القاهرة ـ «القدس العربي» من عبد الدائم السلامي:

 

مساء أمس، رحل عنّا الشاعر والناقد المصري شريف رزق (1965-2017) بعد تعرُّضِه لنزيف في الدّماغ لم تنفع معه علاجاتُ مستشفى منوف العام بمحافظة المنوفية. تعلّق شريف رزق بكتابة الشعر منذ ثمانينات القرن الماضي، وأصدر في الغرض سبعة دواوين شعرية أوّلها بعنوان «عُزلةُ الأنقاض» سنة 1994، وآخرها موسومٌ بـ»هواء العائلة»، كما نشر ثمانية بحوث نقدية جادّة انصبَّ الجهد فيها على الشعر والشعرية نذكر منها «شِعرُ النَّثر العربيِّ في القرنِ العشرين» سنة 2010، و»آفاقُ الشِّعريةِ العربيَّةِ الجديدَةِ في قصيدَةِ النَّثرِ» سنة 2011، و»شعريَّة الحياةِ اليوميَّة والخطاب الشِّفاهيِّ، في قصيدة النَّثر العربيَّة الجديدة» سنة 2017. هذا فضلاً عن مساهماته في تأسيسِ مُلتقى قصيدة النَّثر في مصر، وفي تحرير مجلَّة «الشِّعر»، كما ساهم في تأسيس مجلَّة «الحوزة الشِّعريَّة» الصادرة بغداد. وقد كَّرمه المؤتمر العام لأدباء مصر عام 2016، لدوره في إثراء الحركة النَّقدية المصريَّة. وعلى الصعيد الوظيفي اشتغل الراحل مدرِّسا للغة العربية وخبيرا بوازرة التربية والتعليم المصرية.

جيفارا قصيدة النثر

عن رحيل الشاعر شريف رزق كتب صديقه الباحث حاتم صادق منشورا فيسبوكيا جاء فيه قولُه: وكأنَّ لقائي شريف رزق يوم السبت الماضي كان لقاء الوداع، يومها كنّا جالسين بمقهى «النادري» في منوف بعد صلاة العشاء والتروايح، وقد بدا لي أنه متعَبٌ جدّا، فهمست في أذن صديقنا محمد الجيزاوي الذي كان معنا وأخبرته بأن التعبَ بادٍ على ملامح شريف، وبأني قلق عليه. فردّ الجيزاوي بالقول إن شريف بخير، وربّما سبب ما يبدو عليه من تعب هو كثرة مسؤولياته ومنها خاصة رعايته لوالده المُسِنّ المقعَد. وللأسف كان إحساسي في محله، إذْ بعد ساعات من افتراقنا أصيب شريف بنزيف حاد في الدماغ وظل في غيبوبة تامة حتى فارق الحياة».
وقد اعتبر الجامعي أحمد الصغير أنّ الراحل شريف رزق ناقد تجريبيّ، وقال للقدس العربي: « خسرت الحياة الثقافية الناقد شريف رزق. لأنه قدم الكثير من الأعمال النقدية المهمة حول قصيدة النثر العربية، وبخاصة كتابه المهم عن شعرية النثر العربي. وكان متابعا الروافد الأصيلة لذلك النوع الأدبي قصيدة النثر . وقد كان مدققا وصبورا ومجتهدا في تقديم آراءه النقدية وتطبيقاته التي جاءت مواكبة لأبنية القصيدة الحداثية. وله إسهاماته الشعرية المهمة في الشعر من خلال نصوصه التي جاءت ملتحمة بالحياة بل وصورة بريئة لما نحياه ونلمسه، محاولا في ذلك الوصول بالنص إلى روحه التي تبحث عنها في ذواتنا نحن. توطّدت علاقتي بشريف رزق منذ بداية التسعينيات 1991 في منتديات القاهرة الثقافية والمجلس الأعلى للثقافة المصري. تعلمنا منه جميعا الصبر في قراءة النص الحداثي وكيفية معايشته ومحبته. كان شريف رزق مبدعا في نقده ومخترعا كبيرا يقتحم طرقا وعرة لم يطرقها من قبل الباحثون داخل الجامعة المصرية».
أما الروائي والمسرحي أحمد سراج فقد كتب ل»القدس العربي» قائلا: «شريف رزق مات؟ ماذا يعني هذا؟ يعني أن جيفارا قصيدة النثر مات.. يعني أن أمنع حصون النزاهة مات.. يعني أن فيلق النخبة مات.. شريف الهادئ المهذب النقي عاش حياة عظيمة بكتبه وقصائده، لم يكترث بمن يخسر من البشر نتيجة مواقفه كبيرا كان أو صغيرا، صديقا كان أو مجهولا. من يقرأ كتب شريف رزق يجد أنه أمام باحث دؤوب موهوب، ومن يقرأ شعره يجد طفلا تركته أمه في الظلام فراح يصلي ليجدها في هواء العائلة. لطالما قيل «الموت نقاد الجياد» وها هو القول يصدق.. ويختار الموت درة يتيمة. يا شريف، ليس لعين لم يفض ماؤها عذر، وتأثم النائحات إلا فيك». وفي الساق ذاته قال الشاعر رفعت سلاّم: «الغصة كبيرة ومفاجئة. اتصلت به بالأمس تليفونيا، ليطمئننني أحد أفراد الأسرة عليه، ولم يردّ أحد على التليفون. ستعذرني إن عجزت عن الكتابة عنه الآن» .
ورأى الشاعر والباحث المغربي عبداللطيف الوراري في موت شريف رزق يومًا لجزن الشعر المصري، والعربي بعامّة، وقال: «كان رحيله مفاجئًا لي ولجميع أصدقائه؛ إذ كان في ذروة عطائه وصفائه الجماليين، وكان يتمتع بعافية أدبية ونقدية بوّأته مكانًا مرموقًا في صرح الثقافة المعاصرة اليوم. التقيتُ به في القاهرة على هامش مشاركتي في ملتقى قصيدة النثر، ورغم أنّ اللقاء كان كثيفًا مثل عمره الذي عاجله الموت، إلا أنّه ترك في نفسي صدى طيّبًا واستحسانًا رائعًا، عدا ما لمسته عن كثب من تقدير زملائه الشعراء والنقاد واحترامهم لشخصه ومكانته. وإلى جانب صوته الشعري ضمن شعراء جيل التسعينيات في مصر والعالم العربي، الذي جاء لتوطيد حساسية جديدة استعاضت عن الإيديولوجي والسياسي الطنّان باليومي والهامشي والمبتذل من انهمامات الذات في تشظّيها واختلافيّتها، فقد ترك لنا شريف رزق إرثًا نقديًّا هامًّا، ولا سيما فيما يتعلق بقصيدة النثر المصرية التي اعتكف على دراسة متونها الأخيرة، وإبراز ما في من جدّة ومغايرة، وما تشتمل عيله من سمات وعلائق جديدة، بأسلوبه النقدي الذي تحرّى فيه الصدق وعدم المداهنة. وكان يعتبر أن هذه القصيدة قد أنقذت الشعرية العربية من طريق مسدودة دخلتها منذ أواخر الثمانينيات. كما كانت له مواقف جريئة من المشهد الثقافي المصري بعد ثورة 25 يناير، ولم يكن يتورّع عن نعت القيّمين عليها بـ»عصابات». هذا الإرث هو دَيْنٌ علينا، لاستكمال مشروعه الذي آمن به صاحبه وأفنى فيه وقته حتى النزيف. رحمه الله.

http://www.alquds.uk/?p=777166