأفكار وتنجلي المشاعر ويحضر الإلهام وتتقد الأشواق على مواقد الحنين. حينما كنت يافعا كان والدي -رحمة الله- حريصا على اصطحابنا إلى قريتنا الصغيرة «طيبة الخواض» في ريف مدينة شندي في وسط السودان، وكنت وقتها مندهشا لشدة ضياء القمر في أوقات اكتماله بدرا، فأمضي النهار متعجلا أحارب فيه الملل بتتبع العصافير الصغيرة وكنا نسميها (الزرازير) أو بنصب الشرك لاصطياد طير القماري، وكان النهار عدا ذلك راكدا، بل مليئا بالملل والفراغ، خاصة أن فعل تتبع العصافير واصطياد القماري كان فعلا مكررا ومعادا، ولكنه كان أكثر أفعال نهارنا التي تهيّئ لنا خيالات الليل. حينما استلقي على الفراش في وسط الحوش الكبير لا يحجبني عن البدر المستدير سوى هذا الفضاء الواسع الممتلئ بالنجوم، ثم استمع لجدتي وهي تحدثني وتجذب انتباهي إلى التصاوير التي تبدو لنا على سطح القمر، فأحيانا تصير امرأة تمشط شعر صبيتها، وأحيانا أخرى تبدو مثل كتاب مفتوح فيه سر هذا الكون العظيم، ثم لا يفوت جدتي أن تُظهر مقدرتها على تحديد مواقع النجوم وأشكالها فهذه العقرب، وتلك العصا، والى جوارها الثريا. كان الليل حافلا بالحديث والخيالات والنجوم التي تلمع في صفاءٍ، وكنت حينها أحس بأن الدنيا كلها صافية كسطح هذا القمر، ناعمة وبريئة كصوت جدتي.

هشام ناجح – كاتب مغربي
كأنّي أرى الأشياء لأول مرة

لا أحد يدرك حقيقة الكتابة وانوجادها إلا عندما تتهادى نسمات الغبش، باثّةً فينا تلك الوحشة المبطنة التي تسعفها السكينة، فنتطلع إلى الخلق الأول الذي يخلق من رحم السواد، ويخرج الميت من الحي، والحي من الميت. الكتابة هذه المرأة الجميلة اللعوب تحتاج إلى أن نحمد الليل، ونسري بها إلى جلال الهدوء، بعيدا عن النهار الكاشف الواصف، فهي لا تهب نفسها للضجيج وكثرة الحركة، ولا تؤمن بالكشف الجلي عن مفاتنها إلا في حوزة السيد الأعظم، الذي يدعى الليل، فتعقد قرانها حين توصد الأبواب وتهمد اللعلعة، حتى تطبع قبلة الانغمار على جبينه، موحية ببداية مرجانية تشكل دواعي الفتنة، التي لا حد لها، لهذا كان لزاما عليّ أن أختار الليل للكتابة، وترويض وحشي الذي يبدو هادئا ومنسجما مع قناعاته، ليس بحس عاطفي كشاعر يرنو إلى القمر والنجوم وأرق الحب واللوم الزائف، بل لأحتفل بالحياة من جهة حكايتها، وأبعثر ذاتي في شخوصي الليلية، التي تبدو مرنة مع حدة الميل النفسي، حين تهمد الأضواء ينبثق ضوئي الخاص، وتتوقد شعلتي الداخلية لتنير المحطات، وتذكر بالمواعيد، فالذاكرة البصرية النهارية خؤون بشموسها وسرابها حد العماء، وعقل الكاتب ليس محفوظا في ثلاجة، يحتاج إلى هسيس الليل كمدية تشرخ الفعل الإنساني الشرس لينتج ما هو في حاجة خلاقة إليه. الكاتب الليلي يحس دائما بأنه منذور لشيء عظيم. هذا النذر يأخذ كل مساعي القوى النفسية لتأجيج الحالة القصوى من الانبهار، كأنك ترى الأشياء لأول مرة؛ لقد كان شهريار على حق حين كان يأمر بالسفر في الحكاية من فم شهرزاد محددا وقت الاستجابات، فتزداد الحكاية تشعبا عقب كل فجر، مولدة حكاية الليلة الموالية. ماذا كان سيحدث لو تحدثت كذلك الأخت الصامتة دنيا زاد؟ إن الحكاية تحتاج إلى الليل حتى تدب إلى موطن الأسرار، وتقرع باب الاستبطان، وترجرج نوبات الخلق الأول، حالما شرع الرب يسمي الأشياء، ويتلقفها الإنسان لتتحول إلى لغة محكية تسبر أغوار النفس اللاهثة للشوق وللنذر العظيم، هروبا من جحيم النهار الفاضح المثقل بالغبار والسأم، فالليل هو من يطرد الحكاية إلى محشرها لتلم أشلاءها، وتحدد جنتها ونارها، وتبني أفقها كمنار يوجه البواخر العابرة.

خالد عاشور- كاتب مصري
الليل ملاذ من غولة النهار

الكتابة متعةٌ. ومتعة الكتابة لا تكتمل في أغلب الأحوال عندي إلا ليلاً، ربما يرجع ذلك إلى جدتي لأمي (يامنه) التي ما إن يأتي الليل إلى قريتها في محافظة سوهاج جنوب الصعيد في مصر، حتى تبدأ تسرد حكاياتها عن (الغولة) و(الزناتي خليفة) و(السيرة الهلالية). أحيانا تغنيها، وأحيانا أخرى تسردها مثل راوٍ عليم عاصر كل انتصارات أبطال الحكايات وخيباتهم التي تقولها في سرد شيق تارة، ومرعب تارة أخرى، حتى أذهب في النوم خوفا أو نشوة.
ربط هذا الموروث السمعي وصلته بالليل مُتْعتي بالكتابة ليلاً، حيث الهدوء والصمت. وحين بدأتُ كتابة القصة القصيرة في بداية التسعينيات في بعض الصحف المصرية وحتى انتقالي للعيش في مدينة كبيرة بحجم القاهرة لأستقر فيها تماما، مغادراً مدينتي الأم في جنوب الصعيد لطبيعة عملي في الجامعة، ظلت الكتابة عندي مرتبطة بالليل لما تكون عليه مدينة القاهرة في الليل .
القاهرة في النهار هادرة عنيفة صاخبة متوترة لا تدعو أبدا إلى الكتابة ولا تشجع عليها إلا إذا كانت هناك عزلة مّا، كما كان يمارسها نجيب محفوظ مثلاً في أحد المقاهي منعزلا عن الناس، راصدا أبطال رواياته في دأب وصبر، أما في الليل حين تنام وحوش المدينة ويبدأ سكونها يبدأ همس الكتابة. الليل هو ملاذٌ من صخب النهار وحياة التوتّر التي يقضيها أي كاتب مصري في مدينة مرعبة بضجيجها حدَّ الخوف، والبحث عن العمل ولقمة العيش، ليبقي الليل بفتنته مناديا كالنداهة التي تكلم عنها يوسف إدريس في قصة تحمل الاسم ذاته، يلوذ به ليكتب. الصمت والسكون والهدوء أمور تستدعي الوحي، والوحي لا يأتي إلا إذا غاب الضجيج بأرقه وصخبه. حتى عناوين قصصي لم تخلُ من التأثر بالليل وسكونه وهمسه، فمجموعتي القصصية الأولى تحمل اسم «همس» لما له من دلالة على حب الكتابة ليلا، بعد التخلص من أعباء الوظيفة وتوترها والتزاماتها الروتينية التي يُخفيها الليل، فتتحول معه إلى كتابة لا أشعر بلذتها إلا في هدوئه وصمته.