حين قابل جيمس جويس (1882-1941)، الذي صادفت ذكرى رحيله يوم 13 كانون الثاني/ يناير، نورا بارنيكل (1884-1951)، كانت تعمل خادمة تنظيف الغرف في أحد الفنادق الصغيرة، وصفها بأنها “روح بسيطة شريفة عاجزة عن الكذب”. كان المحيطون بنورا ينادونها “قاتلة الرجال” لأنها كلّما أحبّت رجلاً مات، وقد استوحى جويس إحدى قصص “أهالي دبلن” من هذه الحكاية.

منذ أن التقيا وحتى اليوم الذي فارق فيه جويس الحياة، جمع الإثنين علاقةٌ استثنائية غير مشروطة ولا تحتكم إلى المعايير الاجتماعية التقليدية في ذلك الوقت، أنجبا جورجيو ولوتشيا من دون زواج، ولم يتزوّجا إلا بعد 27 عاماً من العلاقة بينهما، رغم ما مرّت به من تعقيدات، ومن بينها مرض لوتشيا بالشيزوفرينيا، والتي أصبحت إحدى مريضات يونغ بعد أن رفض جويس إدخالها المصحّة العقلية.

كان المحرّك الذي أبقى على حبّ جويس ونورا دائراً، هو الثقة والصدق الذي لا محاكمات بعده، والصراحة التي لا جراح تتبعها، كان يمكن لجويس أن يكون نفسه أمامها وأن يكشف ذاته وأخطاءه وعيوبه بلا قيد أو تخوّف.

لسنوات ظلّت الرسائل تروح وتأتي بين الاثنين، وقد جمعت مختارات منها، من بينها رسائل إيروتيكية وُصفت في بعض المراجعات بأنها dirty، إضافة إلى رسائل جويس الأدبية لأصدقائه وكتّابه المفضلين، وصدرت في ثلاثة مجلدات من تحرير الناقد الإيرلندي ريتشارد إلمان كاتب سيرة جويس.

في العام 1909 كتب جويس لنورا:
“أنت يا فتاتي الغريبة الصغيرة الغالية، وما زلت تكتبين إلي لتسألينني إن كنت سئمت منك! لن أسأم منك أبداً، أيتها الأغلى… لا أستطيع أن أكتب دائماً هذه الأيام فأنا منهمك بالعمل من الصباح إلى الليل. بعد هذا أتمنى أن تجمعنا العديد العديد العديد من سنوات السعادة الطويلة معاً. لا تجزعي حبيبتي، لأنك إن فعلت تقضين على كل إمكانية لأن أفعل أي شيء. غاليتي نورا، لا تكتبِ إلي ثانية مشكّكة فيّ. أنت حبي الوحيد. تملكينني تماماً تحت إمرتك. أعرف وأشعر أنني إن كنت سأكتب يوماً شيئاً رفيعاً ومرهفاً، فسأفعل ذلك فقط بأن أرهف السمع على أبواب قلبك”.

كان جويس في هذه الأيام يعمل بكدٍّ لينهي مجموعة “أهالي دبلن”، لكنه سينقطع متشكّكاً فجأة ليكتب رسالة جديدة يبدو فيها ضعيفاً ومنتحباً وخائفاً:
“أنا رجل غيور ووحيد وطمّاع ومغرور. لماذا لستِ أكثر صبراً معي وأكثر حناناً؟ في الليلة التي ذهبنا فيها لحضور “مدام باترفلاي” معاً عاملتني بفظاظة. وأنا ببساطة أردت أن أشعر بروحك تتمايل بشوق وتراخٍ مثل روحي، عندما تغنّي رومانسية أملها “يوماً ما، سنرى برجاً من الدخان يعلو في آخر البحر، ثم تظهر سفينة” لقد خاب ظنّي فيك. ثم في تلك الليلة، حين عدت إلى البيت وأتيت من المقهى إلى سريرك، وبدأت أخبرك بكلّ ما كنت آمل أن أفعله، وأكتبه، في المستقبل وبكلّ تلك الطموحات التي هي حقّاً القوى التي تقودني في حياتي. أنت لم تصغ إلي. أعرف أن الوقت كان متأخّراً جداً وطبعاً أنت منهكة بعد يوم طويل. لكن رجلاً عقله مشتعل بالأمل والثقة بنفسه لا بد أن يخبر أحداً بما يشعر. ولمن يمكن أن أحكي سواك؟”

بعد خيبة الأمل هذه بنورا، يعود جويس ليكتب رسالة درامية أخرى:
“أحبك بعمق وصدق، نورا. أشعر بأن لي قيمة بسببك، رغم هذه الأمور التي تؤلّبني ضدّك، لا أفكر فيك إلا وأنت في أحسن حالاتك.. أحبّك، لا أستطيع الحياة من دونك. أريد أن أعطيك كل ما هو لي. أي معرفة أمتلكها (مهما كانت قليلة)، أي عاطفة أشعر بها أو شعرت بها من قبل، أي إعجاب أو نفور، أي آمال لدي أو ندم. أريد أن أمضي في الحياة جنباً إلى جنب معك، أخبرك أكثر وأكثر إلى أن نكبر لنصبح كياناً واحداً، إلى أن تأتي ساعة موتنا معاً. حتى الآن تسرع الدموع إلى عيني والغصّات تقف في حلقي”.

لكن جويس رجل كثير الظنون، فعند إحدى سفراته إلى دبلن، يداخله الشك أن نورا تخونه، فيرسل لها رسائل تراجيدية يتحدث عن خيانتها المفترضة، ويلوم نفسه لأنه غير جدير ولا مستحقّ لحبها ولولا ذلك لم تخنه، واصفاً نفسه بأنه وصل إلى “اليأس المطلق”. وحين تبيّن جويس أنه كان واهماً ظلّ يرسل رسائل الاعتذار وطلب الغفران، مبرراً ذلك بشعوره المستمر بأنه مهدّد وبأنها ستتركه في أي لحظة لأنه غير جدير بها.

ويردّ على رسالة منها فيقول:
“تكتبين كملكة، سأظلّ ما حييت أذكر ذلك الترفّع الهادئ في الرسالة، الحزن فيها والاحتقار، والإذلال المطلق الذي سبّبته لي. لقد خسرت احترامك. لقد استنزفت حبك. اتركيني إذن. خذي أولادك مني لتحميهم من لعنة وجودي. دعيني أغرق مرة أخرى في المستنقع الذي أتيت منه. انسيني وانسي كلماتي الفارغة. اذهبي إلى حياتك واتركيني وحدي في حطامي. من الخطأ أن تعيشي مع وحش حقير مثلي أو أن تسمحي لطفليك أن يُلمسا بيدي…”.

بعد هذه المرحلة يبدأ جويس في الكتابة إليها بصيغة الغائب، وكأنها آلهة لا يمكنه مخاطبتها بلا تكلّف:
“كنتُ في غرفة حيث كانت تمرّ، بحلم غريب عن الحب في قلبها. إلهي، عيناي ممتلئتان بالدموع! لماذا أبكي؟ أبكي لأنني حزين بمجرّد التفكير فيها تتحرّك في الغرفة، تأكل القليل، تلبس ببساطة، تتصرّف ببساطة وحذر، تحمل دائماً داخلها، وفي قلبها السرّي شعلة صغيرة تحرق أرواح وأجساد الرجال… روحها! اسمها! عيناها! تبدوان لي أزهاراً برية زرقاء غريبة وجميلة تنمو متشابكة، غارقة في المطر”.

 

– : https://www.alaraby.co.uke