طفلٌ كتب إليَّ صباح اليوم ما يأتي: في هذه البلاد قد لا يستفيق عصفورٌ من نومه لئلاّ يعي مصيره. في هذه البلاد نفسها قد يفضّل الهواء التوقّف عن التنفّس لئلاّ يُصاب برعب التلوّث. في هذه البلاد أيّها العالم لا لزوم للأمل لئلاّ يُمنى بخيبة الأمل.

هذا الطفل واصَلَ الكتابة إليَّ، غير آبهٍ لِما يعتريني من خجل اليأس: شجرةٌ تذرف موتها في العتمة بلا صوت. وفي الظلّ تُواصِل هذه الشجرة مسؤوليةَ التعب الوجوديّ الوَقور، من أجل أن لا تُفسِد على الطبيعة مشقّة أقدارها القاتلة.

هذا الصباح، ماذا أفعل لهذا الطفل، كي أُوجّه انتباهه إلى شيءٍ آخر، من أجل أن لا يردّد أمامي عبارة صديقي صموئيل بيكيت الشهيرة: أنتَ على هذه الأرض (اللبنانية العربية الشرقية)، ولا علاج لذلك. هل أقول شكراً للسيّدة التي أهدت إليَّ هذه العبارة في أحد الأيّام، فحفظها الطفلُ الذي فيَّ

لأنها أعجبته، أم أُواصِل قراءة ما كتبه هذا الطفل عشوائياً بصلافة الشعراء وفظاظتهم؟!

يضحك الطفل ضحكةً ملعونةً وهو يُملي عليَّ ما يأتي: شيءٌ يشبه ألم الهزيمة ويتخطّاهما (الألم والهزيمة). مستحيلاتٌ كثيفة من شأنها أن تفرض قوانين الإباء لئلاّ يفلت المشهد من عقاله. لا لزوم للمطر لأنّه لن يليّن الأوجاع. عبور الهواء سيُفسِد اللعبة من أوّلها إلى آخرها. يجب أن تُرفَع الستارة لأن الخشبة لا تستطيع الانتظار.

يقف الطفل بنفسه أمام الستارة المرفوعة، لا ليكتب بل ليشهد بلغة أهل التراجيديا اليونانية: الأنين يفترض أن الكأس تتألّم بسبب الشفاه. لأجل ذلك لا بدّ من يدٍ تُرشِد عتمةً إلى ضوئها. لا بدّ من ملاكٍ يأخذ بالسماء لكي لا تتداعى. لا أُشفِق على عمر الطفولة (يقول الطفل)، بل على الشجر الذي يلوي. أفترض أنّي سأغفو لأجل أن لا تذهب الكوابيس إهداراً. وإذا استيقظتُ فلأجل أن أشهد كيف تتلوّى الغيوم من التعب. بعد قليلٍ سيهبّ هواءٌ قليل لينعش صفحة الوجود. بعد قليلٍ لا بدّ من نزول العمر لئلاّ تشهد العيون ما يفترضه الذهن من نهاياتٍ معقولة.

الطفل ذاته يمحو ما سبق، ليكتب إليَّ ما يأتي: لا علاج، لكنْ لا بدّ من الأمل.

كيف، أيّها الطفل؟! أريد أن أعرف كيف. هل يجب أن أُواصِل “الاختراع” – “الكذب” على نفسي وعلى القرّاء؟! هل يجب أن أظلّ أستيقظ بعد الآن؟!

أسأل الطفلَ صارخاً: على هذه الأرض، في هذه البلاد، هل من علاج؟!

akl.awit@annahar.com.lb