عبد الإله الصالحي :

بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على وفاة مؤسس الحركة السوريالية أندريه بروتون (1896 – 1966) صار بإمكان جمهور القرّاء والمهتمّين الاطلاع على مراسلاته الشخصية التي كان أوصى مؤسسة “جاك دوسي”، المالك القانوني لمجموع مراسلاته، بنشرها بعد مرور خمسة عقود كاملة على وفاته. والدفعة الأولى من هذه المراسلات هي الرسائل التي كان بعثها بروتون إلى زوجته الأولى سيمون خان التي التقاها صيف 1920 وتزوّجها في العام التالي قبل أن ينفصل عنها عام 1929. صدرت هذه الرسائل عن دار “غاليمار” مؤخراً في كتاب من تحرير وتقديم الشاعر جان ميشال غوتيه، وهو أيضاً باحث متخصّص في الشعر السوريالي، وسبق له أن أصدر عدّة مؤلّفات عن الشعراء السورياليين. تكمن أهمّية هذه الرسائل في كونها تعطي فكرة عن بروتون وهو في أوج شبابه. وفي هذه الرسائل التي يخصّص جزءاً وافراً منها للحديث عن شخصه، يخاطب بروتون سيمون ليس فقط كشريكة حياته العاطفية بل كمُحاور ثقافي ويحدّثها بإسهاب عن انشغالاته الشعرية وانطباعاته عن الشاعر غيوم أبولينير والكاتب مارسيل بروست والحركة الدادائية. – See more at: https://www.alaraby.co.uk/culture/2017/1/22/رسائل-بروتون-إلى-سيمون-حب-ومشاغل-شعرية#sthash.Ly0geGzr.dpuf
وفي الرسائل التي كان بروتون يبعثها إلى سيمون في مرحلة ما قبل الزواج، عندما كانت مقيمة عند أهلها، وأيضاً في الفترات التي كانت تقيم فيها عند أهلها بعد الزواج، كان الشاعر يكتب كما لو أن الأمر يتعلّق بتسجيلٍ حيّ ليومياته. يتحدّث تارةً عن مشاكله المالية وعن بعض المشاغل المنزلية المزعجة. لكنه أيضاً، وهذا هو الأهم، يتحدّث عن لقاءاته بشعراء مرحلة العشرينيات الذهبية مثل بول إيلوار ولويس أراغون وفيليب سوبو وروبير ديسنوس وأنتونان أرتو والفنانين تريستان تزارا وفرانسيس بيكابيا ومارسيل ديشون وماكس إرنست. أيضاً يتحدّث بروتون لزوجته عن مجلة “الثورة السوريالية” ونشره لـ”البيان السوريالي” الذي نشره في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1924 رفقة أصدقائه في الحركة السوريالية بعد قطيعته مع الدادائيين. يتحدّث بروتون إلى سيمون بقلب مفتوح وقلّما تخلو رسائله من فكرة ما أو تفصيل مهمّ ينوّر القارئ المهتمّ بسيرته وبتاريخ الحركة السوريالية. يقول عن ديشون مثلاً بأنه “شخص جذّاب وفنان متفوّق كالعادة” وعن أرتو: “إنه مبدع نشيط ويقترح أفكاره بلباقة وذكاء من أجل تطوير الفكرة السوريالية”. لكنه في مواضع أخرى يترك العنان للسخرية والتهكّم منتقداً غياب روح الضيافة عند بول إيلوار وزوجته خلال إحدى زياراته لبيت الشاعر رفقة ماكس إرنست. وفي بعض الرسائل يعبّر بروتون بشكل خاصّ عن ضيقه الذي يبلغ أحياناً درجة القرف من جاك دوسي، الخياط الفرنسي الشهير والثريّ الذي كان بروتون يشتغل لحسابه كمستشار ويساعده بخاصّة على اقتناء الأعمال الفنية وتنظيم اللقاءات الثقافية. ويتذمّر “عرّاب السوريالية” من عدم قدرته على إقناع دوسي باقتناء المخطوط الأصلي للكتاب الإباحي الشهير “120 يوماً في سدوم” للكاتب ماركيز دو ساد.

 

– See more at: https://www.alaraby.co.uk/cult