• الإرادة البشرية المحدودة كانت دائما دافعا للبحث عن أدوات أخرى بديلة وأقوى بما فيها الكائنات ذات القدرات الخارقة، ومع أنها استثنائية في كل شيء إلا أنها تتشابه مع أفعال البشر إلى حد كبير، وهذه الثيمة عالجتها السينما العالمية في أكثر من فيلم بتنويعات مختلفة، إلاّ أن فيلم “العملاق” للمخرج ناشو فيغالوندو قدم طرحا طريفا ومخالفا لكل التوقعات.

العرب طاهر علوان 

انطلق الخيال السينمائي الجامح منذ زمن طويل في رسم أدوار الكائنات العملاقة منذ فيلم “كينغ كونغ” (إنتاج 1933) وليس انتهاء بالـ”جوراسك بارك” بأجزائه المتعددة، وما بينهما يمكن أن نتذكّر العشرات من الأفلام التي شخصيتها المحورية وحوش عملاقة تتدخل في حياة البشر وتخوض صراعا عنيفا معهم، وتبدو ناطحات السحاب العملاقة مجرّد أجسام كارتونية في قبضة الوحش، ناهيك عن البشر الذين يتم التقاطهم تباعا من قبل الوحش ذاته.

واقعيا جلب هذا النوع الفيلمي جمهوره الخاص الذي ظلّ يتابع فيلم “كينغ كونغ” مثلا على مدى عقود وفي كل مدّة تظهر نسخة جديدة منه تحت الثيمة نفسها، والمتعلقة بالوحش والمفترس والمسيطر على المدينة.

وفي فيلم “العملاق” للمخرج الإسباني الأصل ناشو فيغالوندو (إنتاج 2017)، نجد مزيجا ممتعا للغاية ما بين الكوميديا والخيال العلمي من خلال التنويع في شخصية البطل الخارق أو الوحش الذي ينتمي إلى تلك السلسلة من الأفلام التي اعتاد عليها جمهور السينما. لكن المعالجة السينمائية ومساحة الخيال العلمي القابل للتصديق تبدوان مختلفتين، بل وفيهما براعة ملحوظة في صنع فيلم خيال علمي فانتازي بمسحة كوميدية متميزة.

نجمة هذا الفيلم هي الممثلة آن هاثاواي (بدور غلوريا)، وهي الممثلة الشهيرة التي ظهرت في العشرات من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، لتدعم حضورها اللافت من خلال هذا الفيلم مرتقية بأدائها إلى مستوى ملفت للنظر.

غلوريا التي تعيش على سجيّتها وتعبّر عن نفسها بعفوية لن تعجب حبيبها تيم (الممثل دان ستيفنس) الذي يتخلّى عنها، فتضطر للعودة إلى بيت الأسرة المهجور وتنام على الأرض، ثم لتلتقي صديق طفولتها أوسكار (الممثل ياسون سيديكيس) الذي ستعمل معه فيما بعد في إدارة الحانة التي يملكها.

خلال ذلك وعلى بُعد مئات الأميال، تحديدا في سيول عاصمة كوريا الجنوبية، كان هنالك وحش عملاق قد ظهر وألحق دمارا هائلا مثيرا للهلع والرعب حتى صار مادة إخبارية يومية في أنحاء العالم، لكن ظهوره يتسبب في صدمة لدى غلوريا، ثم لتكتشف -وهي بشخصيتها الكوميدية الثملة غالبا- أن عندها قدرة التخاطر عن بعد مع الوحش لتُري صديقها أوسكار تلك القدرة الكامنة عندها، ليشاركها أوسكار نفسه تلك القدرة ويصبح خصما لها، فهما إذا ما اشتبكا في ساحة كرة القدم القريبة، فإنهما سيظهران مباشرة في شكل عملاقين يتعاركان في وسط العاصمة سيول.

وفق هذه المسارات تتصاعد الدراما الفيلمية ويصبح موضوع ذلك الوحش شغلا شاغلا في أنحاء العالم، فيما تعيش غلوريا فصولا عبثية يضيف إليها أبعادا درامية صراع حبيبها القديم تيم مع أوسكار، وكلّ يريد الفوز بقلبها.

الخيال العلمي المشبع بالكوميديا هو نوع فريد في أفلام تستند إلى وقائع وتنبؤات المستقبل وتتميز بالصرامة وعدم وجود متّسع للطرافة والضحك، أما هنا فالقصة مختلفة، الشخصيات التي تم بناؤها دراميا على أنها طرف في تلك السخرية تغوص في الأحداث التي يختلط فيها الحب بالكوميديا، بالقفشات المضحكة، وكل ذلك يجري تأطيره إما في أماكن حقيقية (حانة أوسكار غالبا)، وإما في غرفة غلوريا التي أثثها لها أوسكار وهي التي كانت تفضل سريرا تقوم بنفخه بالهواء وتنام عليه.

وبعد تلك النزالات اليومية التي صار الجمهور الكوري والعالمي معتادا عليها في وقت ثابت كل مساء، تيقّن الكوريون أن هنالك وحشا يشفق عليهم والمتمثل في غلوريا، ووحشا آخر شرسا هو ضدهم ويريد إرعابهم وتدميرهم يمثله أوسكار، وعندما لا تصل غلوريا إلى نتيجة تضطر للسفر إلى كوريا، ومن هناك تجهز على أوسكار وتخلّص الكوريين من شره لتقام الاحتفالات، فيما غلوريا تسير وسط الحشود دون أن يعلموا عنها شيئا.

تتعدد الخطوط السردية في هذا الفيلم ويقدم المخرج ناشو فيغالاندو تنويعا ممتعا وجديرا بالمتابعة ابتداء من عودة غلوريا إلى مدينتها ثم صلتها اليومية بالوحش، وصولا إلى تعاطفها مع الكوريين، ومن جانب آخر هناك خط سردي يتعلق بقصة عاطفية كانت تنمو تباعا وتتعلق بغلوريا ذاتها، فيما هي لا تكاد تتذكر ما تقوله في الليل، ليأتي النهار فيمحوه، حيث أنها غالبا ما تكون في طور ثمالة أو لا مبالية بما تقول وكيف يفهمه الآخر.

على صعيد التمثيل برزت عبقرية الممثلة آن هاثاواي، التي أثبتت قدرة فائقة على تلوين وتنويع أدائها والدخول في ثيمات وأجواء متعددة والتكيّف مع كل منها، وترك مسحة جمال وعذوبة مع كل موقف درامي وكل مشهد تؤدّيه.

والفانتازيا التي صنعها المخرج الشاب ناشو فيغالوندو، وهو فيلمه الثالث، تقدّم لنا نوعا مختلفا عمّا اعتدناه في بناء الأحداث والشخصيات. وعلى الرغم من فرضيات المستقبل والخيال العلمي، إلا أنه نجح في زج ثيمة بسيطة تمت تنميتها كبذرة درامية، فكانت الحصيلة فيلما متميزا إخراجا وتمثيلا وتصويرا وموضوعا.