نونو جوديس

انحطاط

 

حينما سقطت روما أمام هجمات البرابرة،

كان قد تم الحفاظ على حدود الإمبراطورية.

تأخر الخبر – في الواقع – أسابيع قبل أن يصل،

وسواء العبيد أو الأسياد،

فقد فكروا جميعاً أن الإمبراطور ما زال محافظاً على سلطانه،

وأن العالم لا يترنحفي محاوره،

وأن الشمس التي كانت تأتي من المشرق

لم تعرف في مسارها شيئاً جديداً،

وتساءلوا:

لماذا مواصلة الحركات اللا متغيرة للماضي؟

حينها صرخ الرسول المتسربل أسمالاًبالخبر المرعب.

صمتت النساء ما عدا تلك التي بكت حتى هبوط الليل،

وبعدها غادرت حتى لا يُعرَف شيء عن مصيرها.

نظر الرجالُ نحو البحر كما لو أن الحلول كامنة هناك.
حينما ينتهي عالم، فليس الفراغ وحده
الذي يملأ القلوب بأعباء رَيْبَتِهِ،
تتلاشى الكلمات أيضاً في الروح
التي تسائل الماضي، وبالنسبة لكل الجهات
التي يُنظَر إليها، يبدو أن الأفق ينغلق،
وحدها الأرض التي لا تزال بعد تنتظر
أمطار الخريف الأول،
تهدي الجواب صمتاً جافاً
صورة جذور كسرها الصيف
واستراحة كهوف أشرعتها الحيوانات
بحثاً عن ملجأ لمحاصرة الليل.
■ ■ ■
تأمل في الخرائب
حَطَّ في قاعةٍ بلا مذهّباتٍ وبلا كراسي:
خشبٌ عتيقٌ ومزهرياتٌ بورودٍ من البلاستيك، نوافذ
زجاجية مكسورة موجهة نحو الطَّريقِ السَّيَّارِ.
لا ريحَ، ولا بحرَ: ضجيجُ السَّياراتِ وَحْدَهُ كان يتسربُ من الشُّقوق
ليرتطمَ صداهُ بالسَّقفِ (خشبٌ يُرَى من خلال بقايا
الرُّخام الزائف).
وبعدها في الشارع، علق بالحطام المهترئ
لحواجز قديمةٍ. وما بين الشجيراتِ التي تجتاحُ كلَّ شيءٍ،
كان يُرَى مشهدٌ جديرٌ بأن يكون لوحة
رومانسية. الوادي، وقد غطته البيوت،
والجبال وقد تناثر بين أحضانها بقايا الحديد المتهالك؛ تُخفي
ماضياً لقطعان ورعاة. لكن لربما لم يُسْمَعْ هنا قطُّ
عزف الناي. هذا البيت، قد اكتفى حقاً
بحفظِ صمتٍ قديم حَوَّلهُ الاستعمال إلى بُقَعٍ
سَبيدجيَّةٍ في الذاكرة. وهو الآن، يلتبس بدفء
الجدران؛
ولا يَحْتَضِنُ سوى جُحُور الزَّوَاحِفِ التي تنكشفُ في الشتاء
فحسب، مُتخفِّية عن الخليقةِ. لكن مِنْ هُنا قدْ مَرَّ
شَخْصٌ ما
مُنذُ قليلٍ؛ وبَعْدُ ما زال ينبعثُ الدخانُ من جبل الأخشابِ، بينما
الشمس تتقدمُ مِنَ المشرقِ، حيث لا تتلاشى ألوانُ
الفجر الباردة، وحيث لا طائرَ يُحَيِّي
مَوْلِدَ النَّهَارِ.
* Nuno Judice شاعر برتغالي من مواليد ميكْسِيُوِرا غْرَانْدِي عام 1949.
** ترجمة: خالد الريسوني

www.alaraby.co.uk