لانغستون هيوز: الشعر وتحديات اللون

د. سعد البازعي

مجيء باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية لم يخطر ببال أكثر المتفائلين – أو حتى المتشائمين – قبل سنوات قليلة، ناهيك عن أولئك الذين تأملوا وضع الأمريكيين السود قبل ما يقارب القرن. لكن غياب التفاؤل لم يعن غياب الاعتزاز بالنفس أو الكبرياء الإثنية، فمن يقرأ الأدب الأفرو أمريكي سيجد الكثير من ذلك مثلما سيجد تحديات الانتماء وصعوبات الحياة الاجتماعية نتيجة التمييز العنصري.

أحد الشعراء المهمين في تاريخ الأدب الأمريكي، المهمين بغض النظر عن اللون أو العرق، هو لانغستون هيوز الذي جاء من خلفية أمريكية سوداء وترك أثراً مهماً في تطور القصيدة الأمريكية بشكل عام. لكن الأثر الأدبي الذي تركه هيوز يظل مرتبطاً بالإشكاليات التي نجمت عن انتمائه العرقي أو الإثني فقد كان من أوائل، أو ربما أول، الشعراء الأمريكيين الأفارقة في استثمار ذلك الانتماء في تطوير خطاب شعري متميز وذلك على عكس شعراء آخرين من الانتماء ذاته لكنهم آثروا أن يكونوا أقرب إلى الموروث الأمريكي الأبيض أو الأنجلوسكسوني منهم إلى انتمائهم الإثني بما يزخر به من ثقافة ومكونات سياسية واجتماعية واقتصادية.

ولد هيوز عام 1902 وتوفي عام 1967 واستطاع ما بين التاريخين أن يترك عدداً من الأعمال التي تتنوع بين السردي والشعري، وقد اخترت له في هذه المقالة والتي تليها نصين تتبين من خلالهما بعض السمات الشعرية المميزة فنياً وثقافياً. لكن قبل ذلك أشير إلى أنه عاش وضعاً اجتماعياً صعباً وذلك لأنه لم يكن أسود بالكامل وإنما كان بين أجداده بيض وهنود الأمر الذي انعكس على لونه الذي كان بين البياض والسواد، وهي مشكلة عانى منها عدد من الأفرو أمريكيين كان من بينهم كتاب حولوا تلك المشكلة إلى أعمال روائية وشعرية مهمة. وبالطبع فإن تلك المشكلة هي من بين ما واجهه أوباما عند ترشحه للرئاسة، فالسؤال الذي يثار بشأن هذه الفئة هو إلى أين تنتمي اجتماعياً وثقافياً فهم ليسوا سوداً خلّص ولا بيضاً خلّص. غير أن ذلك الوضع المتأرجح ظل دائماً ينحسم في النهاية وإن على نحو غير مقنع تماماً في صالح أحد اللونين وهو الأسود. ذلك هو ما حدث في حالة هيوز وما يحدث في حالة أوباما الآن.

هذا الانتماء القسري إلى حد ما حوله الشاعر هيوز إلى انتماء اختياري بل ومتعالٍ في نصوص شعرية مؤثرة تحمل صوراً ذات أصالة شعرية واضحة. فهو في قصيدة تعود إلى عام 1926، أي إلى بداياته، يؤكد اعتزازه بانتمائه الأسود أو الزنجي كما كان يسمى في ذلك الحين وعلى نحو تحقيري من جانب البيض. القصيدة بعنوان «يتحدث الزنجي عن الأنهار»:

لقد عرفت الأنهار:

عرفت الأنهار القديمة قدم العالم والأقدم من تدفق الدماء البشرية في العروق البشرية.

 

سبحت في الفرات حين كانت مطالع النهار شابة،

بنيت كوخي قرب الكونغو وهدهدني لأنام.

نظرت إلى النيل وأقمت الأهرام فوقه.

سمعت المسيسيبي حين ذهب أبراهام لنكولن

إلى نيو أورليانز، ورأيت صدره الطيني يتحول ذهبياً عند الغروب.

لقد عرفت الأنهار:

الأنهار القديمة المعتمة.

إن روحي الآن بعمق الأنهار.

ما نقرأه هنا هو جزء من الثقافة ألأفرو أمريكية بكل ما تنطوي عليه من كبرياء مقاوم للاضطهاد وأساطير تناهض العنصرية. يعلن هيوز انتماءه ليس إلى افريقيا السوداء، افريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، كما تعرف عادة، وإنما إلى شمال افريقيا، مصر تحديداً، بموروثها الحضاري الضخم. فهو الكونغولي والمصري، النائم بجانب نهر الكونغو والواقف إلى جانب الهرم، وريثاً لكليهما. لكنه في الوقت نفسه وريث المسيسيبي، نهر الجنوب الأمريكي الذي لا ينفصل تاريخه عن تاريخ ولايات الجنوب بما ينوء به من عبودية تمفصلت ورسخت في النسيج الاجتماعي لتلك الولايات وبنيتها الاقتصادية زمناً طويلاً.

لكن قصيدة هيوز تؤكد أيضاً انتماءه إلى الطبيعة، إلى ما يتجاوز المجتمعات البشرية، إلى الأنهار بما هي رمز للقدم والتدفق والخصوبة، وهو بهذا يضع قدميه على شقي الوجود الإنساني، الشق الحضاري للعالم القديم، إفريقيا، والشق الطبيعي للبشرية كلها. كما أنه في الوقت نفسه يمد انتماءه إلى العالم الجديد من الحضارة الإنسانية، فهو ابن المسيسيبي مثلما هو ابن النيل والكونغو، ولعل هذا يخفف من غلواء البيض الأمريكيين الذين لا يستطيعون ادعاء الانتماء إلا إلى ما هو أقل من ذلك بكثير.

تتميز قصيدة هيوز من الناحية الشكلية بقدر واضح من التناغم بين الشكل والمضمون، بين الأسطر الشعرية التي يغلب عليها الطول وموضوعة الأنهار، فالملاحظ هو أن الشاعر يمد الأسطر وبالتالي نفس القارئ في مجمل النص ثم يقصر ذلك في بعض المواضع على نحو يذكر بتعرجات الأنهار بين الامتداد الطولي والاتساع حيناً وضيق المجرى حيناً آخر. قراء الشعر الأمريكي قد يتذكرون هنا قصائد أحد رواده الكبار، والت وتمان تحديداً، صاحب الأسطر الشعرية الطويلة والقصائد ذات الغنائية العالية لاسيما قصيدته المشهورة «أغنية لنفسي» حيث تتربع الذات على القصيدة كما لم تتربع من قبل. هنا يبدو هيوز وكأنه يضع نفسه موضع المنافسة مع شاعر أمريكا الأنغلوسكسونية، أمريكا البيضاء ذات البعد الأوروبي، كأنه يقول إن روحي الإفريقية الأصل لا تقل تجذراً وامتداداً ولا اعتداداً بنفسها عن روح وتمان البيضاء الأوروبية.

 

 

http://www.alriyadh.com/407303

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *