” بدر شاكر السّياب ” و” شاكر العاشّور “

 

عدنان أبو أندلس

كان ذاك في أوائل تسعينات القرن الفارط ، كنتُ حديث التعيين ، وفي إستراحة ما ، وعلى هامش الحياة الرتيبة في الدائرة ، خرجتُ مع صديقي لي كي نشم هواءً طازجاً وندخن أردأُ السجائر ، ونحنُ وقوفاً طفنا دواوين الشعر بالقصائد ، إستذكرنا ظاهرة اللون في الشعر العربي وتوظيفاتهِ وقد ذكر ليّ اللون ” الأزرق ” أجبتهُ وكما هو في مجموعة الشاعر ” شاكر العاشور ” دمُ البحرِ أزرق ” قال أتعرفهُ ؟!. قلتُ لا بل سمعتُ بهِ منذ مستهل الثمانينات وعبر مجموعتهِ التي ذكرتها ، ردّ ضاحكاً أنا أعرفهُ جيداً ، قلتُ : هل رأيتهُ في المهرجانات !.. قال أبداً ! لمحتهُ قبل لحظةٍ مرّ من أمامي وتبادلنا التحية سوية ، ومضى إلى غرفتهِ ، حقاً لم أصدق لحظتها ، ” شاكر” في البصرة ، ونحن هنا الآن ، لم يخطر ببالي أنهُ يبعدُ عني سوى أمتار ، فعلاً ذهبنا إليهِ ورحب بي دون معرفة ، علماً بأني لم أطلع على ملامحهِ سوى في الدوريات ومنذ فترة طويلة ، ولم تسعفني الذاكرة لحظتها بالتعرف عليهِ .

المهم رحب بي كثيراً لسؤالي عنهُ ، وأجمل ترحيب كان ” حبوبي ” لن تنسى أبداً ، وتواصلت لقاءاتنا في الدائرة وخارجها وبعض المحافل الأدبية في المدينة ، ومنها تواصلت لقاءاتنا ، وعرفتهُ فيما بعد شاعراً مميزاً وناقداً ناضجاً ومحققاً باهراً ، أفادني كثيراً ما يخص الأدب وفنونهُ .

كان يُقّوم لي قصائدي ويبدي لي آرائهِ ، ولا أنسى بأني قدمت لهُ نصاً مكثفاً ، أستل مني القلم وأشر على النص بدائرة ” رائع جداً ” كم كانت شهادة رائعة أعتز بها إلى الآن .

هو بصريّ المولد في المدينة السّاحرة التي تُعطي ولا تأخذ ، أعطتهُ الشعر مبكراً غير أنها توسطت القلب ، المدينة التي يقتعِد ُتحت كل نخلة منها ، شاعرٌ ، المدينة التي وزنت عصف الريح ، إنسياب الماء والموسيقى بكفة الفراهيدي .. هو الفتى الذي فتح عينيهِ على تشعبات الأنهار والمسطحات المائية اللامعة ، جال ببصرهِ على أتساع برقة الماء وساير النهر حتى المصب .. ظاهرة الإتساع لمستها في إيحاءاتهِ كثيراً .إنه البحر ؟! التأكيدي . إتسعي مثلما جسدي \ فوق هذه المياه \ يدافع عن زرقتهِ البحر .

هذه الظاهرة التي رأيتها في نصوصهِ وخاصةً مفردة ” البحر ” والتي وظفها لأكثر من عشرين مرةٍ في مجموعتهِ الشعرية ” دمٌ البحرِ أزرق ” في حين لا تتجاوز صفحاتها على الثمانين ، حتى في كتيبهِ والذي يحمل عنوان مجموعتهِ الشعرية البِكر ” أحببتُ الجارة يا أُمي ” والذي قلتُ وأقول حين أتحسسهُ ملياً ، بأنهُ الأروع في العنوة من حيثُ التسمية الفريدة والتي كلما ردّدتها مع نفسي همساً ، تزادُ رونقة ونصاعة وبهاء من حيثُ، الأعتراف البرئ ، الإفصاح المستكين ، الإلتماسة بالذنب الأبيض حقاً ، ولو بعدد صفحاتهِا الـ 16 صفحة لاتخلو منها مفردة البحر أيضاَ ، فالبحر يعدّهُ العاشور رمزاً للخير والحياة والصفاء والأمل … لذا لجأ إلى تكرارهِ كي يروي ظمأهُ وغربتهِ ؛ تدرج في سفريات الماء من ضفاف التنومة

مروراً بـ شط العرب وساحليهِ – فالخليج العربي ثم بحر العرب ، فالبحر المتوسط ، فبحر مرّمرّة ،حتى أبحر إلى بحر الشمال وكأنهُ يضمن قبل سفرهِ وجود بحر هناك .

فالعاشور لهُ لغتهُ السهلة الواضحة السليمة ، حيثُ رؤاهُ محلقة في الأفق البعيد وحسب قناعتي بأنهُ ” ناسك ُالبحرِ ” لكثر ما وظف وأشاد وتفاعل معهُ ، رؤيا ورؤية وتحليقاً وإبحاراً , وبقاً للإحصائية التي أشرتُ لها سلفاً ، كثف وضخم ، إشتغالاً وتأصيلاً ، فمفردة ” البحر ” ومشتقاتها أكثر من غيرها نالت حصةً في نصوصهِ الزاخرة بالندى والهدير مها : الشاطئ – الساحل – الضفاف – الضباب –الإتساع ، هذه المفردة الحصرية كما أضن قد جمعتهُ قدّرياً مع شاعر المطر ” السّياب ” رائد قصيدة التفعيلة من حيث المسيرة الأدبية – تماهياً – تقارباً ؛ وحسب إنطباعاتي الشخصية – إستقرائياً – تتابعياً ، بدءاً من تناص العاشورمع السياب في ” البحر، غيلان ، وفيقة ، جيكور ، وغيرها مكملات التناص وحسب رأي الناقدة الفرنسية ” جوليا كريستيفيا ” ” أحد مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها ، معاصرة لها ”

وهي تعني التي وظفها ، ففي البحر يقول السياب :

هدير البحر يقتلُ من دمائي من شراييي – حِبال سفينةً بيضاءَ يعيش فوقها القمر- ويرعش ظلها السحر . والعاشور يقول :

إنهُ البحرُ – فلتتسع شفتاكِ – وتمتدُ أذرعةُ الشوقِ .

هذا التوظيف للبحر يدخل في دائرة المكان .

عرفناهُ مكان مسطح سيال ، فكيف نعرفهُ بزمانهِ ؟!… ربما توقيت ظاهرة المد والجزر ومعرفة زمان حدوثهِ ، بأمواجهِ الهادرة وشواطئهِ \ المتلاطمة \ المنكشفة .

فالتناص في وفيقة – : شباك وفيقة في القرية – نشواٌن يطل على الساحة .

لو أن يديكِ تطوقي الآن – أحس بأني الآ جدير منكِ – بقبلة …… يازهرة

.وغيلان لهُ الحظ الأوفر في توظيفهما :

يا سلْم َالدّم والزّمان: من المياه إلى السماء\ غيلان يصعدُ نحوي ، من تراب أبي وجدّي .

فالعاشور يقول : فيا غيلانُ عُدْ للبيتِ ياغيلانْ \ لأمكَ للصبايا يرتقبن الليل في لهفةْ.

بنفس الوحدات المتقاربة بنيت القصيدة حيُث نرى التقارب المتطابق الضمني بينما .

وللعاشور ” علاوي ” آه علاوي \ الليالي إنطفأت منذُ إنطفأتَ \وصباحاتي التي تشرق من عينيكَ \ غابت .. في استنتاج شخصي بينهما من حيثُ النشأة والمسيرة الأدبية والاجتماعية ، رأيتُ هذه الثنائيات التي

تربطهما معاً ، تطابقاً ، تماهياً ، لم أبتغِ المساواة بينهما من حيث الشعرية ، فالسياب شاعر عالمي تخطى القُطرية والعربية ، والعاشور شاعر عربي تجاوز الحدود القطرية ، بل هو ترف أدبي أحبتُ أن أسردهُ بهذه الصيغة كـ إستذكار ليس إلا . فـ السّياب ولد ونشأ في البصرة ، كذلك العاشور ، أكمل السّياب دراستهِ في إعدادية البصرة ، وكذلك العاشور . السّياب إنتقل في الجامعة من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية ، والعاشور أنتقل من اللغة الإنكليزية إلى الحقوق ، السّياب ذكر ” وفيقة ” في شعرهِ ، والعاشور ذكر ” زَهرة ” في شعرهِ ، السّياب لهُ ابنتان وولد ” غيداء ، آلاء ، غيلان ” والعاشور لهُ ابنتان وولد ” ليال ، ريما ، عليّ ” السّياب كتب الشِعر في عُمرٍ مبكرعام 1946 ، و العاشور كتبها عام 1964، ياللمصادفة العجيبة ، فقط قلب الرقمين .

حين نشر السّياب قصيدتهِ الأولى ؛ لم يكن العاشور قدْ ولِد بعد ، وحين كتب العاشور قصيدتهُ الأولى كان السّياب تحت التُراب . السّياب نشر قصيدتهِ بعد 5 سنوات من ثورة مايس 1941 ، العاشور نشر قصيدتهِ بعد 5 سنين من ثورة تموز 1958 .

ظاهرة الغربة عند السياب بداًت في الكويت ، كذلك العاشور في الكويت . حصلت في تاريخ مسيرة السياب إنتكاسة 1948 ، فاللعاشور إنتكاسة 1967 . بعدُّ عمر السّياب الشعري بـ 10 سنوات حدثت حرب 1956 ، كذلك بعد 10 سنين من عمر العاشور الشِعري حدثت حرب 1973 . فُصل السياب من الوظيفة واُعيد للخدمة بعدها في شركة الموانئ العراقية ، كذلك العاشور فُصل من الوظيفة وأُعيد للخدمة في شركة ناقلات النفط العراقية .

أصدقاء السياب الأدباء في البصرة هم” الشاعر محمود البريكان ، القاص محمود عبد الوهاب ، الشاعر سعدي يوسف ” هم أصدقاء العاشور ، أصدقاء السياب في الشّام ” أدونيس ، محمد الماغوط ، أُنسي الحاح ” هم أصدقاء العاشور أيضاً، السياب رائد قصيدة التفعيلة ، والعاشور عضو فعال فيها ، ولا يمكن أن ننسى بأن السياب هو مدرس العاشور في مرحلة الدراسة المتوسطة ، ويمكن أن يقال أخيراً بأن إسم ” شاكر ” المشترك بينهما ، وكلاهما ضعيف البُنية ، كذلك من الصِدف القدّرية أن يرثي ثلاث شعراء” تفعيلة ” وهم البياتي – رشدي العامل – العاشور ، كل واحدٍ يرثي إبنهُ المسمى ” عليّ” ولاننسى عشق السياب والعاشور لمدينة ” بيروت ” التي اضحت واحة للراحة والكتابة و للتنفيس عن الهموم الغائرة في أعماقٍ لا يمكن أن تبرأ يوماً .

العراق

31-مايس -2017 .