ممدوح عزام

اعتاد أحد المشتغلين في الشأن السياسي أن يُفحم محاوريه من المهتمين الآخرين في النقاشات حول الثورة ومآلاتها بسؤال مباغت هو: هل قرأت غرامشي؟ والسؤال محرج في الغالب، فالمفكر الإيطالي الذي سجنه موسوليني أكثر من عشر سنوات غائب تقريباً عن الثقافة السياسية السورية. ولا يُعرف عنه أكثر من بضع ملاحظات، من بينها العبارة التي أشبعت بها ثقافتنا العامة وهي “المثقف العضوي”. وهناك من يقول إن الترجمة العربية التي سادت خلال العقود الماضية هشة ومحرّفة وغير دقيقة. وكتب غرامشي غير متوفرة في المكتبة العربية، وبهذا المعنى فهو ليس كاتباً شعبياً، وأرجح أنه يتحوّل بين أيدي المسيسين إلى أيقونة شعبوية تستخدم ككليشيه ليس أكثر. والمفارق أن يكون غالي شكري قد وضع غرامشي في الدرجة الثانية من حيث التأثير في الثقافة العربية، بعد سارتر، في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. فقد ترجمت معظم أعمال سارتر إلى اللغة العربية، بعد أن تبنت دار الآداب في بيروت الفكر الوجودي السارتري، بينما لم يترجم إلى العربية سوى بضعة كتب لغرامشي، ومن بينها كتابه: “الأمير الحديث”.

وكان تأثيره كبيراً حينئذ بين المثقفين الذين لم ينتموا إلى الأحزاب الشيوعية، فقد كان الرجل على خلاف مع ستالين، ولذلك فقد أبعد من قبل القيادات التي ارتبطت بالحزب الشيوعي السوفييتي، عن أنشطة” التثقيف” الحزبي التي كانت تنفّذ داخليا في تلك التنظيمات. لكن دون أن تتمكن من حجب تأثيره في الثقافة العامة. وأكثر ما يتراشق به المثقفون العرب هو مفهوم المثقف العضوي، وقد استخدم لنبذ الخصم، أو تلويث مكانته. ووضع بشكل اعتباطي بين المتحاورين، في مقابل مثقف البرج العاجي. وفي حين لا تزال تسود فكرة أن المثقف العضوي هو المثقف المرتبط بالطبقات الكادحة وحدها؛ فإن لكل فئة اجتماعية مثقفها العضوي، الذي “يعطي طبقته انسجاماً وإدراكاً لوظيفتها” بتعبير جون كاميت كاتب سيرة غرامشي. لم تكن الغاية من السؤال، أو من الأسئلة المماثلة، تقديم مشورة للمساعدة في قراءة مرجع يمكن أن يفيد في إضاءة الطريق، بل كشف جهل المحاوِر. أو هو نوع من المضاربة الأيديولوجية التي تسعى إلى إسكات الخصم، وبعد أن يتم تقريعه، وتأنيبه، على تقصيره البيّن في القراءة. والمشكلة التي يواجهها المثقف، ليست هي البحث عن الحقيقة، كما قد يوحي السؤال، بل هي تقديس المقولات، والنفور من القراءة كمعرفة محلية للواقع مبنية على إرث ثقافي إنساني شامل. ولهذا فقد ظلّ غرامشي موجوداً بصفة سياحية لدى الجيل التالي في العقود الماضية. وأهم ما يمكن تعلّمه من هذا المثقف هو السيرة الشخصية، ومن اللافت أنه قد يكون من المثقفين النادرين الذين لا تجد في سيرة حياتهم ما يمكن أن يجعل خصومه ينفذون منها إلى سمعته كمفكر يتسم بالنزاهة. وكما هي الحال غالباً في ثقافتنا، فإن حظ غرامشي لم يكن أفضل من حظوظ غيره، إذ بقي كما قال الطاهر لبيب: “يحال إليه دون الرجوع إليه فعلا”.

 

– ://www.alaraby.co.uk/culture/