باريس – أنطوان جوكي

في تاريخ فن الفوتوغرافيا، ثمة عدة وجوه أسطورية، الفرنسي جاك أندريه بوافار (1902 ـ 1961) واحدٌ منها. عضو مؤسس لمجلة “الثورة السوريالية”، ثم مساهم رئيسي في مجلة جورج باتاي، “وثائق”، ترك خلفه صوراً تُعتبر من أجمل ما أنتجته السوريالية في الفوتوغرافيا. أكثر من ذلك، من بين جميع المصوّرين الذين شاركوا، خلال فترة من مسارهم الفني، في المغامرة السوريالية؛ فإن بوافار هو أكثر من اقترب من قلبها المشعّ، إلى جانب ارتباطه الحميم بوجوه حركة أندريه بروتون وانغماسه في نشاطها الجماعي أكثر من رفاقه الذين مارسوا مثله التصوير الفوتوغرافي، كبراساي وهانز بلمر وراوول أوباك وكلود كاهين وهنري كارتيي بريسون وحتى مان راي. ما دفع بروتون إلى القول عنه، وعنه فقط، إنه “مارس سوريالية مطلقة”.

مع كل ذلك، بالكاد نعرف عن بوافار شيئاً اليوم، وما يزال جزء كبير من إنتاجه مجهولاً، كالبورتريهات التي أنجزها وتركيباته الصورية واختباراته التجريدية. وهذا بالتأكيد ما دفع “مركز جورج بومبيدو” في باريس، أخيراً، الذي يملك أكبر مجموعة من صوره، إلى تنظيم أول معرض استعادي له، يطمح إلى منحه الموقع الذي يستحقه في تاريخ الفن الفوتوغرافي والسوريالية معاً

 

أهمية بوافار تكمن أولاً في كون أعماله رافقت جميع منشورات القطبين الأكثر ابتعاداً على سلّم الحساسية السوريالية، أي بروتون وباتاي. فمن الصور غير الشخصية بشكل راديكالي التي التقطها في باريس للأول، إلى الكليشيهات التعبيرية بشكلٍ مفرط التي أنجزها لمجلة الثاني، تمكّن بوافار من منح السوريالية أعمالاً تُعتبر أيقونات في جماليتها. وفي هذا السياق، من الصعب اليوم تخيّل “نادجا”، الرواية الأهم والأكثر شهرة لبروتون وحركته، من دون صور بوافار المدرجة داخلها منذ طبعتها الأولى. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مجلة باتاي التي يستحضر ذكرها إلى أذهاننا فوراً صور “الأصبع الكبيرة” و”الفم المفتوح” وغيرها التي نشرها الفنان فيها.

بالتالي، يدين بروتون وباتاي لبوافار بجزء كبير من الخيال البصري الذي انتشر انطلاقاً من نصوصهما. ومن خلال صوره، لم يشارك الفنان في نشاط الحركة السوريالية فحسب، بل ساهم أيضاً بشكل كبير في بلورة هويتها الصورية. فبخلاف مان راي الذي ابتكر “الصورة الموجِبة” (photogramme)، وكارتيي بريسون الذي يُعتبر مصوّر “اللحظة الحاسمة”، يتميّز عمل بوافار بتبايُن شكلي كبير. إذ حين نقارن صور “نادجا” التي أنجزها باسلوب وثائقي محايد، والصور الأكثر عدائية التي نشرها في “وثائق”، واختباراته المجرّدة خلال الثلاثينيات، لا يمكننا إلا أن نشكّ في كونها من نتاج مصوّر واحد. لكن رغم تنوّعها الشكلي، ثمة قاسم مشترك فيها: جميعها يتّسم بطابع وظيفي. في “نادجا”، تسمح صور بوافار لبروتون بالاقتصاد داخل نصّه في وصف الأماكن الباريسية. وفي مجلة “وثائق”، تجسّد صوره بشكلٍ فجّ “المادّية السفلى”، أي تلك المادة التي تبقى خارج الطموحات المثالية في فكر باتاي. وعلى أغلفة سلسلة كتب “روائع روايات المغامرة”، تضطلع صوره بوظيفة جذب نظر القارئ المحتمل من خلال منحه نكهة مسبقة للتشويق الذي ينتظره داخل الرواية. وحين غادر بوافار الحركة السوريالية وأسّس إستوديو تصوير مع صديقه، الفنان السوريالي الروماني إيلي لوتار، مارس الصورة بجانبها الأكثر تطبيقية، أي البورتريه أو الصورة الإعلانية. وحتى صوره الأكثر إبداعاً تتمتع بوظيفية محرّضة. وفي هذا السياق، يمكننا أن نرى في صور العري التي التقطها لحبيبته رونيه جاكوبي دراسات للمنظور والضوء تسائل تشوّهات الجسد بواسطة زوايا النظر والإضاءات المعتمَدة، بينما تسائل سلسلة الصور التجريدية طغيان الواقعية في الفن الفوتوغرافي

 

– See more at: https://www.alaraby.co.uk/cultu5