بقلم / مؤمن سمير

 

قامت حياة الراحل شريف رزق بكل وضوح على محبة الشعر والانتماء لهذه السكة في الفن دون سواها …انتمى شريف عمرياً لجيل الثمانينات في الشعر المصري مع إبراهيم داوود ومحمود قرني وفتحي عبدالله وعلي منصور وعاطف عبدالعزيز وسمير درويش وفاطمة قنديل وعماد غزالي والسماح عبدالله وغيرهم…وكان يرى وهو القادر على الكتابة في شتى التوجهات الشعرية أن الكثير من الشعريات استنفذت طموحاتها وأن اللعب المبالغ فيه على شعرية المفارقة – مثلاً- قد أوصل بعض النصوص لدرجة الطرافة التي تكاد أن تكون نكاتاً ومُلَحاً بقدر ما تبتعد عنها الشعرية . واتساقاً مع يقين تملكه أن الفن هو القادر الوحيد على التعبير عن خراب العالم ،اختار أن يكتب شعراً تجريبياً ثائراً على القديم ، مكثفاً ومكتنزاً بالصور الخاصة والتشكيلات التي تتسع لعدد لانهائي من التأويلات ، امتد ، كحلقات ملضومة تنحت وترسم صور وآليات ومظاهر وأشكال وأسرار الخراب المحيط بنا ، سواءً أدركنا وسمعنا دبيب النهاية أو لم يصلنا ، ولنتأمل عناوين دواوينه : “عزلة الأنقاض “1994- “لا تطفئ العتمة “1996- ” مجرة النهايات” – ” الجثة الأولى “2001- ” حيوات مفقودة “2003 الذي وصل فيه لقمة إحساسه بالنهاية تاركاً فجواتٍ أو ندوب روحية كبيرة لتضع فيها أيها المتلقي جثتك قبل أن تتعفن وهي تسير في العراء وسط مثيلاتها من الأرواح المتفحمة… ويعبر شريف مرحلة الاغتراب الوجودي إلى مرحلة أخرى هي الاقتراب من الحميمي والبسيط ليكون دليلاً وحده على خراب الروح والعالم ،اكتشف شريف أن السيرة الذاتية لواحد من آحاد هذا العالم تصلح لانتاج الدهشة بلا معاظلات ولا احتياج لوضع خط غليظ أوفتح قوسٍ كبيرٍ أو يتلوى للحزن القار والدائم فينا وهكذ كان ديوانه” ” أنتَ أيها السهو ، أنتَ يا مهب العائلة الأخير “2013 ثم أنشودته الأكثر عذوبة ، ربما لأنها التغريدة الأخيرة للبجعة – ديوان “هواء العائلة “2016 الذي وصل فيه الشاعر لقمة توحده مع تفاصيله وفتح ذاكرته لتخرج اللحظات التي تشبهنا جميعاً وتتقاطع مع حيواتنا ولحظاتنا الحية البعيدة القريبة .
ويأتي الوجه الثاني من وجوه وعلامات شريف رزق وهو وجه الناقد والمتابع والمناقش لغالبية الدواوين الشعرية الصادرة ثم في السنوات الأخيرة يكرس جهوده بشكل بطولي تماماً ومتبتل للتأصيل لقصيدة النثر في التربة العربية متتبعاً جذورها وبداياتها وإرهاصاتها وحتى حالاتها الجديدة وتجلياتها الراهنة.هذه القصيدة التي كان يرى أننا نعيش زمنها بامتياز وبجدارة وإن كره الكارهون وأنها أنقذت الشعرية العربية من طريقها المسدود …وفي غضون سنوات قليلة استطاع أن يصنع كتباً في تواليها وتراتبيتها تعد مرجعاً أساسياً يعبر عن مشروع متكامل لاغنى عنه لأي باحث في هذه القصيدة الإشكالية صاحبة الألغام التي لا تريد أن تهدأ …وهكذا كانت كتب : ” شعر النثر العربي في القرن العشرين “2010 – ” قصيدة النثر في مشهد الشعر العربي “2010 – ” آفاق الشعرية الجديدة في قصيدة النثر”2011– ” قصيدة النثر المصرية : شعريات المشهد الجديد”2016 – ” الأشكال النثر شعرية في الأدب العربي “2014 – شعريات ما بعد (شعر) : قصيدة النثر العربية في السبعينيات والثمانينيات ” – ” تحولات القصيدة العربية عبر العصور ” …رحم الله هذا الانسان المخلص لدرجة التوله والدءوب لحد الانتحار ، هذا المثقف المستقل الذي كان يهاجم الفاسدين بعزمٍ لايلين وعزيمةٍ لم تكن تتورع أن تفضح الشُطِّار والجاثمين على الصدور في كل مكان دون اعتبار لحساباتٍ صغيرة ولا مكاسب زائلة…