رزان إبراهيم:

 

لا يمكن الخروج من قراءة « انقطاعات الموت» للروائي المعروف خوسيه ساراماغو، دون الوقوع تحت وطأة قدرة تخييلية مهولة، لم يكن القصد منها إبعادنا عن الواقع بقدر رغبة لافتة في تدريب أخيلتنا على التحليق فوق هذا الواقع، من خلال اجتياز حدود الممكن والمعقول معا، ومن ثم الدخول في إسار تمارين جادة للتفكير والتأمل، بالتوازي مع غوص في خبرات فلسفية شاعرية عميقة وأبدية، تختفي وراء ما قد يبدو مظهرا سطحيا لعمل ممعن في الخيال.
ماذا لو؟
ماذا لو اختفت حالات الموت في عالمنا الذي نعيشه؟ وبحس ساراماغو الأسطوري يأتي السؤال من خلال آلهة مسؤولة عن قص خيط حياة البشر. ماذا لو قررت هذه الآلهة أن تغمد مقصها؟ ما الذي سيحصل آنئذ؟ ألم يكن هذا السؤال في الصميم من حلم راود البشرية منذ بدء الأزمنة؟
خوسيه ساراماغو لا يكتفي بطرح السؤال، وإنما يفترضه حقيقة وقعت في أحد البلدان، يجول بنا فيها كي يرد على سؤاله بآخر، في ما إذا كان البشر سينعمون بحياة أبدية سعيدة على الأرض بمجرد انقطاع الموت؟ الرواية ترصد ما يحدث بأناة وتدرج يأخذاننا إلى أن ما نرتقبه من سعادة نتيجة انقطاع الموت، هو مجرد أكذوبة لا يجوز تصديقها. فها هي البلدة التي أوقف الموت نشاطه فيها آخذة شيئا فشيئا في الغرق في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. والرواية حبلى بتفاصيل تكشف أعطالا متتالية، تصيب قطاعات متعددة في الحياة فور انقطاع الموت، أبرزها الكنيسة، إذ أي معنى يبقى لها لو انعدمت فكرة البعث بما يترتب عنها من تبدد فكرة المخاوف الماورائية؟ فالكنيسة دون أدنى شك تحتاج الموت حاجة الفم للخبز. وبالمثل سيتضرر ممثلو الوكالات الجنائزية، ومديرو وإداريو المستشفيات، وكذلك دور المسنين، وشركات التأمين التي صار من الغباء مواصلة التعامل معها.
إذن الحياة بلا موت تلازمها توقعات كارثية، تتجاوز في خطورتها ما لا يمكن لأشد مخيلة هذيانية أن تتصوره، إلا أن الإنسان ـ كما تكشف الرواية ـ بطبعه البراغماتي قادر على البحث عن سبل تعوض هذه الخسارات الفادحة، تبدأ أولاها بالبزوغ مع أحد الأحياء الميتين، الذين لم يعودوا يرتجون من الحياة شيئا، فما كان منه سوى التوجه إلى ذويه، راجيا منهم أن ينقلوه إلى الجانب الآخر من الحدود، حيث ما زال الموت ساري المفعول، وهو ما يتم فعلا. تستشري من بعدها عمليات تخلص الأهالي من المحتضرين التعساء بالطريقة نفسها، ما يستحضر سؤالا أخلاقيا حول هذه الممارسة التي تعلن الحكومة ظاهريا أنها ستمنعها، مع أنها في العمق كانت تؤمن بأن التخلص من هذه الأعداد الكبيرة من الأحياء الأموات يخدم مصلحة البلاد، لأنه بكل بساطة يساعد على تخفيض الضغط الديموغرافي. ما كان على الحكومة آنئذ سوى إعطاء الأوامر لحراسها كي يغضوا النظر عن التهريب السري للمرضى، بل ونجدها تعقد الصفقة تلو الأخرى مع مافيا متخصصة يتم فيها التخلص من بشر لم تعد هناك أي حاجة لهم. عند هذه النقطة نقرأ هذه العبارة الدالة «عندما تمسك البراغماتية بعصا قائد الأوركسترا وتقود الفرقة الموسيقية، دون أن تهتم بما هو مدون في النوتة، سيكون مؤكدا أن منطق الدناءة المحتوم سينتهي إلى البرهنة على أنه ما زالت هناك بضع درجات وضاعة أخرى يتوجب نزولها». وعليه يزدهر عمل المافيا التي باتت تجتاز الحدود، وتدفن الموتى مقابل مبلغ طائل من المال، يتعاظم الأمر إلى حد الوصول إلى مرحلة باتت فيها المافيا قادرة على التفاوض مع الصناعة الجنائزية، من أجل تمويلها بالموتى، في حين تساهم الوكالات الجنائزية بالدفن. تمتد الفائدة لتشمل الطبيب الذي ينتظر المتوفى حتى يقول إنه ميت، أو لتقديم شهادة تدعي انتحار الميت كي يرفع الحرج عن أقارب الموتى.
المدهش في الرواية أن البشر داخل هذه البلدة المتخيلة، ما إن تكيفوا على ما هم فيه من انقطاع للموت، حتى تصلهم رسالة بنفسجية تخبرهم بعودة الموت من جديد مع منح المتوفى مهلة أسبوع كي ينظم ما تبقى له من حياته. أما لماذا يعود؟ فهو سؤال تجيب عنه (الموت/ المنية) ذاتها التي تظهر شخصية رئيسية في الرواية تكتب الرسائل وتقتل، وفي هذا تقول: «نيتي كانت أن أقدم لهذه الكائنات البشرية التي طالما مقتتني أنموذجا صغيرا على ما سيعنيه بقاؤهم أحياء دائما»، وبالتالي كانت التجربة بحد ذاتها بمثابة اختبار لكيفية التعامل البشري المتقلب ما بين وجهتي النظر الأخلاقية والبراغماتية. والحال أن (الموت/ المنية) تعترف بالخطأ الذي تتحمل مسؤوليته وتعلن عن العودة الفورية إلى الحالة الطبيعية، وبالتالي فإن كل من توجب موتهم ولكنهم لم يموتوا سينطفئ قنديل حياتهم مع منتصف الليل، لتعود البلدة من جديد إلى أعظم خوف في قلوب البشر. ما الذي حصل بعدها؟ ببساطة كان لا بد من أن تتصدر المشهد براغماتية جديدة أخرى، نرى معها أصحاب وكالات الدفن سعداء بما سيجنونه من أرباح مع هذا العدد الكبير من الأشخاص الميتين، الذين يتوجب إخلاؤهم في مهلة قصيرة جدا. وكذلك اغتنم حفارو القبور الفرصة وصاروا يطالبون بزيادة كبيرة في أجورهم. وإن كانت المافيا في بدايات تعطيل الموت قد تعطلت، فإنها ما لبثت أن استعادت نشاطها عن طريق ادعائها تأمين الحماية للوكالات الجنائزية مقابل مبالغ مالية. في غمرة هذا كله تستعيد الرواية صورة للموت تنبثق من تقاليد شعبية تقدمه/ها على هيئة هيكل عظمي لامرأة تحمل منجلا طويل الذراع. هنا يحصل ما بدا غاية في الغرابة، حين تعجز موت، وللمرة الأولى، عن تسليم رسالتها البنفسجية لعازف فيولونسيل كان من المفترض به أن يموت في سن التاسعة والأربعين، ليبدو وكأن هناك عائقا في نقطة ما، أو أن هناك قوة غريبة غامضة تعارض موت هذا الشخص. ما كان من (منية/ موت) التي اعتادت على اختطاف الناس دون حزن ولا شفقة في زهرة شبابهم، سوى أن تسعى إلى تصحيح ما جرى. عند هذه اللحظة تحدث نقلة جديدة في الرواية، فبعد أن ظهرت منية هيكلا عظميا متكتما وغير مرئي، وملتفا بملاءة، نجدها تتحول إلى امرأة جميلة تسعى لإغواء العازف، ومن ثم تسليمه الرسالة البنفسجية التي تخبره عن موته. المفاجأة الكبرى أنها ابتدأت تراقب العازف ومن ثم تدخل فيه عميقا محاولة أن تفهم من خلاله مشاعر لم تعرفها؛ ما الذي يعنيه الظمأ؟ ما الذي يعنيه وجود كلب في حضن أحدهم؟ وبدأت تنتابها أحاسيس تجاه جودة النوتات الموسيقية التي يعزفها. شيئا فشيئا، أحبته وأحبها، وكانت هذه المشاعر بمثابة عود ثقاب بسيط عادي، لكنه «هو الذي أشعل رسالة الموت، هذه التي لا يستطيع أحد سوى موت إتلافها». تنتهي الرواية بموت وقد «احتضنت الرجل ودون أن تدرك ما الذي كان يحدث، هي التي لم تنم قط، أحست أن النعاس ينزل جفنيها ببطء، وفي اليوم التالي لم يمت أحد».
الرواية نقلتني مباشرة إلى فيلم «مدينة الملائكة» الشهير حين تخلى الملاك (سيث) الذي يقبض الأرواح عن قدراته قبالة أن يتحول إلى بشري قادر أن يحب (ماجي) جراحة القلب. فموت – كما رأينا- تخلت عن جبروتها وسطوتها للسبب نفسه الذي جعل (سيث) يتخلى عن الخلود الذي يتمتع به. والحال أن هذه النهاية تأتي بعد سلسلة من مسارات سلبية يظهر فيها البشر في الحالتين بوجود الموت وبانقطاعه منتفعين براغماتيين بلا وجهة روحية أخلاقية، وبالتالي كان لا بد أن يغلبهم الموت. أما متى يمكن للبشر أن يغلبوا الموت؟ فمن خلال غلبة الحب والمشاعر، على الأقل هذا ما يقوله خوسيه ساراماغو في هذه الرواية الاستثنائية حقا.

٭ كاتبة أردنية

http://www.alquds.uk/?p=77