أخبار الأدب:‬شعبان‮ ‬يوسف

لا‮ ‬يحتاج الكاتب والمبدع والطبيب شريف حتاتة منّا إلي تعريفات وشروحات حول تاريخ مسيرته السياسية والأدبية والفكرية،‮ ‬حيث إنه منذ أن انفتح قوس الكتابة الإبداعية في حياته‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يكتب عن تجربته كلما أتيحت له فرصة في صحيفة أو مجلة،‮ ‬ويدلي بشهاداته الشفوية في محافل أدبية وثقافية كثيرة،‮ ‬فضلا عن أنه كان‮ ‬يدعي بشكل خاص إلي ملتقيات دوليه ليدلي بدلوه في الكتابة الأدبية بشكل عام،‮ ‬وحول تجربته بشكل خاص‮.‬

ولا‮ ‬يكتسب شريف حتاتة أهميته من كتاباته الإبداعية فقط،‮ ‬بل هناك هالة واسعة من الضوء الساطع علي حياته كلها،‮ ‬لكونه كان أحد الذين قهرتهم الدولة الناصرية في ستينيات وخمسينيات القرن الماضي،‮ ‬وتم القبض عليه مرارا وتكرارا‮ ‬علي ذمة قوي اليسار الشيوعي،‮ ‬حيث أنه كان عضوا في منظمة حدتو‮ “‬الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني‮”‬،‮ ‬تلك المنظمة التي كانت تضم فريقا واسعا من الشيوعيين المصريين،‮ ‬كذلك كان اقترانه بالرائدة النسوية الدكتورة نوال السعداوي،‮ ‬لما لها من بريق وأدوار كبيرة في المجال التحرري،‮ ‬وكان حتاتة مشاركا بشكل رئيسي وعضوي في أنشطة الدكتورة نوال،‮ ‬وهذه نقطة لا‮ ‬يمكن إغفالها‮.‬
ورغم تلك الثلاثية المهمة التي أحاطت بشريف حتاتة من جوانب مختلفة،‮ ‬والتي تتلخص في إبداعه المهم،‮ ‬وفي مشاركته التاريخية في الماضي بقسط كبير في الحركة الشيوعية،‮ ‬والتي كان قد تخلي عنها بشكل ما‮ ‬،‮ ‬حيث إنه بعد خروجه من المعتقل عام‮ ‬1964،‮ ‬انضم للاتحاد الاشتراكي،‮ ‬وسافر إلي الجزائر مبعوثا من الدولة التي قهرته،‮ ‬وكتب كتابا‮ ‬يكاد‮ ‬يكون مجهولا،‮ ‬لأنه لا‮ ‬يضعه في قائمة مؤلفاته،‮ ‬وهو كتاب‮ “‬رحلة الربيع‮”‬،‮ ‬كما أنه كتب كتابا آخر بُعيد كارثة‮ ‬يونيو‮ ‬1967‮ ‬في مؤازرة السلطة الوطنية،‮ ‬وكان عنوان الكتاب‮ “‬عندما‮ ‬يتحرك الشعب‮”‬،‮ ‬وكان‮ ‬يشير داخل الكتاب إلي مظاهرات التأييد التي خرجت للمطالبة بعودة جمال عبد الناصر إلي موقع القيادة بعدما أعلن قرار التنحي،‮ ‬وهذا ليس عيبا علي الإطلاق،‮ ‬ولكنه دليل قاطع علي مغادرة شريف حتاتة مواقع اليسار الرافضة لتلك السلطة،‮ ‬لينضم إلبي صفوفها وأجهزتها الفاعلة،‮ ‬وهذا أمر لم‮ ‬ينسحب عليه هو فقط،‮ ‬بل شمل قطاعا واسعا من الشيوعيين المصريين،‮ ‬مثل محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ولطفي الخولي وإلهام سيف النصر وغيرهم،‮ ‬ولذلك‮ ‬يكتب شريف حتاتة في إحدي شهادته التي كتبها لمجلة فصول في خريف‮ ‬1992‮ :”‬أنتمي منذ سنين طويلة إلي ما‮ ‬يسمي‮ (‬اليسار‮).. ‬ولا أحد‮ ‬يعرف أين‮ ‬يقف هذا التيار الآن‮.. ‬لذلك من الصعب أن أقرر هل خرجت عنه،‮ ‬أو مازلت جزءا منه،‮ ‬لم أعد أتمسك بالتسميات‮ ‬،‮ ‬أو الصيغ‮ ‬الجامدة،‮ ‬ولكني لا أحترم الذين‮ ‬يقفزون من سفينة إلي سفينة كلما ظنوا أن السفينة التي‮ ‬يركبونها لن تبحر بعد الآن‮.. ‬ففي رأيي أن التاريخ مستمر‮ ‬،‮ ‬ينتقل من مرحلة إلي مرحلة‮..‬لا شئ‮ ‬يضيع‮ ‬،‮ ‬إنما‮ ‬يتبدل‮..).‬
ونخلص من تلك الفقرة التي كان‮ ‬يكررها شريف حتاتة بأشكال مختلفة إلي أنه كان قد تخلي عن الموقع التقليدي لليساريين المصريين،‮ ‬حتي هؤلاء الذين شغلوا مواقع قيادية في مواقع عديدة،‮ ‬وكان في ذلك الوقت‮ ‬_1993_قدقطع شوطا بارزا في الأدب،‮ ‬وأنجز نصوصا روائية مهمة،‮ ‬ورائدة ولفتت نظر الكثيرين إليه وإلي نصوصه،‮ ‬وعلي رأس تلك الروايات كانت روايته‮ “‬العين ذات الجفن المعدني‮”‬،‮ ‬تلك الرواية التي صدرت طبعتها الأولي عام‮ ‬1974،‮ ‬عن دار الطليعة في بيروت،‮ ‬وظلت بعيدة عن قارئها المصري حتي أن صدرت طبعتها الثانية عام‮ ‬1980عن دار الثقافة الجديدة‮.‬
وجدير بالذكر أن ذلك العام الذي نشرت فيه الرواية‮ ‬،‮ ‬وهو العام‮ ‬1974،‮ ‬كان عاما حافلا لفتح ملف التجربة الناصرية علي مصراعيه،‮ ‬فنشر الكتاب الأهم‮ “‬الأقدام العارية‮” ‬للكاتب طاهر عبد الحكيم،‮ ‬وكان هذا الكتاب فاتحة لشهية آخرين لكي‮ ‬يكتبوا عن ديمقراطية ثورة‮ ‬يوليو،‮ ‬ولا‮ ‬يغيب عن أذهاننا أن توفيق الحكيم كان هو الذي دعا علي المستوي العام إلي مناقشة مسألة الديمقراطية‮ ‬،‮ ‬ونشر كتابه‮ “‬عودة الوعي‮”‬،‮ ‬وحينئذ وجه له الكاتب لطفي الخولي في مجلة‮ “‬الطليعة‮” ‬رسالة طويلة،‮ ‬يطلب من الحكيم باعتباره رأس الدعوة‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يوافق علي أن‮ ‬يجري بعض أقطاب من اليسار معه حول التجربة الناصرية كلها،‮ ‬وعلي جميع المستويات الديمقراطية والوطنية والاجتماعية،‮ ‬وبالفعل وافق الحكيم علي تلك الدعوة،‮ ‬وظلّت تلك المحاورة تدور بين الحكيم ومجموعة مختارة من اليساريين علي مدي تسعة أشهر،‮ ‬وصدرت تلك المحاورات فيما بعد في مجلد ضخم عن دار القضايا في بيروت،‮ ‬وكان أثناء تلك المحاورة،‮ ‬تصدر الكتب تباعا،‮ ‬وعلي التوازي صدرت مجموعة كتب هاجمت الحكيم بضراوة،‮ ‬أكثرها شهرة،‮ ‬كان كتاب‮ “‬الوعي المفقود‮” ‬لمحمد عودة،‮ ‬و‮” ‬توفيق الحكيم اللامنتمي‮.. ‬دراسة في فكر الحكيم السياسي‮” ‬لأحمد محمد عطية‮ ‬،‮ ‬ثم كتاب‮ “‬سقوط الحكيم‮” ‬لحسنين كروم،‮ ‬وجاءت رواية شريف حتاتة كأنها تتنادي مع دعوة الحكيم،‮ ‬وهذا لا‮ ‬ينفي صدقية الرواية،‮ ‬وجمالها الفني،‮ ‬ومحمول الخبرة العميقة التي تتبدي فيها،‮ ‬إذ أنها انطلقت من تجربة عميقة،‮ ‬ومن وحي السنوات التي قضاها حتاتة متنقلا بين السجون والمعتقلات،‮ ‬مثل‮ “‬قره ميدان‮” ‬والسجن الحربي،‮ ‬وليمان طره،‮ ‬والواحات،‮ ‬والمحاريق في جنوب الصحراء الغربية،‮ ‬والرواية تحكي عن جيل من اليساريين وحياتهم‮ ‬،‮ ‬وكيف واجهوا تجربة السجن والاعتقال وتجاوزوا آلامها ومعاناة الاضطهاد،‮ ‬وكذلك كيف انهار البعض ولم‮ ‬يحتمل من شدة القهر والتعذيب،‮ ‬شريف حتاتة‮ ‬يكتب التجربة بعد عشر سنوات من الخروج‮.‬
وتعتبر هذه التجربة الروائية تجربة رائدة في الكتابة الإبداعية،‮ ‬وهي تختلف كثيرا عن رواية‮ “‬تلك الرائحة‮” ‬لصنع الله ابراهيم التي صدرت عام‮ ‬1966،‮ ‬فرواية صنع الله تتحدث عما بعد السجن،‮ ‬ولا تنطوي علي تفاصيل السجن التي وردت في‮ “‬العين ذات الجفن المعدني‮”‬،‮ ‬ربما تكون بعض الكتابات‮ ‬غير الفنية التي كتبها آخرون مثل فتحي عبد الفتاح في‮ “‬شيوعيون وناصريون‮” ‬،‮ ‬أو‮ “‬في معتقل أبي زعبل‮” ‬لإلهام سيف النصر،‮ ‬وغيرهم‮ ‬،‮ ‬كتابة ذات تأثير كبير‮ ‬،‮ ‬ولكنها كتابات لم ترق إلي الإبداع الروائي الرائد لشريف حتاتة وروايته،‮ ‬وهذا ما أعطي تميزا وفرادة لتجربة شريف حتاتة منذ البداية‮.‬
وربما تكون صدامية حتاتة مع أبناء جيله‮ ‬،‮ ‬وأفكاره التي راح ينتقد بها توجهات اليسار،‮ ‬جعلت النقاد ينصرفون عنه قليلا أو كثيرا،‮ ‬ولم أعثر علي الاحتفاء النوعي اللائق من نقاد ينتمون إلي اليسار مثل فاروق عبد القادر أو محمود أمين العالم أو محمد أحمد عطية أو عبد الرحمن أبو عوف،‮ ‬ربما أفلتت مقالة من هنا‮ ‬،‮ ‬أو مقالة من هناك،‮ ‬لكن بالطبع سنلاحظ أن هناك فارقا ضخما بين الاحتفاء بصنع الله ابراهيم‮ ‬‭_‬أمدّ‮ ‬الله في عمره‭_‬،‮ ‬والاحتفاء بشريف حتاتة،‮ ‬مما ترك في روحه بعض المرارة التي كان يجهر بها بين الحين والآخر،‮ ‬تلك المرارة التي راحت تتكاثف عليه بعد أن راح يصدر الرواية تلو الرواية‮.‬
وطالما أن النقاد كانوا مقصرين،‮ ‬راح هو نفسه يصف تجربته بوضوح‮ ‬،‮ ‬فكتب في شهادة له ألقاها في مؤتمر عقد في القاهرة بين‮ ‬22و26‮ ‬فبراير بالقاهرة حول تجربته الروائية عام‮ ‬1998‮ ‬يقول‮ : (‬كتب الكثيرون عن تجربة السجن في مصر،‮ ‬والبلاد‮ ‬،‮ ‬ولكني أعتقد أن هذه الرواية كانت مختلفة عن كل ما كتب،‮ ‬فأنا لم أعد معنيا بالأحداث الخارجية‮ ‬،‮ ‬وتطوراتها إلا من علاقتها بما كنت أسعي إليه أساسا،‮ ‬وهو التنقيب في أعماق الانسان السجين،‮ ‬السياسي،‮ ‬وفي الدوافع الظاهرة والخفية التي تحرك تصرفاته في صدق أو زيف ذلك الشئ الذي نسميه البطولة بين الذين يرتبطون بقضايا عامة،‮ ‬ماهو أثر الطفولة والشباب ومراحل الحياة الأولي في تشكيل الشخصيات التي لعبت دورا في الرواية،‮ ‬وماعلاقة الخاص بالعام في أفكارهم وتكوينهم وتصرفاتهم خارج وداخل السجن في مواجهة أزمات المعركة ومنحنياتها‮ ‬،‮ ‬وفي تحدي القهر الذي يمارس ضدهم ؟ وماهي خصائص كبار وصغار رجال السلطة المشاركين في أجهزة التتبع‮ ‬،‮ ‬والقمع المختلفة من بوليس وحرّاس أو وكلاء نيابة أو حتي قضاة؟‮).‬
هكذا يجهر شريف حتاتة بمضمون تجربته التي صمت عنها آخرون،‮ ‬كتب الرجل تجربته بعد أن تجاوز الأربعين من عمره،‮ ‬وكان يحلو له أن يحدد العمر بالضبط فيقول ويكرر أنه كتب بعد أن تجاوز عمره ثلاثة وأربعين عاما،‮ ‬وذلك بدفع من رفيقة عمره الدكتورة نوال السعداوي التي أقرّت بموهبته وقدرته علي الإبداع،‮ ‬ومن السائد والتاريخي أن كثيرا من الذين دخلوا تجربة الكتابة الإبداعية في عمر متأخر هكذا،‮ ‬كانوا مشغولين بتسجيل التجربة التي عاشوها،‮ ‬دون البحث عن أساليب فنية خاصة،‮ ‬أو مغامرات إبداعية في الشكل واللغة والبناء،‮ ‬ربما تكون تجربة عبد الرحمن منيف مختلفة نسبيا،‮ ‬ويعود ذلك أن الأخير كان له باع طويل مع القراءة قبل أن يضع القلم ويضع روايته الأولي وكان قد تجاوز الأربعين من عمره،‮ ‬وبعدها راح يضرب في تيه الفن بجدارة‮.‬
شريف حتاتة كان مشغولا باستعادة تجربته الطويلة في السجن والحياة الاجتماعية عموما،‮ ‬وكان عيناه تتأملان الماضي والحاضر بعمق فكري واجتماعي ثاقب،‮ ‬وكانت كتاباته حبيسة جدران جران تقليدية‮ ‬،‮ ‬وكان حريصا علي قول الحقيقة التي يعتقدها دون لف أو دوران أو تكثيف،‮ ‬كانت الكتابة جامحة ومتدفقة وغزيرة وثرية بالأحداث،‮ ‬كتابة الشاهد والشهيد في الوقت ذاته،‮ ‬وكان السرد هو المهيمن علي كل مايكتب،‮ ‬حتي لو كانت الكتابة خارج سياق الرواية،‮ ‬ولا بد أن نلفت النظر إلي أنه لم يكتب القصة القصيرة علي الإطلاق،‮ ‬وهذا دليل علي أن شريف حتاتة كان مدفوعا بقوة نحو الكتابة،‮ ‬والذي يقرأ روايات شريف سنلاحظ أن الأحداث تتوالي خلف بعضها بكثافة،‮ ‬وكانت الرواية الأولي معمل تجريب لحتاتة‮ ‬،‮ ‬وموطن خبرته الأساسي‮ ‬،‮ ‬وهو ما اكتشفه حتاتة وهو في أتون الكتابة،‮ ‬وتعتبر عملية اكتشاف المبدع لأسرار الكتابة من المسائل الجوهرية في تطوره‮ ‬،‮ ‬وهو يقول في ذلك‮ :” ‬هذا هو ما أخذت أتبينه منذ أن شرعت في كتابة روايتي الأولي‮ ‬_العين ذات الجفن المعني_ سنة‮ ‬1968،‮ ‬وبالتدريج تطورت خبرتي في العمل مع الطبقات اللاواعية للعقل‮ ‬،‮ ‬ففي هذه الرواية الأولي ظللت أبحث عن الخط الأساسي الذي يمكن أن يحكم سياقها عدة شهور إلي أن اهتديت إليه،‮ ‬وهو تجربة القهر النفسي والانساني الذي يتعرض إليه السجين‮..”.‬
والملفت للنظر أن موضوعة القهر في أشكاله المتعددة والعامة‮ ‬،‮ ‬ظلت تلاحق حتاتة في كل مايكتب،‮ ‬ففي روايته‮ “‬كريمة‮” ‬الصادرة عام‮ ‬1985،‮ ‬راح يبحث في عقول مفكري اليسار‮ ‬،‮ ‬منتقدا كافة التحولات التي مرّت بتلك العقول،‮ ‬وآخذا علي بعضها ذلك الجمود الذي توقف عند مرحلة من المراحل،‮ ‬فلم يستطع‮ ‬_أي العقل اليساري_ أن ينفعل مع المراحل العصرية،‮ ‬وهذا يجعل من كل الحوارات اليسارية المثارة_من وجهة نظر حتاتة_ مجرد رطانة وثرثرات مقاهي،‮ ‬وليست نضالات حقيقية ضد الثابت والجامد والمتخلف في الحياة الاجتماعية‮.‬
وليس من قبيل العبث أن نعقد مقارنة بين تجربة حتاتة وتجربة عبد الرحمن منيف،‮ ‬حتي لو كان ذلك علي المستوي التاريخي،‮ ‬فالاثنان ظلّت موضوعه القهر العام والمتعدد والمتنوع في بلادنا تلاحق أعمالهما الروائية نصّا خلف نص،‮ ‬والكاتبان كانت لهما تجارب سياسية وفكرية سجلّاها في كتب وأبحاث قبل أن يدخلا عالم الإبداع،‮ ‬إذ أن عبد الرحمن منيف كان مشغولا بعالم الاقتصاد‮ ‬،‮ ‬وله في ذلك أبحاث ودراسات،‮ ‬وشريف حتاتة كانت له أبحاث ودراسات في مجال الصحة،‮ ‬وكان مسئولا عن ذلك في الدولة الناصرية في عقد الستينيات،‮ ‬وكتب كثيرا في مجال اقتصاد الصحة والطب،‮ ‬وكان ينشر تلك الدراسات في مجلة‮ “‬الكاتب‮”‬،‮ ‬ونشر كتابا ضخما عنوانه‮ “‬الصحة والتنمية‮”‬،‮ ‬صدر عن دار المعارف عام‮ ‬1968‮ ‬في‮ ‬494‮ ‬صفحة‮.‬
وبالتأكيد هناك فروق وتمايزات في مسار العملية الإبداعية بين حتاتة ومنيف،‮ ‬ولكن مجمل التجربتين يجدان قدرا من الشبه في المسار العام،‮ ‬لدرجة أن منيفا له رواية تحمل عنوانا يقول‮ “‬قصة حب مجوسية‮”‬،‮ ‬وحتاتة له رواية تحمل عنوانا شبيها وهو‮ “‬قصة حب عصرية‮”‬،‮ ‬والكاتبان يبحثان في النفس الانسانية عن تمزقاتها وانهياراتها التي أحدثتها الحياة السياسية في البلاد العربية والنامية‮ ‬،‮ ‬والتي تعاني قدرا كبيرامن القهر،‮ ‬إنها كتابة تغوص في قضايا عالم مابعد الاستعمار،‮ ‬ذلك العالم الذي تحكمه طبقات أو سلطات تفرض أنواعا من القوانين واللوائح الصارمة والديكتاتورية،‮ ‬ولذلك يضيع الانسان الفرد في مواجهة ذلك الغول الديكتاتوري القاهر‮.‬
لم تخل رواية واحدة عند شريف حتاتة من معالجة ذلك القهر،‮ ‬وإن كان قد اكتسب خبرات فنيّة جيدة مكنّته من معالجة إشكالية القهر بعيدا عن صب الحكاية علي هيئة تقارير‮ ‬،‮ ‬وتجلي ذلك بقوة في روايته‮ “‬الشبكة‮” ‬،‮ ‬التي كان بطلها‮ “‬خليل منصور‮” ‬الذي يخرج من السجن ليواجه الحياة في مرحلة ضاعت فيها معالم المجتمع الذي كان يعرفه‮ ‬،‮ ‬وانهارت فيها كثير من الأفكار والقيم التي كان مقتنعا بها،‮ ‬ويلتقي خليل بأمينة توفيق الرسامة في قطار حلوان وهما ذاهبان إلي العمل‮ ‬،‮ ‬وبعد لقاءات متكررة تنشأ بينهما علاقة حب قوية‮ … ‬ولا يتسع المجال لرصد وتحليل أحداث الرواية،‮ ‬ولكن حتاتة يعمل بكل طاقته الحكائية والفنية لإبراز التعقيدات التي تمرّ‮ ‬بها العلاقة في عالم أصبح مدهشا وغريبا‮.‬
كذلك روايته‮ “‬عمق البحر‮”‬،‮ ‬والتي تكشف كثيرا من المسكوت عنه في المجتمع المصري‮ ‬،‮ ‬ويعالج شخصية السادي،‮ ‬الذي يستعذب تعذيب فريسته،‮ ‬ودائما ما يعود للسجن في معظم تجاربه الروائية،‮ ‬كذلك روايته‮ “‬الوباء‮”‬،‮ ‬وفي روايته‮ “‬نبض الاشياء الضائعة‮” ‬يتعرض لمسألة‮ “‬جنس المحارم”في المجتمع المصري عموما،‮ ‬وفي الريف خصوصا،‮ ‬وهو موضوع لم يطرقه آخرون من قبل‮.‬
بالتأكيد كانت المرأة محورا مهما جدا في حياة وكتابات شريف حتاتة،‮ ‬وكان أحد أنصار قضايا المرأة المرموقين،‮ ‬وكانت رفقته بزوجاته الثلاث علي التوالي،‮ ‬مثارا لتأملاته وتجاربه الإبداعية،‮ ‬فكانت رفيقته الأولي،‮ ‬والتي التقي بها في الجزائر،‮ ‬وهي قصة‮ ‬غير شائعة،‮ ‬ولم يستفض في سردها إلا في كتابه المستبعد من قائمة مؤلفاته‮ “‬رحلة الربيع‮”‬،‮ ‬وهي كانت إحدي تلميذات زعيمه التاريخي هنري كورييل‮ ‬،‮ ‬ثم التقائه بالدكتورة نوال السعداوي عام‮ ‬1966،‮ ‬وانخراطه معها في‮ ‬غالبية أنشطتها،‮ ‬ثم زواجه الثالث من الناقدة الدكتورة أمل الجمل،‮ ‬والتي أنجزت كتابا في‮ ‬غاية الأهمية عنوانه‮ “‬نوال السعداوي وشريف حتاتة‮ ..‬تجربة حياة‮”‬،‮ ‬أعتقد أن رفقة حتاتة بتلك التجارب‮ ‬،‮ ‬عملت علي تعميق أفكاره وآرائه بشكل ملفت للنظر،‮ ‬فهو مع حرية المرأة بشكل مطلق،‮ ‬وبشكل إيجابي،‮ ‬لأنه كان ينتصر للحرية بكل صورها،‮ ‬وعمل علي بثّ‮ ‬أفكاره هذه في كافة ما كتبه من نصوص إبداعية وكتابات فكرية وسياسية‮.‬