هل إلـقاء الشعر يكرّسه فناً شفوياً ؟

هل إلـقاء الشعر يكرّسه فناً شفوياًذائقة المتلقي بين قراءة الشعر والإصغاء إليه

نضال بشارة :

ثمة من يرى أن إلقاء الشعر، يكرّسه فناً شفوياً، في حين الطموح أن يكون فناً بصرياً لتتلقاه العين، وأن هذا من أهم أسباب رفع حالة التذوق عند المتلقين التي يشكو منها الشعراء الذين يرى أغلبهم أن المتلقين لا يطورون قدرتهم على مواكبة تطور تجاربهم وإدراك جماليات قولهم الإبداعي. مع التذكير أن كلمة جمهور متنوعة ومتعددة وليست في مستوى واحد ولا يصح الوثوق بها على أن هذا الشاعر أو ذاك له جمهور، إسوة ببقية الفنون الأدبية الأخرى التي جمهورها هو القارئ ومبيعات إصداراتها هي الأعلى نسبة بشأن ذلك التقت «تشرين» بعض الشعراء وكانت هذه البانوراما:
الشاعر بائع بضاعة
الشاعر والصحفي المصري إبراهيم المصري المقيم في أبو ظبي يبدو له السؤال عاماً وافتراضياً إلى الحد الذي يتطلب أسئلة أكثر حول منطقه بالذات. ويضيف متسائلاً «هل إلقاء الشعر يلغي مخيلة المتلقي أو المستمع؟ وهل الشعر فنٌ بصري، أم فنٌ من فنون اللغة؟ حتى وإن كان يستند إلى المخيلة والصورة من مجازات الوجود؟». يرى المصري «أن المقارنة بين حالة التذوق لدى الشعراء والمتلقين، ليست منطقية، فكما للشعراء (أذواق مختلفة) حتى في ألوان قمصانِهم، فإن المتلقين كذلك». ويعود للتساؤل ثانية «من هو المتلقي إن عرفنا أن الشاعر هو الإنسان الذي يكتب الشعر؟.. هل هو الإنسان الذي يقرأ الشعر، وماذا لو لم يكن الكثير من البشر لا يرون أن قراءة الشعر أمرٌ مهم جمالياً في حياتهم».

وعن مسألة الجمهور والشعر يرى المصري «أن الذين يحبون الشعر، سيقبلون عليه سماعاً أو قراءة، مع اختياراتهم بالطبع بين شعراء أو تيارات شعرية مختلفة، قديمة أو حديثة. أمَّا الشاعر الذي تؤرقه (قصة الجمهور) أو المبيعات من كتبه، أو الاحتشاد لدى سماعه في ندوة أو أمسية، أو حتى متابعيه على (الفيس بوك)، فإنه بائع بضاعة نتمنى أن يجد لها الكثير من الزبائن، لكن يجب أن يعلم أن الشعر ليس غيمة كونية يتمثلها في ذهنه وينظر إليها جميع الخلق مندهشين، إنه.. فن من فنون اللغة، يقبل عليه الناس كما يقبلون على الرواية أو القصة القصيرة، بتفاوت مختلف في حجم الإقبال».
هل سنفقد اللغة؟
في رأي الشاعرة اللبنانية رنيم ضاهر: «قد يكون الشعر مبارزة دفينة بين الموت والحياة وما بينهما من دهاليز تصل أقاصي الروح بأعقاب الجن وهواماتهم السفلية» تضيف رنيم: «إن المتلقي خاضع لميل بعض الشعراء لاستدرار التصفيق من خلال الشعارات الرنانة وتسييس الكلمة وإثارة الغرائز عن سبق إصرار وتصميم لرفع الكراسي لمستوى غنائيتهم المدروسة سلفاً سواء من خلال القافية والتنغيم والصوت الذي يسلب المتلقي إرادته». وفي الوقت نفسه لا ترى في المنبرية خطأً نحوياً دائماً، بل «هناك شعراء يستحقون قصائدهم ويستحقون جمهورهم .. ولكنني أقصد هنا، أمثال الشعراء الذين يستغلون موت الزمن والشجر والأفكار لينقذوا أصواتهم من الغرق» وعلى الضفة الأخرى ترى «شعراء حقيقيين كتبوا وهم يرمون أعضاءهم في المحبرة .. القارئ الذي يحمل كتبهم على يقين أنه سيعيد قراءة ما بين يديه حتى النهاية. كلنا في البداية، نخضع لشكل النص وتقنيات الشاعر، لكن فيما بعد تصبح ذائقتنا صعبة فنتجه نحو الشاعر العميق الذي لا يترك ذاكرتنا إلّا ليراقب ساقية وحيدة في عمق الحياة».
مطارق الحدادين

الشاعر العراقي أسعد الجبوري المقيم في الدانمارك، يقدّم مساهمة مختزلة يبدؤها بالقول «الشعر في جوهره، فنٌ روحي يكرسُ وجوده سمعياً وبصرياً وفي الحركات الانقلابية للحواس المحتشدة بالعواطف والرياح. الشعرُ السماعي طربٌ من نوع خاص، يأخذ الشاعرَ إلى مناطق خارج حدود جسده، ليكرس في الآخرين بذرة المشاركة بالكلمات المنطوقة عن مخلوقات القصيدة». وإن كان ثمة ضرورة للاندماج بين الشاعر والمتلقي يقول الشاعر الجبوري «تلك المشاركة، قد لا تأتي بالضرورة من خلال الاندماج ما بين الطرفين: ما بين الشاعر مؤلف النص، وما بين المستمع مالك الأذنين, بل بالجسر الصوتي الذي تؤلفه اللغةُ، تمهيداً لعبور الشاعر إلى الآخر عبر المؤثرات الكثيرة ومنها السمعية». يفصل الجبوري بين كلاسيكي الشعر وحديثه بالقول «الشعر الحديث للتأمل، وللقراءة العميقة. بينما الشعر الكلاسيكي، فله أدواته النحاسية التي تتفوق على مطارق الحدادين».

القصيدة عارية
الشاعرة والصحفية السورية سوزان إبراهيم تعتقد أن الشعر فن شفوي وفطري, قبل أن توضع له القواعد والأوزان, تناقلته الأجيال باعتبار أن ثقافة المجتمع آنذاك وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين لم تطوِّر وسائل أخرى لتذوق الشعر, ولذلك بقي إلقاء الشعر متعة تقليدية تعتمد على موسيقاه للتواصل بين القصيدة والجمهور. ولا يفوتها تجاهل أن إلقاء الشعر فنٌ في حد ذاته قد لا يتقنه كثير من الشعراء، وأن شعراء الشعر الكلاسيكي قد نجحوا في ذلك كلٌّ حسب مهارته. لكن ما هي الحال بعد تقدّم قصيدة النثر؟ ترى سوزان أن القصيدة وقفت عارية من الموسيقا, على وجلٍ واستحياء بدايةً, من المنابر والمهرجانات والنشر, فكان لابد من أسلوب آخر لتلقي الشعر, فالأذن هنا لا تعمل بشكل جيد في التواصل في غياب الموسيقا وبخاصة في قصائد النثر التي تعتمد على السرد بشكل كبير من دون مراعاة حتى الموسيقا الداخلية للنص. ومن جهة أخرى, ترى أنه لا بد من ملاحظة «تقنيات التواصل التكنولوجية وسيطرة المشهد البصري على كل شيء في عصر ثورة التكنولوجيا والاتصال والمعلومات» وضرورة التعامل معها. لتقرّ «أن إلقاء الشعر شفوياً لم يعد قادراً على جذب الجمهور, إذ باتت هذه الطريقة التقليدية باهتة وغير مجدية خاصة في غياب الموسيقا.. فصارت مرافقة الآلات الموسيقية شائعة في الأماسي الشعرية, وكذلك تجاور الشعر واللوحات التشكيلية وغير ذلك من طرق- القراءة في أماكن غير معتادة لإلقاء الشعر- وكل ذلك في سبيل اجتذاب جمهور عاف الشعر وصالات القراءة». أما الحقيقة المرّة من وجهة نظرها فهي «أن هناك فجوة كبيرة بين الشاعر والمتلقي, ففي حين طوّر عدد كبير من الشعراء أدواتهم وطرق تعبيرهم وأساليب تعاملهم مع اللغة, بقي الجمهور في أغلبيته في وادٍ آخر. الحقيقة الثانية أن قصيدة النثر قصيدة رؤية ورؤيا لأنها تبني مجدها في الصور والخيال, وأشياء أخرى بطبيعة الحال, وهكذا قد تكون بحاجة إلى إشغال عين المتلقي… ربما صرنا بحاجة لاختراع طرق جديدة للتواصل مع الشعر»!.

مكسر العصا
يبدأ الشاعر والروائي السوري باسم سليمان مساهمته بالقول: «الشّعر من أقدم الفنون البشرية ويعبّر عن التوءمة السيامية، وهو صدى آلية الوحي الآتي من الغيب، يحمل المميزات ذاتها التي يتمتّع بها الوحي رغم الصراع بين منظومة الوحي والخارجين عنها من الشعراء، لكن هذه الميزات تتجلّى بتمام المعنى وكماله الذي يصل إلى المتلقي ما إن يسمعه عبر الشعر» في رأي سليمان تميل الفطرة البشرية إلى الشعر الشفوي على عكس المكتوب للعين، وذلك «كي تتأمّل في معانيه وتستبطن غاياته وهذه المفارقة تتجذّر في جوهر الصوت الذي يأتي من وراء حجاب والرؤية التي تكون عقوبتها أن يندكّ الجبل، فرؤية الصياد لربّة الصيد ديانا كلّفته حياته». هذا الفرق في رأي سليمان «هو مكسر العصا في آلية تلقي الشعر ومن هنا نفهم لماذا أُطلقت على عملية الكتابة «دَوَنَ» التي تتصادى معها كلمة «دُون» أي الأسفل عكس العالي «الصوت». وخروج المتصوفة في كتابتهم من التفسير إلى التأويل، من وجهة نظره «لأنهم أصحاب رؤية لا صوت؛ فنستوعب الصيغة الكتابية للنفري وهكذا استمر التمرجح بين الصوت والعين إلى أن اخترعت الآلة الطابعة وظهرت الحاجة الملحّة إلى الترجمة من لغة إلى لغة أخرى ما يؤدي إلى فقدان جينات الصوت والوزن والإيقاع فيها». لكن قصيدة العين/ المكتوبة غير الصائتة يراها «استقرت بعد ظهور الطفرات كالجروح النرجسية التي تسبّب بها كل من غاليليو وداروين وفرويد. وهي الآن مع انتشار قصيدة النثر توضّحت أكثر وتضخّمت مشكلة الجمهور لأنّ قصيدة النثر هي قصيدة فرد قلق، نسبي لا تركن إلى ثابت في جوهرها، ولا توجه خطاباً مباشراً كامل المعنى إلى الجمهور كما هو الحال في قصيدة الصوت، ومن هنا فقصيدة العين تُكتب لأجل عين أخرى لا أكثر، على عكس قصيدة الصوت التي تقال لآذان كثيرة. ومن هذا المنطلق, يصبح البحث عن مفهوم الجمهور طريقاً مسدوداً والأصح البحث عن الفرد لا غير».
ليس أخيراً
لنتذكر كيف تعاطى الشاعر والقارىء مع الشعر التراثي، والشعر المترجم، والشعر المعاصر من بلد عربي آخر، قبل أن يتيح لنا مهرجان ما الالتقاء بشاعر أو شاعرة ما معاصرة، والاستماع لإبداعهم، ألم يكن التواصل مع إبداعهم عبر القراءة؟ والأهم من ذلك، كيف تتطور أدوات الشاعر ذاته، أليس بقراءة تجارب الشعراء الذين سبقوه، أم إن للبعض مقدرة على سحب «المتنبي وأبي نواس وعنترة وامرىء القيس…» من أضرحتهم ليسمعوهم شعرهم؟.

http://tishreen.news.sy/?p=94709

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *