عبدالحق وفاق:

 

شَهِد الشعر المغربي الحديث والمُعاصِر، من بِداية الستينيات إلى الآن تَطورا مُهما وتحولا كَبيرا في النظُم والأنساقِ المُتعلقة بقرض الشعر. هذا التحول الذي عرفته هذه التجربة الشعرية، هو امتداد أسهمت فيه التيارات الأدبية والشعرية التي سَادت فترتَيْ الثلاثينيات والأربعينيات من القرنِ العشرين. فالمشهد الشعري الحديث في المغرب، خلال هذه المرحلة الزمنية يَكتسب مَفهوما خاصا، يتشكل بالموازاة مع تطورِ الوعي المغربي، في ظل تحولات ثقافية واجتماعــــية وفكرية وأدبية، كانت كفيلة بتشكيل مفهومٍ للشعر المغربي خَلصَهُ من اعتباره مجرد أداةٍ للعلوم الفقهيةِ واللغويةِ والبلاغيةِ، إلى أُفق تعبيري جمالي صِرف، بِصُور وتجليات متفاوتة، تختزل الذات والعالم، تشمَل الحاضِر وتَستشرف المُستقبل.
وفي سِياق الازدهار والتطور الذي وَسَمَ القصيدةَ المغربيةَ المُعاصِرة، بدأت تلوحُ في الأفق إشكالات الكتابةِ والتجريبِ. ومن المفاهيم التي أفرزها «الشعراء الشباب» أو «قصيدة الشباب» أو «شعر الشباب» على اختلاف التسميات أمام المُسمى نَفسه، وهو ما يَطرح السؤال بِحِدة، خاصة مع تتابع الكتاباتِ النقدية الموازية و«المُتواطِئة» مع هذا الإفرازِ الجديدِ الذي يَجعل من الشعر مفهوما مُلتبِسا يُسيءُ إلى التجربة الإبداعية كَكُل.

مفهوم ملتبس

يقول محمد عدناني: يعاني مُسمى (قصيدة الشباب) من كونه مفهوماً ملتبساً يُسيء للتجربة ويُضيف إليها تناقضات أخرى، لأنه يجمع في تركيبته بين مفهومين متناقضين؛ أحدهما فني ولا زَمني (القصيدة)، والآخر يَخضَع لسُلطة الزمانِ ولا يُحدد قِيمةَ الشعرِ (الشـــباب) ما يقودنا إلى التساؤل بأكثر من صِيغةٍ: ما الشعر إذن؟ وهل هناك زمن شعري؟ ثم كيف ستستطيع القصيدة أن تَقف ثابتة في زمن أُفول مرحلة شبابِ كُتابها؟ وهل بإمكان الشعراء كِتابة الشعر بعد مرحلة شبابهم في كهولتهم؟ إذن فالمَشهد الشعري المغربي المُعاصر يَطرحُ أسئلة جديدة، تَمس إشكالات الكتابة ومستويات الإبداع والتجريب، في مَجموعةٍ من المَجاميعِ الشعرية على مُستوى البناءِ اللغوي والإيقاعي والدلالي، التي بدأت تلوحُ بَعد مرحلة التأسيس مع الرواد، بدءا من فترة الثمانينات، وهي الفترة نفسها التي شَهدت تَبني قصيدة النثر مع ثُلة من الشعراء، نَذكر منهم على سَبيل المثال لا الحصر، محمد بنيس، سعد سرحان، أحمد بركات، وفاء العمراني، محمد بنطلحة، أمينة المريني، صلاح الوديع وغيرهم.
ومما يلفِت الانتباه في عمليات القراءة للمُنجَر الشعري الإبداعي المُعاصِر، شعرية جديدة أصبَحت تستَهوي كتيبةً من الشعراء «الشباب» إلى مَناحِي الخَلق والتجريب، وهَدمِ القوالبِ الشِعرية والأشكالِ المُعتادة، أَسميناها «شِعرية الذات والتشظي»؛ إذ إنها شِعرية جَديدة تَقوم على أسئلةٍ تتمحور حول الذاتِ الشاعِرة، وتَمس ما تطرحه من تساؤلات قَلِقَة تكشف عُمق التحول الذي تَعيشه وغُربتها في الزمان والمكان والكلمة والتجربة ككل، وهو ما يجعل شِعْرَ هذه المرحلة بالذات يعيش تفاوتا في الإبداع وتباينا على مستوى الرؤية، وتشَظيا وانشطارا على مستوى الكتابة. لاسيما وأن النظر إلى الشعر المغربي المُعاصِر مُرتبط بِجُملة من الشروطِ المجتمعيةِ والثقافيةِ والسياسية والفكرية الأيديولوجية التي تُوجه أحيانا لا وعْيَ الكِتابة.

الحساسية الشعرية الجديدة

يُسمي الباحِث أحمد العمراوي هذه الشعرية الجديدة في مقال له «بالحساسية الشعرية الجديدة في راهن الشعر المغربي» المتمثلة في كل جديد ومٌغاير للجاهز، الذي قد يكون جاهِز الشاعر نفسه، هذه الحساسية حسب تعريفه.. هي رُكوب مغامرة تَقِف على الهاوية بين ما نسميه شعرا، وما يتعارف عليه بالنثر في إشارة إلى «قصيدة النثر»، الحلم والحرب، الحب والموت، الشعر والجدار، اليومي والمعيش والمستقبلي، كلها ثنائيات تشكل مع غيرها هم الشاعر الحديث في المغرب، فالشاعر يبحث عن ذاته الشعرية في زمن يُوسَم باللاشعر. يجرب، يتجاوز، يقتحم، ويعيد القصيدة إلى بهائها الهائل بما يستطيعه لا بما يرغبُ فيه. ولعل هذا المَنحى الجديد مَدين لتجربة الرواد التي اجترحت مسالك المغامرة الإبداعية لتفسحَ المجال لشعرية جديدة مُجَددة ومُفعَمة بالخلقِ والإبداعِ.

مشكلة زمنية الإبداع

في المُقابل نَرى ارتباطَ القصيدة «الشبابية» بفترة محددة من العُمر لا يثبت قُدرة الشاعر وانتاجَه في مراحل أخرى من العُمر، خاصة أن الإبداع في عمقه لا يُقاس بالزمن أو بالمكان، إنه كما يقول نجيب العوفي في مؤلفه «ظواهر نصية».. «دورة فلكية روحية تواجه الدورة الفلكية العادية وتحتويها». وأنه مفتوح على إشكالاتٍ ذاتية ووجودية أكثرا تجردا من قوانين الكِتابة. ناهيكَ عن كون هذه التوصيفات المِعيارية الفَجة لا تُقيم اعتبارا لمفهوم «الإبداع» الذي يظل بمنأى عن أسوار»المُجايَلَة أو «الزمن»، بالقدر الذي هو في حاجة ماسة إلى المقاربات النقدية الموازية والخلاقة الكفيلة برسم معالم الإبداع الشعري، الذي لا يَحشُر نفسَه في أشكالِ «شُبهَة الإبداع والانتماء الشعري»، بل أكثر من ذلك فـ»التسمية» التي تثير لغطا فجا يجمع تناقضات ما هو زمني بما هو إبداعي، لَن تجد نفسَها قادرة في المُستقبل على الثبات والاستمرارية في حَلَقة الشعر. وما دام المفهوم مُتداولا والحديث عنه قائما منذ فترة الثمانينيات، والإشكال مَطروحا في أكثر من مناسبة، نستطيع إذن أن ننتصر للإبداع الشعري، وللقصيدة حقا. كما نستطيع أن نقول بفظاعة الالتباس وسذاجة الاسم الذي يُبخس القصيدة ويجعلها متآكلة، بعد انقضاء وأُفُولِ مرحلة شباب شاعرها. ثمة مفاهيم أخرى إلى جانب «قصيدة الشباب» تحتاج إلى إعادة النظر، لِقُصُورها دلالة، لما تَطرحه من التباسٍ في الفَهم كـَ«الجيل الشعري»، و«الزمن الشعري» مثلا. وقد اعترف نجيب العوفي بأن مفهوم «الجيل الشعري» مُلتبس وغير قاطع ولا دقيق وزئبقي، وبالتالي يقترح بديل «الحساسية الشعرية» التي لا تُعبأ بالزمن ولا تتغير بمرور السنين.

التشظي والانشطار

وأمام هذه الآراء النقدية بخصوص «قصيدة الشباب»، نُؤكد أن هذا الشكل الشعري بالإضافة إلى ما ذكره الباحثون، يعيش «تشظيا وانشطارا» على مستوى «الماهِية» و«الكِتابة» أيضا، وأعني بالماهِية؛ الاسم بالأساس المُتصدع في رُكنيهِ، والكِتابة؛ ورؤية الشاعر التي يَسِمُها انفلاتُ المَعنى و«انشِطار» المواضيع، و«تشَظي» ذات الشاعر في المُبتَذَل اليومي، عبرَ الخوضِ في متاهاتِ الاستِشكال اللغوي والتغامُض المَجاني في الكِتابة. وهنا لا يمكن إلا أن نُشير إلى بعض الإبداعات الشعرية التي تنأى عن هذا الابتذال، لتَحتفي بالشعرية التي تُسائِل الذات والعالم، عبر لغة فذة، وصور يجمعها ما هو تعبيري بما هو جمالي وتصويري، يجعلها تتسم بنوع من الفرادة في الإبداع، والقوة في التعبير، والجمالية في التصوير.
وفي هذا السياق تحضر عناوين كثيرة لبعض الدواوين التي تمثل هذه الشعرية الثاوية في أسئلة الذات، نمثل لها لا على سبيل الحصر، بـِ «بملء الصوت» لإدريس الملياني، «قليلا أكثر» لمحمد بنطلحة، «هذا جناه الشعر عليّ» لعبد السلام الموساوي، «أحفر بئرا في سمائي» لمحمد الصالحي، «هبة الفراغ» لمحمد بنيس، «أنظر وأكتفي بالنظر» لعبد الرحيم الخصار، «حيرة الطيف» لأحمد زنيبر، «لي جذر في الهواء» لوداد بنموسى، «أيها البراق» لعبد الكريم الطبال، «أناديك قبل الكلام» لإبراهيم قهوايجي، وغيرها من العناوين الأخرى التي تحفل بشعرية المعنى، ولا تبغِ الغوص في فراغات الأسئلة المؤدية إلى ذات الابتذال والاسشكال اللغوي والتعبيري.

أسئلة الذات وانشغالاتها

في سياق يُعبر عنِ قلق الذات وانشغالها بأسئلة الكينونة وقضايا التشظي، نجد محمد بنطلحة دائم البحث عن منطق الهزيمة في ظل الحقيقة، حيث يقول:
على الورق،
هزمت
وانهزمت
وفي الحقيقة، لم أكن أنا من ذهب
إلى آخر الأرض
لم أكن أنا صاحب الجبروت
وإنما ظلي.
وانشغالا بروح السؤال، يسائل عبد الكريم الطبال شبح الهواء، وهو يقود الذات الإنسانية قسراً حيث لا تشاء، يقول:
يا أيها الهواء
ماذا تقول أنت
فيك
يا شبحا
تشرب من أحداقنا
تأكل من أعضائنا
تمشي بنا ونحن لا نشاء
غير بعيد عن هذا، يتهيأ لمحمد بنيس صمتا ممسوسا نشويا، يُلطخ صفو رغبته في الكتابة، ويجثم على المعنى في قصائده، يقول:
حين ألاقي جسدي الطافح في بلل الشيء
الخالص
وتجاويف الكلمات
يتهيأ لي أني أتوضأ بالصمت
الممسوس
وبالصمت النشوي
تنحل اللطخات
في ماء الرغبة
ينسل سديم كان يقول
لا تكتب
شعورا بقانون هذا الانشطار الذي أشرنا إليه، يوجه إبراهيم قهوايجي الخطاب على وجه النداء للنور، طلبا للخلاص من التباس هذا الانشطار الذي يجعل كله للشيطان وبعضه ملاكا. والحال أن الانشطار حقا؛ فلسفة للرؤية إلى الأشياء والموجودات على غير صورتها النمطية المعتادة، يقول:

لذاتي انشطار
كلي للشيطان وبعضي ملاك…
فيا أيها النور
خلصني من التباس
هذا الانشطار..
وهبني في سفري
من جسدي المتهالك
ضوء إليك في كل
الدروب
والمسالك
وختاماً.. نجد أن «قصيدة الشباب» في الشعر المغربي المُعاصر، بما يَعتَوِرُها من إشكالات والتباسات وتناقضات مِفصلية، وبما تعرفه من غزارة كَمية في تَناسُل الدواوين الشعرية، تَضعُ نفسَها في ســــــؤالِ حَـــد مفهوم الشعر؛ وهو غِياب المَعنى، إضافة إلى المغالطات التي تَحمِلها والتي تَجعلها غير قادرة على قانون التوازن وقوة الثبات والاستمرارية أمام مَد النقد الخلاق وحياده الموضوعي.

٭ باحث من المغرب

http://www.alquds.uk/?p=773091