ريتا فرج:

“ما زلت أعرف أنَّها هي أكبر عقل في عصرنا، وأتمنى من أولئك الذين قد أدركوا ذلك أن يكون لديهم ما يكفي من التواضع كي لا يستأثروا لأنفسهم بهذه الشهادة المؤثرة ليتباهوا بها، من جهتي سأكون سعيداً جداً إذا أدركت أنَّ باستطاعتي من موقعي وبالوسائل الضعيفة التي في حوزتي أن أنشر أعمالها التي لم نُقدّر حتى الآن مدى تأثيرها وصداها”[1]. هكذا وصف الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو (Albert Camus) (1913-1960) سيمون فايل (Simone Weil) الفيلسوفة الفرنسية والمثقفة الكبيرة الملتزمة بالنضال العمالي وإحقاق العدالة الاجتماعية والمدافعة المتجذِّرة عن المضطهدين والتي انتهى بها المطاف بالاهتمام بالفلسفة الصوفية بعد اعتناقها الصامت للمسيحية.

ولدت سيمون فايل شقيقة عالِم الرياضيات أندريه فايل (André Weil) (1906-1998) في باريس عام 1909 لعائلة يهودية. والدها برنار فايل جراح عسكري عمل في صفوف الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى، وتنقلت معه أسرته خلال مهامه الطبية. لم تتلق فايل أي تربية دينية، تقول في رسالتها (Attente de Dieu) (في انتظار الله) للأب الدومينيكاني جوزيف _ ماري بيرين (Joseph-Marie Perrin): “ربَّاني أهلي وأخي في لاأدريةٍ تامة (Agnosticisme Complet)؛ ولم أقُم أبداً بأدنى جهد للخروج من ذلك، إذ لم تكن لديَّ أدنى رغبةٍ، وكنت محقَّةً في رأيي”[1]. من سماتها الشخصية خلال حياتها تعاطفها الكبير مع التعساء: في سن الخامسة اكتشفت البؤس الذي يعيش فيه الجنود خلال الحرب العالمية الأولى، ورفضت أخذ قطعة من السكر حتى يتم توزيع قطع السكر لكل الذين يعانون على الجبهة.

دخلت مدرسة المعلمين العليا عام 1928 في سن التاسعة عشرة. حصلت على دبلوم الدراسات العليا عام 1930 عن مذكرة بحث حول العلم والإدراك عند ديكارت. حازت على شهادة التبريز في الفلسفة عام 1931.

بدأ اهتمام سيمون فايل بالفلسفة منذ أن كانت في السادسة عشرة من عمرها، في السنة الأخيرة من الثانوية العامة في مدرسة هنري الرابع في باريس. كان الأستاذ الذي رعى خطواتها الأولى، والذي رافقتْه طوال فترة دراستها، هو الفيلسوف الوجودي إميل شارتييه (Emil Chartier) (1868-1951) (الملقب بـ”آلان”) الذي لقَّنها مبادئ المقاربة العقلانية والفلسفية، فاطلعت من خلاله على دوركهايم وكانط وهيغل وماركس وهوميروس وماركوس أوريليوس، وكانت كتاباتها الفلسفية الأولى متأثرة به.[1] عاشت حياة ألم ومعاناة وزهد، فقد عرفت الشقاء والألم الذي يعيشه الملايين من العمال بتركها التعليم واشتغالها في أحد المصانع. وتلخِّص لنا الناقدة والأديبة الأميركية سوزان سونتاغ حياة سيمون فايل في عبارة تحمل الكثير من الدلالات والعبر تقول فيها: “وتلك (الحياة) التي تنظر إليها عن مسافة بمزيج من النفور والشفقة والإجلال، ذلك هو الفرق تقريباً بين البطل والقدّيس، لو أمكن استعمال الكلمة الثانية بالمعنى الجمالي عوضاً عن الديني. وعلى الرغم من أنَّ فايل ترى في الشقاء أمراً يُفرض على الإنسان، لكنها ترفض السعي إليه، ولا تعتبره عقوبة من الإله، فتنظر إليه من رؤية صوفية فتقول: “إنَّ الشقاء ليس عقوبة للعارف، وإنَّما – والله أعلم – هو الألوهيَّة التي أمسكت بيدنا وشدَّت عليها بقليل من القوَّة”.[1]

اليهوديّة معتنقة المسيحيّة: مناضلة بنكهة ماركسيّة

اعتنقت فايل المسيحية[1] من منظورها الجامع (الكاثوليكي) عام 1938، دون أن تنتسب يوماً إلى مؤسستها، لأنه “لما كانت الكنيسة كاثوليكية [جامعة] من حيث المبدأ، وليس من حيث الواقع، فإني أعتبر أن من حقِّي الشرعي أن أكون عضوًا في هذه الكنيسة مبدئيًّا، وليس واقعيًّا، وذلك لا موقتًا، بل، فيما يتعلَّق بي، مدى الحياة” لأن الحكم الوحيد “بين الله وبين تلك الأبحاث المجزوءة، غير المكترثة، المجرمة أحيانًا، عن الجمال هو […] جمال هذا العالم. [ما يعني أن] المسيحية لن تتجسد ما لم تقترن بالفكر الرواقي، [الذي هو] البر بمدينة هذا العالم وبالكون الذي هو موطننا. لأنه في ذلك اليوم الذي، بسبب سوء تفاهم حصل ويصعب الآن شرحه، [في ذلك اليوم الذي] انفصلت المسيحية عن الرواقية، حكمت المسيحيةُ على نفسها بأن تعيش حياةً مجردةً ومنفصلة” (…) كما اهتمت إلى حدٍّ كبير بالحكمة المتمثلة في الديانات الشرقية “[لأن] الحياة شيء كبير وجميل، [ولأنه] توجد قصيدة هندوسية تدعى البهگڤدگيتا (وهي مترجمة إلى الفرنسية)، عمرها يتجاوز الأربع وعشرين قرنًا، جاء فيها أن كلَّ إنسان يتفكر في كرشنا (أي في الإله) ساعة مماته ينال الخلاص. لأن هذا التفكر هو محبة هذا العالم الذي نغادره والذي يختلط في أثناء حياتنا بما يمكن لنا أن نجنيه منه من متعة”.[1]

عملت فايل [شيوعية التوجه، ماركسية القناعة] أستاذة مبرزة في الفلسفة في التعليم الثانوي لمدة أربع سنوات، إلاّ أنها سرعان ما ستتخلى عن وظيفتها، بعد أن قررت أن تصبح عاملة في المصانع الفرنسية، بفضل أفكارها الماركسية، حيث تبدي دوماً تعاطفاً لا متناهياً مع الفقراء والبسطاء التي تقتسم معهم كل ما تمتلك، بما فيها أجرتها الشهرية[1]. لم تكن مجرد مدرسة عادية تؤدي وظيفة مؤسساتية، بل كانت أنموذجاً للفيلسوفة الملتزمة بقضايا المضطهدين الذي كافحت من أجلهم طوال حياتها، مناضلة نقابية وسياسية، شاركت في حملات التضامن والإضرابات القطاعية (شاركت بقوة في الإضراب الشهير سنة 1936)، وجالست العاطلين عن العمل والعمال وخبرت محنتهم، كما صادقت تلامذتها وأحبتهم بإخلاص، مما أتاح لها أن تضع أسساً جديدة لتربية تقوم على التمرد على الجاهز والمألوف. والتحقت بالمقاومة الإسبانية سنة 1936 إبان الحرب الأهلية لمواجهة انقلاب فرانكو الفاشي.[1]

وضعت فايل العديد من الكتب خلال حياتها القصيرة، نذكر منها:

Sur la science)، (La Pesanteur et la Grâce )، (La connaissance surnaturelle)، (L’Enracinement, Prélude à une déclaration des devoirs envers l’être humain,)، (Écrits de Londres et dernières lettres)، (La connaissance surnaturelle)، (Pensées sans ordre concernant l’amour de Dieu)، (La Condition ouvrière

في 14 أغسطس (آب) عام 1943 توفيت فايل نتيجة نوبة قلبية بعد معاناة مع مرض السل عن عمر يناهز (34) عاماً ودفنت في المدافن الكاثوليكية في أشفورد (Ashford) في إنكلترا.

روحانيّة العمل وتجذُّر الإنسان في العالم

لم يكن اهتمام سيمون فايل بقضايا العمال مقتصراً على المشاركة العملية في الميدان وعبر التجربة الإنسانية. وضعت مؤلفين مهمين: “الشرط العمالي”،(La Condition ouvrière ) و”التجذُّر: تمهيد لإعلان الواجبات تجاه الكائن الإنساني”[1] (L’Enracinement, prélude à une déclaration des devoirs envers l’être humain).

في تقديمه لكتاب “مختارات”[1] يقول المفكر والكاتب السوري أكرم أنطاكي (1945-2013): “خلال صيف عام 1928 – وكان عمرها آنذاك 19 عاماً – تكتب متفكرةً في جدلية العلاقة بين مفهوم العمل ومفهوم السلام، فتتوصل إلى أنه “وحده العمل يؤسس للسلام”؛ فمن خلاله بوسعنا قياس ما يقدِّمه من قيمة في حدِّ ذاته، كما نستطيع تقدير أهمية الإنسان الذي قام به، ما يعني أننا بتنا قادرين على وضع أسُس ذلك القانون الذي يكفل المساواة بين البشر. لكن حماسها لمفهوم العمل سرعان ما حلَّ محلَّه، على أرض الواقع، تشاؤمٌ عميق سبَّبه انخراطُها الفعلي والصادق في الحياة العملية إلى جانب أولئك الذين ينتجون “القيمة الزائدة” التي يفيد منها الآخرون، حين اختبرت بنفسها، إلى جانب عمال المصانع، قسوة الوقوف وراء الآلة الساحقة. ونراها إبان تلك الفترة تكتب متأملةً بمرارة: “هذه هي طبيعة البشر: مَن يسحق سواه لا يشعر بشيء، بينما يشعر المسحوق وحده بالنير. لذا ليس بوسعنا أن نفهم هذه المعاناة ولا أن نشعر بها ما لم نقف فعلاً إلى جانب المضطهَدين”.[1]

تتناول فايل في كتابها “الشرط العمالي” مجموع الشروط التي تعاني منها اليد العاملة الصناعية في فرنسا. وقد مثل اقتحامها للعمل في المصانع، أقصى درجات الالتزام السياسي بقضايا المستغلين، حيث صار الاستغلال والاضطهاد ومختلف أنواع القهر والاستعباد المعاصر، عيشاً يومياً ملازماً لها طوال تلك التجربة، أو ذلك “اللقاء مع الحياة الحقيقية والفعلية”. ولهذا يعود إليها الفضل في اختبارها حقيقة أفكار ماركس ومن تبعه في المذهب من مختلف المدارس، وما شعارها البراق إلا خير دليل على ما خبرته: “الوحوش الثلاثة للحضارة البشرية الراهنة، هي المال والتِقانة والجَبر”.[1]

في “التجذر: تمهيد لإعلان الواجبات تجاه الكائن الإنساني” الذي كتبته فايل عام 1943 في لندن قبل رحيلها بقليل والذي نُشر عام 1949، تناقش ثلاث مسائل أساسية: حاجات النفس، الاقتلاع، التجذُّر. جاء في الكتاب في ترجمته العربية: “تدرس فايل الروابط بين الفرد وجماعته، وتُظهر تصدعات العالم الحديث وتفكك المجتمع المعاصر وتؤسس لشروط اندماج متناغم للإنسان –للعامل قبل كل شيء- في كلٍّ متوازن”. يُدرج المترجم محمد علي عبد الجليل “التجذُّر” في الفلسفة السياسية والتفكُر في الوضع البشري وضمن خط جمهورية أفلاطون. “التجذُّر كتاب يطرح مشروع حضارة”[1].

في الفصل الأول من الكتاب “حاجات النفس” ترى فايل “أن مفهوم الواجب يسبق مفهوم الحق، فهو تابع له ومرتبط به؛ فالحق ليس فاعلاً بذاته، بل فقط بالواجب الذي يقابله”. وتحدد فايل “حاجات النفس” ضمن (14) عنصراً:
•النظام، ” الحاجة الأولى للنفس هي الحاجة الأقرب إلى قدرها الخالد، ألا وهو النظام، ويعني نسيجاً من العلاقات الاجتماعية بحيث لا يكون أحدٌ مرغماً على انتهاك واجبات صارمة لتنفيذ واجبات أخرى”.
•الحرية، ” غذاء لا غنى عنه للنفس البشرية. والحرية بالمعنى الملموس للكلمة تقوم على إمكان الخيار. والمقصود طبعاً إمكان حقيقي. فحيثما تكون هناك حياة جماعية فلا مناص من أن يحدُ الخيار قواعد تفرضها المنفعة العامة”.
•الطاعة، ” حاجة حيوية للنفس البشرية. وهي على نوعين: طاعة للقوانين القائمة وطاعة لأناس يُنظر إليهم كقادة”.
•المسؤولية،” إن المبادرة والمسؤولية شعور المرء بأنه مفيد وحتى بأنه لا يُستغنى عنه، هي حاجات حيوية للنفس البشرية”.
•المساواة،” حاجة أساسية للنفس البشرية، وتقوم على الاعتراف العلني والعام والفعلي الذي تُعبر عنه تعبيراً حقيقياً المؤسسات والأعراف بأن المقدار نفسه من الاحترام والتقدير حق واجب لكل كائن إنساني (…) وليس له درجات”.
•التراتبية، ” تقتضي التراتبية الحقيقة أن يعي الرؤساء هذه الوظيفة الرمزية ويعلموا أنها الموضوع الشرعي الوحيد لإخلاص مرؤوسيهم. إن نتيجة التراتبية الحقة هي حمل كلٌ فرد على الاستقرار بصورة طبيعية في المكان الذي يشغله”.
•الشرف، ” حاجة حيوية للنفس البشرية، فالاحترام الواجب لكل كائن إنساني لمجرد كونه إنساناً، حتى وإن أعطي فعلياً، لا يكفي لتلبية هذه الحاجة؛ لأنه مماثل لجميع البشر وثابت؛ في حين أن الشرف له علاقة بكائن إنساني معتبر، ليس بالنظر إلى كونه إنساناً ببساطة، ولكن بالنظر إلى محيطه الاجتماعي “.
•العقاب، “حاجة حيوية للنفس البشرية، وهو نوعان: تأديبي وجزائي. فالعقوبات من النوع الأول تقدم ضمانة ضد حالات الضعف التي ستكون مقاومتها مضنية جداً إذا لم يكن هناك دعم خارجي. ولكن العقاب الأكثر ضرورة للنفس هو العقاب على الجريمة. فالجريمة يضع الإنسان نفسه خارج شبكة الواجبات الثابتة التي تربط كل كائن إنساني بجميع البشر الآخرين “.
•حرية الرأي، التي تعني” أن حرية التعبير الكاملة وغير المحدودة عن أي رأي مهما كان وبدون أي قيد أو شرط أو تحفظ هي حاجة مطلقة للعقل. وتالياً فإنها حاجة للنفس، لأنه إذا لم يكن العقل مرتاحاً فستكون النفس بكليتها مريضة”.
•الأمن، “حاجة أساسية للنفس، ويعني الأمن عدم وقوع النفس تحت وطأة الخوف أو الرعب، إلاّ إثر اتفاق ظروف عرضية ولقدرات نادرة وقصيرة. فالخوف والرعب، كحالات نفسية تدوم طويلاً، هما نوعان من السّم، قاتلان، أو يكادان يقتلان، سببهما احتمال البطالة أو القمع البوليسي أو وجود محتل أجنبي “.
•المجازفة، “حاجة أساسية للنفس، فغياب المجازفة يخلق نوعاً من الضجر الذي يسبب شللاً بطريقة مختلفة عن الخوف ولكن بالمقدار نفسه تقريباً”.
•الملكية الخاصة، تبقى أساسية في أيِّ مجتمع إنساني، لأنّ “النفس تصبح معزولة ضائعة إن لم تكن محاطة بأشياء تكون لها كأنها امتداد لأعضاء الجسد”.
•الملكية العامة، التي تعني “المشاركة في الممتلكات الجماعية، مشاركة لا تقوم على تمتع مادي، بل على الشعور بالملكية”.
•الحقيقة، “الحاجة إلى الحقيقة هي حاجة أقدس من أي حاجة”[1].

يرتبط جوهر التجذُّر عند فايل بــــ “الحقيقية الفاعلة والطبيعية في الوجود الخاص بجماعة”. في الجزء الثاني من الكتاب تحدد أسباب وأنماط والاقتلاع، بعضها يرتبط بالعوامل الخارجية وأخرى داخليَّة، وأنماط الاقتلاع عندها ثلاثة:
•اقتلاع العمال.
•اقتلاع الفلاحين.
•الاقتلاع والأمة.[1]

وفي الجزء الثالث المعنون “التجذُّر” تعتبر فايل أن روحانيَّة العمل تشكل القاعدة الرئيسة لمواجهة مشاكل الاقتلاع، و”الروحانيَّة” لا تعني الانتساب إلى جماعة ما، ولا الارتباط بحركة بعينها أو بنظام سياسي، أو بأمَّة ما، إنَّها تأخذ الصبغة الإنسانيَّة في بعدها العالمي، وبهذا الشرط يمكن التأسيس لحضارة إنسانيَّة تقوم على تجذُّر الإنسان في العالم. إنَّ استحضار الماضي لبناء المستقبل لن يتحقَّق إلا من خلال روحانيَّة العمل، والأمر ليس بالهيّن، بل له شروطه الخاصَّة التي تقتضي إعادة النظر في التربية والدين والسياسة والتاريخ والفن.[1]

ترى فايل أن ثمة أربع عقبات أساسية، من شأنها أن تشكِّل عائقاً أمام “التأسيس لحضارة عالمية إنسانية، تقوم على أساس تجذُّر الإنسان في العالم”، وهي:
•العظمة المزيَّفة: وهي أكثر العيوب خطراً، وتعني التمركز حول الذات.
•انحطاط الشعور بالعدالة.
•حبّ المال.
•غياب الإلهام الديني.[1]

الفيلسوفة الروحانية: البحث عن المعنى

اتجهت سيمون فايل إلى الفلسفة الصوفية في سنواتها الأخيرة. بدءاً من عام 1938 تعرفت على العديد من رجال الدين من بينهم الأب جوزيف ماري بيرين، وقد أثر فيها كثيراً ولعب دوراً في تجربتها الروحية التي طمستها طوال حياتها، ولم تظهر إلاّ من خلال رسائلها بعد وفاتها.[1]

فتحت المعاناة الجسدية طريق النفحات الصوفية عندها جاء في نصها ” الخبرة مع الله: حب الله والبلاء”: “يجعل البلاءُ اللهَ غائباً خلال وقت معيَّن، غائباً أكثر من غياب كائن ميت، أكثر من غياب الضوء من زنزانة يلفُّها الظلام. نوعٌ من الرعب يغمر كلَّ النفس. وخلال هذا الغياب، ليس هناك من شيء يُحَب. ما هو مرعب هو أنه إذا توقفت النفس عن الحب في هذه الظلمات، التي ليس فيها أيُّ شيء يُحَب، فإن غياب الله يصبح نهائياً. ينبغي أن تستمرَّ النفس في الحب دون غاية أو أن تريد على الأقل أن تُحِبَّ ولو بجزء منها متناهٍ في الصغر. عندئذٍ يظهر الله بذاته لها يوماً ويكشف لها جَمال الوجود كما هي الحال عند أيوب. ولكن إذا ما توقَّفت النفس عن الحب فإنها تسقط حتى وهي في الحياة الدنيا في شيء يعادل الجحيم تقريباً. لذلك فإنَّ من يُوْقِعون في البلاء أناساً غير مستعدين لتلقِّيه يَقتلون نفوساً. من جهة أخرى، فإنَّ الإغاثة المقدَّمة للنفوس في عصر مثل عصرنا حيث يخيِّم البلاء على الجميع ليست فعَّالةً إلاَّ إذا أدَّت إلى إعدادهم في الواقع للبلاء. وليس ذلك أمراً يسيراً”.[1]

تحاكي روحانية فايل كبار المتصوفين وقد أدركت ذلك بعد تجارب ذاتية ومعرفية ووجودية لا سيما في المرحلة الأخيرة من حياتها. في رسالتها إلى الشاعر الفرنسي جو بوسكيه (Joë Bousquet) (1897-1950) المدونة في 12 مايو (أيار) 1942 تكتب: “البيضة هي هذا العالم المرئي، والفَرْخُ هو المحبة، المحبة التي هي الله ذاته، والتي تسكن في عمق كل إنسان كبذرة في البدء غيرِ مرئية. عندما تنكسر القشرة ويخرج الكائن يكون هذا العالم نفسه موضوعه أيضاً. ولكنه لم يعد في داخله. لقد انفتح الفضاء وتمزَّق، وانتقلت الروح، تاركةً الجسد البائس مهملاً في مكانٍ ما، إلى نقطة خارج الفضاء، ليست جهة نظر، وليس فيها زاوية رؤية، ولا أفق، يُرى منها هذا العالم المرئيُّ رؤيةً حقيقية. أصبح الفضاء، قياساً لما كان عليه في البيضة، لانهايةً إلى القوة الثانية أو بالأحرى إلى القوة الثالثة. اللحظة الآنية لا تزال. وكلُّ الفضاء مليءٌ بصمتٍ كثيفٍ وإن كانت هناك أصواتٌ تُسمَع، ذلك الصمتِ الذي ليس غياباً للصوت، والذي هو موضوعٌ يقينيٌّ للحِسِّ، أكثرُ يقينيةً من الصوت، والذي هو الكلام السرِّي، كلامُ المحبة التي تحتضننا بين ذراعيها منذ البدء. أنت، ما إن تصبح خارج البيضة، ستعرف حقيقة الحرب، أثمن حقيقةٍ يمكن معرفتها، لأنَّ الحرب هي اللاحقيقة ذاتها. ومعرفة حقيقة الحرب هي التناغم الفيثاغوري ووحدة الأضداد، هي تمام معرفة الواقع”[1].

دفعها الألم الجسدي إلى تقبل البلاء الناتج عن مرضها: “أعتقد أنَّ أصل الشرِّ، عند الجميع ربما، بل عند من أصابهم البلاء بصورةٍ خاصةٍ، وخصوصاً إذا كان البلاء بيولوجياً، إنما هو حلم يقظة. إنه العزاء الوحيد، غِنى المبتلين الوحيد، العون الوحيد لحمل الثقل الرهيب للزمن؛ عونٌ بريء لا غنى عنه على أي حال. فكيف يكون ممكناً الاستغناء عنه؟ ليست له سوى سيئةٍ واحدة، هي أنه غير واقعي. وعزوف المرء عنه حباً بالحقيقة يعني حقاً تخلِّيه عن جميع ممتلكاته بدافع جنون الحب واتِّباع من كان الحقَّ بذاته. ويعني حقاً حَمْلَ المرءِ صليبَه – الزمن هو الصليب”[1].

كتبت فايل تأملات صوفية إلهية حول “استيلاد الإله في الإنسان” الذي يترافق مع ألم مخاض دائم. لذا رأت أن الإنسان “المصنوع من الجسد” يتألم بالضرورة بسبب من اتحاده بالطبيعة الإلهية: “الله يتألم فيه أنه منتهٍ”.[1] اعتبرت أن الله أبدًا في انتظار أن يتم التعرف إليه: إنه حاضر دائمًا حضور البذرة التي يمكن لها أن تنتظر دهرًا رطوبةَ الأرض التي تجعلها تنتشي. الله لا ينام… ولا البذرة! بيد أن كلا الله والبذرة يلوذ بالصمت. لكنْ عندما تتقبل الأرضُ في رحمها البذرةَ وتتبناها تنتشي هذه. فليَصِرِ الإنسانُ أرضًا وليقبلْ، ينبت الله فيه! إنها “الولادة الجديدة (…) بدلاً من أن يفيد البذارُ في توليد كائن آخر، يفيد في توليد الكائن نفسه مرة ثانية: عودٌ على الذات، دورة تامة، دائرة (…) التواضع يَهَبُ الإنسانَ ما تمنحه الأرضُ من دفء ورطوبة. القبول ضروري؛ وهو الشرط اللازم والكافي لولادة الإله السرَّانية في النفس. إنه، في نظر فايل، “آنة قبول غير مشروط للخير الخالص. ولا يتبين المرءُ أنه قد حظي به إلا بعدئذٍ”[1].

دخلت سيمون فايل في تجارب نضالية وفكرية وإنسانية: من التدريس إلى المصنع فالنضال العمالي وانتهاءً بالفلسفة الصوفية. عاشت مسارات متوهجة أسبغت عليها خصائص مركبة، ارتبطت بشكل كبير بالحيوات التي خبرتها عقلاً وروحاً، والتي انعكست على إنتاجها العلمي اللافت والكبير على الرغم من رحيلها المبكر.

 

 

الرئيسية