جماليّة التَكرار التأكيدي في رؤي شاكر العاشور الشعرية

عدنان أبو أندلس

 

يَخضعُ الشّاعرُ لتأثيراتٍ مُتنوّعة، بعضُها شعوريٌّ، والآخرُ لاشعوريّ، لكنَّ الناقدَ يُبرّزُها بعدَ التحليلِ، ليكشفَ عن المعني في مُجملِ العطاء، إذ يُمكّننا من الوصولِ إلي استيضاحِ البُنيانِ الجماليّ والوظيفيّ لذلك العطاء.

علي وَفقِ هذا غامرنا في الغوصِ في لُجّةٍ زرقاء، كي نقتنصَ الفيضَ الوجدانيّ من أعماقِ الشاعرِ شاكر العاشور، عبرَ أعمالِهِ الشعريّة( تلاوة في ماقالته ريما للشمس)، وبالأخص المجموعة الشعريّة منها( دمُ البحرِ أزرق) التي صدرت في بغداد سنة1979،

ونستلّ منها( ثريّا المجموعة)، التي تحملُ الاسم ذاته، والتي تركّزُ علي ثلاثة مقاطع مُتداخلة ومحبوكة بقالبٍ فنّيّ، وإنْ لم يتخللها فاصلٌ، بل نفس شعريّ، بدلالة استهلالٍ تأكيديّ( إِنه)، وأدوات توجّعٍ صريحة( آه) مُكرّرة في المقطعين الآخرين: الثاني والثالث من القصيدة. يقولُ في المقطعِ الأوّل:

إِنهُ البحرُ

فلتتسعْ شفتاكِ

وتمتدَّ أذرعةُ الشوقِ،

لاوقتَ للوقتِ بين الغريقِ

وبين ذراعِ المُقاتلِ.

مُستهلٌّ تأكيديٌّ- إِنَّهُ البحرُ- مُدهشٌ- مُرعبٌ-حسٌّ بصريٌّ ودهشة مُفاجئة، تُشبهُ حالة الحسد المُباغِتة، لِما يبدرُ من الإنسانِ حينَ سماعِهِ خبراً، أو رؤيتهِ لحادثٍ مُفزِعٍ طاريء- تتسعُ حَدَقة العين، لتطرأ تغيّراتٌ محسوسة علي الوجه مباشرة. إِنّهُ البحرُ:

تحذيرٌ ممّا خلف ذلك،إذ تتحرّكُ استعارةٌ مُموّهةٌ عَبْرَ صورةٍ غيرِ مَرئيّة- تَمتدُّ أذرعةُ الشّوقِ-كي تَنعمَ بخَفقٍ دافيءٍ، إِلاّ أَنَّ الوقتَ المضغوطَ بشكلٍ رهيبٍ( لاوقتَ للوقتِ) لحظة اختزالٍ خارقة، وتكرارٌ تأكيديٌّ، وقالبٌ جماليٌّ أو محوٌ للزمن- نسفٌ للزمانِ- الذي لايُسمحُ للتباطؤ بهِ في أقصي حالاتِه لحدودِ الغفلة.

ويقولُ في موضعٍ آخر:

يُدافعُ عن زُرقةِ البحرِ

” إِنَّ دَمَ البحرِ أَزرقُ”

إنَّ التَّدفقَ الشّعريَّ يتواصلُ ليُكملَ مداراً آخرَ، ويَظهر واضحا” في سطورِهِ المتوالية ،والذي أغني جسدَ القصيدةِ بحالةِ التَّكرار ،التي ضاعفها الشاعر، وكما في مفردةِ (الاتساع) والتي رتبها ثلاثَ مراتٍ، مع تغييرٍ في ترتيبِ الحروف (فتتسع – إتسعي – فاتّسعي)، المذكورة وفق هذه المقاطع (فلتتسع شفتاكِ) و (إتسعي مثلما جسدي فوق هذي المياه) و (فاتسعي مثلما جسدي فوق هذي المياه) .

وكما قلنا إِنَّ هذه القصيدة برمتِها ترتكز علي ثلاثة محاور رئيسية في بنية القصيدة – كذلك فإِنَّ هذه المفردة توافق نشوء هذه الركائز، وأعمدتها بناء” علي اختلاف بسيط بترتيب حروفها قليلا” .لقد ناورَ الشاعرُ بالمفردةِ الأُولي بصيغةِ الأمر تارة، وبالالتماس أخري، وأَبقاها بأخري حرةً علي هداها … فلتتسع، ثم أكد الأمر مع شئ من المطلق النسبي (إتسعي)، ثم التأكيد المحفز (فاتسعي). ويمكنُ أنْ نقول: لقد ركَّز الشاعرُ علي هذه المفردة التي جاءت من سعة سطح المياه أو الأصل (الجسد – الروح) هو الماء ، للدلالة علي التذكير وللقدرة علي المطاولة عبر هذا الهباب اللامتناهي ،كذلك لهذا الاتساع لون – هو الأزرق – المكرّر ثلاثَ مراتٍ صراحة في سطور القصيدة ذاتها – إن دم البحر أزرق – إن دم البحر أزرق – ليبقي دم البحر أزرق .

تُظهر المماثلة للبدائل عن اللون في هذا الاتساع – إنه البحر – أنَّ فيه تأكيداً وتحذيراً من انغمارٍ علي سطحه أو الولوج إلي أعماقه ، والآن – ربما نوفّق لو وجدنا وجه الشبه

والمقارنة بين البحر والحرب – كلاهما يحتوي علي الحروف المماثلة (ب – ح – ر) وللمناورة في الترتيب يظهر الاختلاف والمعني، لكن التشابه باقٍ

في النفس الشعري الآخر يصرخ بتوجّع أخّاذ، يقول :

آهِ ســـيّدتي

كان سيلٌ من الدمِّ يزحفُ نحوَكِ

في الليلِ،

وكنتُ أُحاولُ أن أتّعري عن الموتِ

تحتَ بنادقِهِم

لأضمَّكِ .

الليل – الستر ، لكنه احيانا” الفضيحة – الغدر المكشوف وأغلب الجرائم مردها الليل – جنح الظلام والشاعر يخاطب بيروت – سيدتي كونها لؤلؤة المدن يحتضها الجبل والبحر والخضرة – يفديها بأغلي الثمن – كانت مضمخة الجراح وحاول جاهدا” قتل (الموت بالموت) تحت نيران البنادق ليضمها إضمامة لهفة أبدية . ويستمر العاشور تدريجيا” في التقاط صوره من بين أغصان الأرز والموال اللبناني – كانت هي بالمثل ذات حنان رؤوم عاش بين أفيائها ردحاً” من الزمن الصاخب، غريبا” فكانت ملاذا” له وأُمّا” ووطنا” تمسح عن جبهته مشاعر الغربة .كلُّ هذا ومشهد الدم لا يفارق مخيلته – تناستْ هي الجراحَ، واستمرَّ جريانُها يتناسلُ جروحا” أُخري ، فصار دمُ البحر أحمر، ولنشهد في هذا المقطع التواصل مع ما سبقه من أسطر النص :

ولكنّني ، حين سحبتُ من الموت عمري

تناسيتِ سيلَ جراحي

وحضنَ حنيني

فقادوكِ في الليلِ ، للبحر ، عاريةً

تتناسلُ فيها الجراحُ

فصار دمُ البحرِ أحمرَ .

تتوالي المشاهد المستكينة لسيدة العاشقات ومخاطبة الشاعر لها بالتسميات اللائقة بهذه الضحية المعشوقة علي مر العصور، يخاطبها بالعلن وبالاسم الصريح :

آه بيروت

سيدةَ العاشقاتِ

علي فوَّهاتِ البنادقِ علَّقتِ قلبي

وصرتِ علي شفةِ البحر جاريةً

يتسلّي بلعقِ دماها الطواغيتُ؟

حقا” إِنّهُ استصراخٌ موجع ، مع غصة خانقة لثائر أَعلنَ الحرب من جانبه فقط لصالح الجمال وضد كل من يقف عائقا” بوجه الحس والعشق وروح الورد ، ولكنَّ المعشوقةَ التي تئنُّ تحتَ ضغوطٍ عارمة تكادُ تُصابُ بالخذلان، ولكنهُ يُصرُّ علي إِعادتها إلي الحقيقة:

بيروتُ ، بيروتُ

إن دم البحر أزرق

فاتسعي مثلما جسدي فوق هذي المياه

يطاول أَغلالهم بهواه

ليبقي دم البحر أزرق

تجلت ظاهرة التكرار ثانية للتأكيد والتضخيم والإفادة في تجسيد المأساة، أو ربما التنويه المقصود رغم كل الصعوبات التي طرأت علي رحلة العاشق المضنية أو مغامرة للمعشوق والمخاطر التي سيواجهها ، إلا أنه أبي إلا أن يبدأ بغارة في عقر خنادقهم المسلحة كي تبقي بيروت عروسة الشاطئ وتبقي الحياة .

إِن جمالية القصيدة تكمن في أنساق ثلاثية – ارتكازها علي مقاطع ثلاثة كما ذكرت، تصلح لأنْ تكونَ نصاً مضغوطاً وكالآتي :

إنّهُ البحرُ …..

آه سيدتي …..

آه بيروت …..

أي أَن العاشق الصوفي مدرك لمخاطر البحر، وكأنه قبطانٌ مغامر خاض لحج البحار وعرف الكوارث فيها ،فضجّت بداخلِهِ هذه المناداة بما ستتحمّله بيروت الذبيحة – حتي التحذير ينبئ بوقوع كارثة متدرجة للمأساة رويدا” .. رويدا” .. بدأ باستحضارات الواقعة ، إنه البحر – إتسعي – يدافع عن زرقة البحر – حالة استلهام ، ومن ثم الدخول في معركة فاصلة للذود عن المعشوقة آه سيدتي – سيل الدم- تناسيت سيل جرحي – فصار دم البحر أحمر ، بعدها انجلاء الموقف العام باستراحة – هدنة – آه بيروت – سيدة العاشقات – جارية يلعق دماها الطواغيت – ليبقي دم البحر أزرق ، حيث كلمة (يلعق) تأتي في نهاية الاحتدام ، بعد تقدير الخسائر .و كلما عاودنا قراءة القصيدة

تظهر تموّجات ونمو بأعماقها أمام رؤي جلية لظاهرة التكرار الجمالي من حيث اللون والحجم .

إن دلالة اللون الأزرق ترمز إلي السموّ والرفعة وعلو المكانة والهمة والصفاء المطلق والشعور بالاستقرار، كما هو سطح الماء يوازي مماثلاً له فيه السماء . لم يأت التكرار في شعر العاشور زينة و تزويقاً أو إطالة، بل عن مخاض شعري اقتضته الحالة التي مرَّ بها بالمشاهدة اللحظوية من ناحية الاستلهام، لثقافته المكتنزة التي أهلته لألفاظ بصياغة عالية وظّفها بروعة وجمالية .

إِنَّ مفردات الشاعر رصينه برقتها، مثقله بمعانيها، تنساب مع مشاعره الذاتية ، ولذلك جاءت سليمة لا تنوء بتعقيد، ولا يشوبها نوع من الغموض والافتعال ولا يؤذيها ضعف أو هلهلة نسيج، وذلك مُستمدٌّ من ثقافة عميقة وصلة قوية بالموروث واهتمامه بالتحقيق منذ بداية السبعينات ، لكنه كتب الشعر في زمن مبكر، وكانت أولي قصائده تعود للعام 1965 – في شعر التفعيلة – انه شاعر ستيني عاصر رواد شعر الحداثة في بيئتها الخصبة (البصرة) .

وفي الختام أود أن أذكر بأن الشاعر وصف بيروت بالأنثي الأجمل وتوقّع مسبقا” باستباحتها، بدليل أنَّ تاريخ كتابة القصيدة في 23أذار/1976 وبداية نشوب الحرب

الأهلية في لبنان 13نيسان 1976، وذلك للإرهاصات التي شعر بها قبل وقوع الكارثة إِذْ عاصر المحنة هناك .

العاشور في شعره يمتلك الحس العالي بمعني أَّن له حاسة سادسة – ثم يأتي دور الحواس الأخري لما يظهر في انفعالاته ، وهو موفّقٌ إِلي حدٍّ بعيد كشاعر حداثوي رغم ابتعاده عن الأضواء، لكن نقاء القصيدة لديه أهمُّ مايملكه من إِرث في هذه الحياة، يُطابق الزرقة التي ينشدها من جسد البحر .