تبادل الأمكنة في بيئاتٍ مغايرة

 

كتب عدنان أبو أندلس :

ما يثرنا بالدهشة ، ولأول وهلة ونحن نتصفح الكتب الصادرة,هو عنوانها إذ يشكل في مخيلتنا نصف ما نبتغيه من ضالتنا المنشودة إلى تحقيق ما نصبو إليه أي العنوان الذي هو مفتاح اللغز الذي يحيرنا,لكن طالما نسترسل بقراءة الصفحات الأول من أي إصدار ما ، حتى تتفا جئ وتعود تحدق مجددا في صورة الغلاف…

هذا ما سايرني طوال تصفحي الكتب المطروحة على الأرصفة ورفوف المكتبات,لكن الصيغة غير ذلك.. والموقف تكرر حينما أهداني القاص فهــد عنتــر الدوخــي روايته الأخيرة “آدم لا يشبه جدهُ” الصادرة عن مكتب الحرير للطباعة- كركوك2008.

ذهبت بي الذاكرة الأسترجاعيه إلى سفر الخليقة والتكوين ونظرية العالم (غريغور مندل) وصولا إلى(داروين)… فمن هو آدم وهو ما يثير الجدل من كونه عنوانا حدده القاص ومضى يسترق همس المتلقي, إذ أن دلالة العنوان” آدم لا يشبه جده ” المتخفية بـ لا النافية والتي تنفي وجود جد لآدم هذه أللعبه مارسها القاص لأ استدراج القارئ نحو متاهة بلا حدود قد تتسلسل أمامنا عتمة ليل لا يرجو من جذوه لو تسرب الضوء لمخيلتنا رويدا,رويدا هذا ما أوهمنا الكاتب لحظتها في عنونة الرواية والتي سردت في بيئة تتميز بخصوصيتها وخصوبتها من حيث المد الثقافي لانفتاحها على مستويات ألحكي التلقائي والتي طعمها بموروث لحضارة آشور الماثلة للعيان أبدا، إذ أستلهم من رئتها طعم الهواء والتراب, ومسميات تاريخيه قديمه مثل(سنطروق,عربايا, تراجان, نستاسيا,توبولســــك

تايتنك,رومانوف,نابولي) كذلك مسميات أخرى بعيدا عن البيئة ومخالطه وتبادل الأمكنة, قد يستدل بها القارئ مجانسة لمواقع قد حدثت هنا ولها بدائل هناك مثل(كابري, بيليه, تريزا هلسـا,

رند, ريفدور) وغيرها لتضيف للرواية بعدا آخر تتخطى محليتها المغلفة أضافه إلى إعطاءها لمسه تاريخيه, وتأثيثا خارج محليتها لما للقاص من تلاقحات ثقافيه بدأ منها بأحد الشخوص هو( آدم ) السوداني محور الرواية ومموها واستهلالها بتلك البيئة( الشرقاط) الزراعية القابعة على خاصرة الخير وبقلعتها الشامخة المطلة على نهر دجله تذكره بمدينة(كردفان) المعانقة لنهر النيل وكما يقول في صفحه 5( كان آدم السوداني الذي يشبه ظله يعد نفسه جزءا منها) التجانس في اللون بين آدم الفحام والنسل الأسود أي أن آدم لا يشبه جده بل يشبه ظله,, وكذلك قوله في صفحه7( أنها ببساطه حرفة مجالسنا الممتعة رغم قدوم آدم السوداني الذي لا يشبه جده أطلاقا)..

أن آدم قد تجانس كليا مع النقلة الجديدة إلى هذه البيئة رغم سحنته فتراه محملا بالطيبة والصدق لا يعكر صفاء ذهنه إلا بعد حبيبته(فتحيه) ذلك الاسم المتوحد في قلبه..

أن الرواية واقعيه بطبعها وبطبيعتها وشخوصها وسر دياتها التي أضفت عليها الطابع الواقعي الوصفي المطبق بحذافيره وكما في صفحه13 من النص(قصدنا مسكنه وسط القرية,فوجدناه في شبه غيبوبة في غرفه مبعثره ورائحة الخمر تعج من أركانها وبقايا طعام وقطط تتراقص على كتفه فأبدينا امتعاضا وأسفا شديدين), إن الوحدة والوحشة تبتكر في الإنسان, المؤانسة, الموائمة حتى مع الجماد كي لا يبقى يصارع أفكاره ولا يستبعد من آدم تعاطيه الخمر وتربية القطط في ذلك الزمان والمكان, وكما يبدوا فانعكست إفرازات سنوات السبعينات من القرن المنصرم لما لذلك العصر من انفتاح وتجانس في الرؤى وتبادل في الأمكنة وتعانق وائتلاف في بيئات متغايرة نوعا ما أي التبادل المكاني في الموروث والراهن, لهذا سعى الراوي إلى توثيق الحالة التراثية في مجتمع وبيئة تتميز بخصوصيتها متجها بذاكرته إلى أنقاض الحلم الذهني الذي عاصره بواقعيه سردية اقرب إلى القصة منه إلى الرواية إذ غاب عن ذهنه تبويب فصولها ومحاورات الأشخاص فيها كانت مختزله غير أنه زج بقصيده نثريه طويلة كان بوسعه أن يتفاداها وأعتقد ربما لو أختصرها لأعطت دلاله أوضح لبيان الحالة, ولأضاف إليها رونقا بهيا كأن يقول( كنت معجبا بعينيها الذابلتين ولم أسرها بشيء)..

يسترسل القاص في نسيج الرواية المحبوكة بطعم القصة السردية أي إن السارد يحكي والمتلقي يصغي وكما في قوله ( غريب نفسه يوزع المشوي ويرمق الساهرين بعينين نصف مفتوحتين من أثر دخان السيجارة المرصوصة بين شفتيه) هذا النص المزدحم بانشغالات مكثفه ومتشعبا بعمله الدءوب لجمعه الأحبة والخلان في هذا الحشد الشبابي آل على نفسه أن ينسى مابين شفتيه من نشوه أخرى.

أما في تبادل الأمكنة فالقاص ولع في الوصف وما عرف سجية معاصريه من أهل القرية بإغراءات الزواج للبنت التي أبهجها الوصف حينما كانت طفله( أن هذه القرية هي ذاتها التي قرأت عنها في كتب الدراسة الابتدائية فظل خيالها يلامس جريان الماء في الجداول ويطرب لتغريد الطيور في الحقول صفحه90 .

وفي مكان من الرواية يستطرد القاص حالات التيه في البرية على حد قوله(تعالت الأصوات وهرع الناس باتجاه البرية وهم يحملون مصابيح يدوية وأسلحه بدائيه,جماعات بحثا عن ثلاثة شبان) هذا التيه في أرض مفتوحة (صحراء) وهلع دائم(خوف) من ظلمه غادره,هذا التيه قد تطرق إليه الروائي (حسن مطلك) في روايته الشهيرة (دابادا) التي هزت الأوساط الأدبية بلغز عنوانها وغرابة طرحها في نفس المكان تقريبا..

أن تفاعل الشخصيات ومسيرة الأحداث قد شكلت خلطه متجانسة لكثرة التواصل والتحرك في سرديات وصفيه ملمحا عن هدوء ذهني للحدس والتوقع عما سيؤول إليه مصير الشخوص مستقبلا وعبر هذا الهدوء يتخفى القاص في ظل كل شخصيه من شخصيات روايته المعاصرين له في كل حدث-مكان ثابت- زمن متغير- تبادل الأمكنة وفق عصر يدب فيه التغيير لمتطلبات الحياة الآتية.