صاحب الزّهراء

نَزَعْتُ عنّي عمى الحروب
وتقمّصت جمال شجر اللّوز الأبيض
مفرداً وقتي
لاستقبال أصوات المتصوفة
بمدينة الزّهراء.
هجرتُ
غضب الإنسان
لأستسلم لخرير المياه العذبِ
الذي كأنّما يُردّد بلا انقطاع:
بسْمِ اللّهِ الرّحمن الرّحيم.
وفي النهاية، بَنَيْتُ
للسّلام
هذه المدينة
هنا يطمئن
قلبي وأنا أتأمّل تحليق مالك الحزين
وجمال الرّيحان
بَحْثًا عن نِعَمِ الله.
أيا عابر السّبيل، لا تُركّزْ
نظرَك على الزّخارف فحسب
أو على الجصّ الذي يزيّن
البيوت.
ولا تُضَيّع الوقت
في مشاهدة زائلة
للمرمر النّاصع
والأقواس الحمراء والبساتين
وتناسق فنّ الخطّ الرّائق.
فإذا تأمّلت في مدينتي،
فكّر مليّا
في متعة
الحياة العابرة
وانذر
محراب قلبكَ كُليًّا
للرحمن
الرحيم:
مَلِكُ السّلام
من سواه يُطهّر
النّفوس ويغفر الذنوب؟

■ ■ ■

مَطْلَعُ الفجرِ في شبيكة

[إلى فرانثيسكو موراليس لوماس
الّذي فتّش وما زال عن ساحر الهواء]

قُل لي، يا ساحر الهواء
أين تُخبّئُ ظُلمَة اللّيل؟
أين تخبّئُ نَفَسَ
الأموات؟ بأيّ سبب
ينتزع الملاكُ منّي بصري
في نفس اللّحظة الّتي أولَد فيها؟
قُل لي يا ساحر الهواء
لماذا
كلّ هذا الفيض من الأسرار الخفيّة
في هذا البحر الشّاسع من الرّمال؟
■ ■ ■

ملائكة الصّحراء

يختبِئون وراء الحجارة،
يلعبون فوق طُوب الجدران المُتداعية،
وعيونهم السّوداء
تضيء بساتين النّخل.

رأيتهم يقتربون بحياء من السّياح،
بجِمَالٍ صَغيرةٍ
من سعف، وعُقودٍ
من صوف ملوّن،
علّهم يحصلون على قطعة نقديّة
يُسَكّنُونَ بها سوء حظّهم.

هم ملائكة الصّحراء،
ملائكة في جسم أطفال،
ملائكة تحرس أبواب “تمغزة”،
ملائكة ذات شِفاهٍ وعيون،
ملائكة تُغرقُ عيونها السّوداء الكبيرة
في المياه العميقة
لبحر سَلبَهَا
ابتسامتَها وأجنحتَها.

■ ■ ■

نُذُرُ الشَرّ

عثر المصوّر فيرناندو غرثيا أريفلو على شواطئ قادش (إثر غرق أحد قوارب الموت) على جثّة شاب. وقد حدّد مكانها متّبعا نداء هاتفه الجوّال الملحّ.

“صُرُوفُ الدّهر قاسية أحيانا إلى حدّ… لست أدري!
صُرُوف كأنّها غلّ الآلهة…
تُراها أمهارُ المقاتلين المتوحشين
أم هي نُذَرُ الشرّ تبعثها الموتُ إلينا؟”(سيزار فيّيخو)

منذ سنوات،
دَأَبَتْ عائشة على الجلوس،
عند الغَسَقِ، في صبر لا حدود له،
أمام عتبة بيتها
علّها تتلقّى أخبارًا عن أبنائها.
فلا تسمع سوى الصّمت: نُذُرُ
الشرّ يبعث بها الموت إليها.
اِنْغَرَزَ الصّمتُ في أضلاعها
كَالحَرْبَةِ القاتلة،
ورغم مقاومتها مُقاومة الحيتان،
كانت تُحدّثها نفسُها كلّ مساء
بقُرب الضّربة
القاضية.
منذ مدّة،
لم تعد عائشة
تنتظر معجزة بل ترجو
فقط أن يُسْتَجَابَ إلى ندائها.

■ ■ ■

مسرح ثيرفانتيس

لأنّ اللّيل هبط ولم يقدم البرابرة.
ولأنّ أُنَاسًا أقبلوا من الحدود
وأكّدوا أنّه لم يعد هناك برابرة.
ماذا عسى أن نكون بدون برابرة؟
ربّما كانوا، على كلّ حال، يمثّلون حلاّ.
(كوستانتينوس كافافيس)

في مكان ناء
بالمدينة العتيقة
تَنتصِب منارةٌ
كانت بالأمس فضاءً للممُثّلين
ومسرحيّاتهم.
لَم يرزح الباب المغلق لهذا المسرح
القديم تحت هَدْمِ
الزّمان
أو احتقار زائريه
الذين لا يفتنهم جمالُ خزفه
أو الاسم المنقوش على واجهته:
مجد العاصمة وتاج عهد مضى.
إنّه رمز لمن يقاوم،
كالحصن، عُنْفَ الهَجْرِ
ثمّ يظهر عند الغسق
على الخليج
(مُترقّبًا ما هو ليس آت)
متمنّيا لو تأتي له سفينة
بأخبار قد تُعلن عن
رجوع المُمثّلين
وإن ثمّة من جزم
بأنّه لم يعد هناك
ممثّلون على ضفّة البحر تلك.

* José Sarria شاعر وناقد إسباني من مواليد مالقة عام 1960، والقصائد من مجموعته “جذور الماء” الصادرة عام 2011.

** ترجمة عن الإسبانية: محمّد نجيب بن جميع

– See more at: https://www.alaraby.