صفحاتٌ مشتركةٌ ما بين الفيسبوك وموقع الإمبراطور

 

Mahmoud Munkez Alhashemi

1
لقد أنشأ فروم مفهوم “الطبع الاجتماعي” ، وهو مفهوم تتقاطع فيه الحدود الأكاديمية لعلم النفس ، وعلم الاجتماع ، والأنثروبولوجيا والاقتصاد . وإذا كانت الفلسفة التأملية قد تحدثت عن السمات العامة لأمة أو جماعة ، فإن فروم قد جعل هذا المفهوم يدخل في نطاق العلم . ونحن نرى بعض الكتاب التأمليين قد تحدثوا عن تلك السمات ، ولاسيما في مفهوم هيغل ل “الغايست” ، ونجد هذا المفهوم عند ألكسي دو توكفيل في كتابه “الديمقراطية في أمريكا” ، وعند ماركس في دراسته “انقلاب الثامن عشر من برونير” حيث وصف فيها سمات الفلاحين وأعضاء الكوميونات . أما فروم فإنه لم يقتصر على توصيف الطبع الاجتماعي ، بل قدم نظرية كاملة في مسألة كيف يتشكل هذا الطبع ، وما هي وظيفته في المجتمع . وأنشأ كذلك منهجا لدراسة الطبع الاجتماعي من خلال الاستبيان التأويلي . ونحن في علم النفس إذ نقوم بدراسة هذا الطبع والتوسع في هذه النظرية وتلك المنهجية ، فإننا نقف على كتفي فروم كما وقف في بداياته على كتفي فرويد .
“مايكل ماكوبي”
2

اﻹنسان أقسى الحيوانات .

“فريدريش نيتشه”
3
ما الفارق ، في اعتقادكم ، بين من هم في كهف أفلاطون لا يستطيعون أن يروا إلا ظلال مختلف الأشياء وصورها ، شريطة أن يكونوا راضين ولا يعرفون ما يغيب عنهم ، والفيلسوف الذي خرج من الكهف ورأى الأشياء الحقيقية ؟
“دسيديريوس إراسموس”
4
قبل نحو ربع قرن دعيت إلى الكويت بصفتي النقدية للمشاركة في ملتقى الكتابات القصصية في دول مجلس التعاون الخليجي . وكانت الكويت قد اختارت كاتبا واحدا من بلد من عدد من البلدان العربية ؛ فدعت من السودان الطيب صالح ، ومن العراق جبرا إبراهيم جبرا ، ومن لبنان الدكتور محمد يوسف نجم الناقد ورئيس دائرة اللغة العربية في الجامعة اﻷمريكية في بيروت ، وهكذا . وعلى الرغم من أنني لم أكن أعرف الفقيد اﻷستاذ جبرا معرفة شخصية من قبل ، فقد شعرت وأنا أصافحه وأنظر إليه كأنني كنت على معرفة حميمة به منذ سنوات . وكان يجمعنا في الندوات اﻹحجام عن أي شكل من أشكال النفاق . فكان على لطفه الجم ، وكياسته وظرفه ، ﻻ يحابي أحدا من كتاب الخليج ، ويقول ما يعتقد به بكل وضوح .
وكانت المحاورات بيننا تدور حول مسائل مختلفة في اﻷدب والنقد والترجمة . ولكنني عندما كان يتحدث عن النقد التشكيلي أتحول إلى مجرد مستمع . وأذكر أنه قال لي : “عندما أكتب النقد التشكيلي ، فإنني لخوفي من أن أتأثر بلغة النقد التشكيلي العربي اﻹنشائي والفضفاض والمشوش والمفتقر إلى دقة المصطلحات ، فإنني أكتبه باﻹنجليزية أولا ، ﻷظل في المستوى الفني للدراسات اﻷوربية ، ثم أترجم ما كتبته إلى اللغة العربية .”
وإذا صادف أن سبقته إلى المطعم ، فإنه منذ وصوله إليه يبحث عني بعينيه ليجلس إلى جانبي ، ونخوض بعد تناول الطعام في الحديث حول موضوع من الموضوعات . وﻻ أزال أذكر في إحدى المرات كم سرته معارضتي للدكتور محمد صبري ، أستاذ اﻷدب العربي الحديث في جانعة لندن ، في ترجمته مصطلح allegory بمصطلح ” اﻷمثولة” ، إذ قلت له إن اﻷمثولة يقابلها في اﻹنجليزية parable ، وهذه الترجمة تحدث خلطا دلاليا بين المصطلحين . وأيدني في الحوار بحرارة .
وفي أحد أيام الملتقى انتقل الحوار بيننا إلى الشأن السياسي ، وكان بيننا خلاف حاد . كنا وحدنا ، وكل منا يثق باﻵخر ، فليس هناك ما يدعو إلى التستر على آرائنا .
كان الخلاف بيننا هو أنني أرى أن كلا النظامين السوري والعراقي نظام دكتاتوري ، على حين أنه يقصر الدكتاتورية على نظام حافظ اﻷسد ويرى نظام صدام حسين نظاماً مثالياً . وكان ذلك في الفترة التي سبقت اجتياح العراق للكويت ، ووصلت شعبية صدام في الخليج إلى عنان السماء . وكان التلفزيون الكويتي يقطع إرساله بين الحين والحين ليقدم قولا من أقوال “المهيب الركن صدام حسين” .
سألني : “ماذا يكتب على جواز سفرك في حقل الدول المسموح لك بالسفر إليها ؟”
قلت : “كل دول العالم ماعدا العراق .”
قال : “أهذا نظام وطني يدعي العروبة ؟”
قلت : “ومالذي يكتب على جواز السفر العراقي ؟”
قال : “كل دول العالم ماعدا الدول غير المسموح بها ” . فيأتي المواطن إلى كوة في دائرة الهجرة والجوازات ويهمس سائلاً : ما هي الدول غير المسموح بها ؟ ويحيبه الموظف هامسا أيضاً : سوريا .
قلت : “النتيحة واحدة .”
قال : “ﻻ ، الطريقة العراقية أفضل ،”
قلت : ” ألم يشن الحرب على إيران تنفيذاً ﻹرادة أمريكية ؟”
قال : “إننا جميعاً نعلم أن حافظ اﻷسد هو طفل أمريكا المدلل .”
شعرت حينئذ بما يشعر به المرء اﻵن في سوريا من هيمنة مغالطة اﻹثبات والنفي حتى عند أذكى الناس بعيداً عن السياسة . إذا انتقدت النظام فأنت مؤيد للظﻻميين ، وإذا انتقدت الظلاميين فأنت موال للنظام . أو ، إذا أردت أن تدافع عن الظﻻميين هاجم النظام ، والعكس بالعكس .
قلت له : “إنني متفق معك على أن النظام السوري نظام دكتاتوري ، فلا تجادلني في ذلك . ما أختلف فيه معك هو الموقف من النظام العراقي . وليست المشكلة فيما كتب على الجواز في هذا البلد أو ذاك ، ولكن المشكلة هي أن كﻻ النظامين ﻻ يحاسب فيه المسؤولون ، وتعلو سلطة اﻷمن على سلطة القانون ، وتتم فيه تصفية المخالفين في الرأي وتعذيبهم وقتلهم . إن موقفنا يجب أن يكون متسقا ، فلا يجوز أن ندين الدكتاتورية في بلد ونرضى بها في بلد آخر . إنني ﻻ أطالبك بموقف رسمي ﻻ قبل لك بتحمل عواقبه . كل ما أريده هو أن يكون هناك موقف مشترك بين المثقفين على رفض الدكتاتورية أينما وجدت .”
واستطعت أن أقنعه بعد حوار طويل بأن الشعب في كلا البلدين غير راض في أعماقه عن حكامه ، وأنه ﻻ يكن أي شعب من الشعبين العداوة التي اختلقها حكامه ، وأن الشعب ﻻ يحتاج إلى أوصياء عليه . وأخيراً قال لي : “ليت الشعب يحكم نفسه بنفسه .” ثم تنهد وقال :
“آه ، كم أشتهي بعد هذا الحديث أن أحتسي كأسا من النبيذ . أما الشمبانيا الخالية من الكحول التي يقدمونها إلينا بكل طقوس تقديم الشمبانيا فلا تسر الخاطر . فالشكل شمبانيا والمفعول تفاحي .”
5
لن نعيش أصحاء ، أو راضين أو متحققين فعلا إذا كنا نعيش منفصلين ومغتربين عن البيئة التي تطورنا منها .
“ستيفن ر. كيلرت”
أساتذ علم البيئة الاجتماعي ، والقول من كتاب “فرضية البيوفيليا”