نصف قرن على “روبير الصغير”: كنوز لغة موليير وحدائقها

 

كتب نجم الدين خلف الله في النهار اللبنانية:

في الأيام القليلة المُنصرمة، صدرت الطبعة الجديدة المُحَيَّنة للمعجم الفرنسي الشهير Le Petit Robert، الذي يُعدُّ من كنوز لغة موليير وحدائقها المُونِقَة، وكانت قد صَدرت طبعتُه الأولى سنة 1967، ولا يزال إثراءُ مَتْنِه مُستمرًّا حتى بات يَتَضَمَّن حاليا قرابة ستين ألف كلمةٍ، وثلاثمائة ألف معنًى وأربعة وثلاثين ألفَ شاهدٍ. ثمَّ مافتئ هذا القاموس يَغتني، كلَّ سنة، بمجموعةٍ من المفردات المُوَلَّدة التي يقبلها الاستعمال، فتنال “حقوق المواطنة المُعجمية”. وتنتمي هذه الكلمات المستحدثة إلى مختلف مجالات حركة التاريخ المعاصرة في تفاعلها مع اللغة، بغاية تسمية العالم وتَمثيل مُكوناته التي تطرأ على ساحة الوعي.

ومن اللافت أنَّ بعض هذه المستحدثات يعقدُ علاقةً ما مع الثقافة العربية ومرجعياتها، وليس هذا بجديدٍ على لغة الضاد التي أمدت اللسان الفرنسي بأكثر من ثمانمائة كلمةٍ، تحيل على أشياء الحياة اليومية ونفائس العقل، جلُّها استعير في العصور الوسطى، ولاسيما أثناء الحِقبة الأندلسية (711- 1492)، وبعضها خلال الفترة الاستعمارية، وكانت غالبيتها تحيل على أفانين العلوم الرياضية والتجريبية، وممارسات السياسة والاقتصاد، ومن أشهرها وأسيرها في لغات أوربا Algorithme التي انحدرت من اسم الخَوارزمي (780-850) الرياضي اللامع، وAlambic وهو الأنبوب، والقائمة طويلة مشهورة… فكيف حَضَرَ العالم العربي في تحيين هذه الطبعة الجديدة من المعجم الفرنسي الفاخر؟

تسترعي انتباهنا أولا كلمة Burkini، وهي منحوتةٌ من مادَّتَيْن متباعدتَيْ الأصول: Burka وهي فَرْنَسَةٌ لكلمة “بُرْقُع” العربية، ذَكرها ابن منظور في لسان العرب، وتبناها مُعجم اللغة العربية المعاصر معرفًا إياها بأنها “نقابٌ أو حِجاب أو غِطاء للوجه ، تستر به المرأةُ وَجهَها”، حتى قيل في المثل: كم تَحت البراقع من سمٍّ ناقعٍ، يُضرب في عدم الانخداع بالمظهر الخارجيّ.” على أنها، في التداول الفرنسي صارت تحيل على غطاء كامل الجسد. وأما kini فهي لاحقة، أصلها لاتيني، تدل على لباس السباحة في البحر، وقد استخدمت في اللسان الفرنسي منذ 1946، في بيكيني. وتشير هذه الكلمة المولدة مؤخرًا، عبر سجلاَّت الموضة، إلى المايو الساتر لكامل الجَسَد، بغرض السباحة. ولم تكن هذه الكلمة لِتحظى بشرف الولوج إلى هذا المعجم الفاخر، لو لم تُثر، في الصيف الماضي، إشكالات قانونية وصحفيَّة، عندما قررت بَلديات، تديرها الجبهة الوطنية، ذات التوجه اليميني المتطرِّف، منعَ السباحة به في بعض الشواطئ الفرنسية، لأنها تقترن، لَديها، بحَجْب الجَسد والتشدد في مراقبته.

 

وأما المفردة الثانية فهي Djihadisme، التي استخدمت في الشواهد، فهي تنحدر من المصدر العربي “جهاد”، وتعني، بإضافة اللاحقة isme الايدولوجيا المؤمنة بالعنف والإرهاب سبيلاً لمحاربة الغرب، ولها، في المخيال الفرنسي معنًى سلبي للغاية، يكاد يجعلها مرادفة للتقتيل الأعمى والعمل المسلح، وقد شاع استخدامها مع مشتقاتها مثل Djihadiste بعد أن قطعت كلتاهما العلاقات مع دلالة الجذر الأصلية، وكانت محايدة، إن لم نقل إيجابية: وهي “استفراغ الجهد وبذل الطاقة في أداء الأعمال”، ومنه اجتهاد الفقهاء، في مجال التشريع، ومجاهدة النفس، لنيل المُكاشفات. ويضاف إلى هاتين الكلمتين، مفردة ثالثة، لها صلة واضحة بالتطرف الإسلامي، وليس بأصل عربي، وهيdéradicalisation وتعني نَزع التشدد الديني، والعمل على استئصاله من خلال برامج تربوية وفكرية وثقافية، تنجز في المؤسسات الفرنسية، مثل الجمعيات ومراكز الاعتقال.

ونذكر أخيرًا وليس آخرًا كلمتيْ: Yézidi وYézidisme للدلالة على شكلٍ جديد من الهجرة والاغتراب، يَلجَأ إليهما الشخص الذي يغادر بَلَده فرارا من الصراعات المسلحة، دون أن يشيرا إلى الطائفة العراقية المعروفة.

وهكذا تؤكد هذه الأمثلة التي عرضناها بإيجاز أنَّ الاقتراض من لغة الضاد يكاد يقتصر، في هذه الطبعة، على إحالات سلبيَّة، وثيقة الصلة بالفظاعة والدموية، لدى المتلقي الفرنسي، بعد أن كان هذا الاقتراض، عصرَ ازدهار العلوم، منبعًا يفيض بمفردات المعارف العقلية، ومؤسسات الدولة (مثل قاضٍ وديوان). ولا أحدَ ينكر مدى التراجع من علياء ثقافة عقلية ولدت العلومَ فأعارت مفاهيمها، وحملت إلى العالم رؤى ومؤسساتٍ، إلى دَرَك الفظاعة التي وَسمت سنواتِنا الأخيرة، فأثَّرت حتى فيمَا يستعيره غيرُنا من كَلِمنا.

أكاديمي فرنسي، جامعة لوران.