قصيدة “إرتحالات بين النّبضِ والنّبض” للشاعرة رنوة سامي نصير

 

عدنان أبو أندلس:

إن حالة المتغيرات التي تطرأ على نفسية المرء وملامحهِ ، مروراً بالخفقات التي تهزُ القلب في سرعة نبضهِ ، خفقتهِ ؛ هي الدّفقات المتّتالية ، المتّسارعة ، والتي تُشكل بحدِ ذاتها عاملاً فيسولوجياً بائناً ، ينتج منها عنصر ” المفاجئة ” اللحظية من فرح أو حزن – خوف أو تصدع ، ولمحوريتها الداّلة ” القلب ” والذي يعني لغوياً ” المُتقلب ” بحركاتهِ مولداً إمداد طاقة للجسم بـ ” الدّم ” وفق الشكل الكُمثري ، إصطلاحاً هو العضو الذي يمد هُ بـ ” الّدّم ” ” المُضخة الدافعة ” .

وما قصيدة ” إرتحالات بين النّبضِ والننّبض ” إلا بهذا المعنى ، بين نبْضة ونبضة – دفقة وخفقة ، ضربة ، وإنتقالاتها المرحلية وتحولها من درجة لدرجة حسب قوة التأثير الفعالة والفاعلة في الجسم بيولوجيا ، السِّماع سيكولوجيا ، هذا ما ارتأت الشاعرة أن توظف القصيدة بهذه الكيفية ، وأردت أنا ” أن أستقصي من عنونة القصيدة التي تتماوج بحركيتها الدافقة – الدافعة ، لسبب ما ، والدافعة لتأثير ما ؛ أيضاً .

أرادت أن تستمد منهُ نصاً مكثفاً بالتدرج المتبادل – المتقابل _ الثنائي – ألضدي في حالة تراتيبية وقد وظفتها بهذه الأفعال المضارعة الآنية – اللحظية ” تُحرقني ، خُذّني – إرتشفني – أطوف – خبئني …إلخ ، بإستثناء ثلاث أفعال ” آمرة ” تبغي منها القصدّيّة بالخضوع القسّري ” غَنِّ ، دعِ ، دعني ” هكذا تتدرج القصيدة من مناخاتها – علاقاتها المتقاربة ، والتي يمرُ بها المحبوب –العاشق – المعشوق – العشيق ، كي لا تتفا جئ أو تظهر حالات أخرى من الإرتحالات بالمتغيرات لا حقاً :

هَمجيُّ العشّقِ

بَربريُّ الهوى

تُحرِقني شمسكَ…والظُّل بعيد

خُذني بعينيكَ لؤلؤةً

في جوفِ الّليلِ خَبِّئني

بدأت بإستهلال فيهِ من صيغة الارتباك المضطرب مع حذف ياء النداء ” للمخاطب : ياهَمجيِّ …. يا بَربريُّ ، كلمتان أرى فيها العنف – الشراسة – الغِلظة في الطبع ، لذا ناورت بين صفة التوحش لكلا الحالتين – همجي ، حاد الطباع – دون مقدمات للحديث – إقتحامي – شرس –مشاكس – عنيد \ بربري – يحمل الأوصاف ذاتها إضافة ً لهجوميتهِ – متقلب الهوى – كما هو القلب المتقلب في طارئ الحالات النفسية ، كلاهما نافرين الحميمية والليونة طبعهما – الخشونة والصلابة .

لكن أرى بأن النص يسيل بإنسيابية مرنة رغم الإستهلال الخشن – العنيف حيثُ سار بتدرج إلى عاطفة مشحونة لينة بتدرجاتها – خفقاتها التراتيبية – عاطفة متقدة ورجاء بإلتماس محبب ” تُحرِقني شمسكَ…والظُّل بعيد ” كما أسلفنا التراتيبية الثنائية – شمسك – الظل – لؤلؤة .. أشف توظيف في هذا المقطع البديع .. فيهِ من المناجاة الخفية –ا لهمسية ، لكنها ضاجة بصدق وبراءة – لؤلؤة في جوف الليل تشعُ نوراً وبهاء \ حباً ومودة ..

أرقى حالات ما وصلت إليهِ العاشقة من تمني ، إضاءة نفسية وروحية حافلة صدقاً للمحبوب ، لكن حبذا لو كانت الجملة الموظفة كا لآتي : ” خَبِّئني في جوفِ الّليلِ ” لكان أكثر عمقاً وأرصن بلاغة وأشع إضاءة ، لا وقف ولا بطاء في النطق ، حيثُ الخباء يسبق الليل .نرى لا اضطراب في الإيقاع ولا تلاشي في الصورة :

ارتشفني دمعةً

بطعمِ الدّهشةِ وكأَس الحَنين

وغنِّ لي مواويلاً

بحجمِ عشقي

وَأبجديّتي

و دعِ المسافاتِ

ما بين تَوهّجِ انتظارٍ و يقين

لم تبتغِ من العاشق سوى رشفات كـ دمعة ؛ هي أصفى لوناً وأنقى سائلاً ، فيها ما يكفي من الحنان الفياض للحزن \ الفرح – ما يضاهي من إحتباسها ، حين يحس المرء بطعمها المالح الحاد – الحار – في حالة الحزن، وكما في سورة يوسف أية ” 84 ” وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ “

أما الدمعة الباردة ؛ فهي أقل ملوحة وأقل طعماً ، وكما في سورة مريم أية ” 26″ فَكُلِى وَٱشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا ” .

وفي رؤى القصيدة نرى الجمع بين الثنائيتين – طعم الدهشة – كأس الحنين – أي الإرتشاف = الكأس + الطعم \ الغناء = العشق + المواويل . وكما وظفها إبن حزم الأندلسي : كأني وهي والكأس والخمر والدجى ــــــــ ثرىً وحياً والدرّ والتبرُ والسبج ” هذه الإرتحالات – التدرجات جاءت وفق رؤى الشاعرة حسب التأويل ، بدءاً من العاشق ” كأني ” مروراً بالمعشوقة ” هي “إلى كما وظفتها الشاعرة ، حيثُ جاءت متعاضدة – متساندة مع رؤاها اليقينية . فهنا المسافات لها قيمة إعتبارية في الترقب بلهفة وتوهج وانتظار بائنين ، فالعشاق هم كما وصفوهم العارفون بأنهم حراس ليل ” رعاة النجوم ” دون نوم أو غفوة تذكر ، فالمسافات = الإنتظار + السفر = الوصول إلى غاية هي المنشودة .

مسافرةٌ أَنا في متاهاتِ عينيك

قُبّرةً

و قبلَ أَن تُغادرني بنظرة

دعني أَطوفُ شهقةً دونَ دليل

عاريةً حّتى من أشعاري

هنا وضمن الوصف المتدرج ، نرى قد تخطت العتبة الثالثة من سُلّم الرؤى ، هذا التجهيز النفسي يلائم الترتيب المنوه عنهُ بدءاً .. خُذني بعينيك لؤلؤةً … ثم .. ارتشفني دمعةً…. مسافرة في متاهات عينيك ، هذه الخطوات التي قطعتها في إحتراق – رشوف – مناجاة، إدخرت ، عززت رصيدها العاطفي ، ربما حالة المغادرة كونها – مسافرة روحياً – عرفانياً – تصوفاً –بلا جسد ، لذا كان تمني الطواف بشهقة تعني الكثير في الدلالة المعنوية –ا للفظية مما زادتها شعرية فائقة في التصوير الحسي – الحدسي – المتقارب ، حيثُ مفرداتها التحليق –السمو –الرفعة متقاربة وصفاً – حساً في تلك الإستحضارات التي ادخرتها لمثابة الإنطلاق للعُلى –أعالي الروح بخفة بدن ، ونقاء سريرة وبهاء رونق ، وذائقة باهرة ، هذه الرحلة موفقة بدليلها الشعري الراسخ عمقاً ، وحسب قول أمير الشعراء ” أحمد شوقي” في قصيدتهِ”نظرة فإبتسامة ” نظره فابتسامه فسلام

فكلام فموعد فلقاء ـ :

أَحتلُّ الفضاءَ

رعشةَ فرحٍ في سفري

أغفو في رحلتي

يُعاقرني حلمٌ

فيهِ أنتَ فارسُ الأَحلامِ

وأنا معكَ حلمٌ و يقين

يلاحظ قد تواصل السفر الروحي .. بإحتلال الفضاء عبر سِكة روحية ” العشق ” كـ التحليق المجنح ” رحلة + حلم = رعشة فرح ، فالمتولد منها الحُلم ” الثاني ” التمني ” حالة الإغفاءة نتيجة الخدر ن فالمعاقرة حُلماً ، إنتشاء لحظوياً ، لذا يصار إلى تحقيق الأماني وكما تتطلبهُ المعشوقة ” فارس الأحلام” المرتجى من هذه السفرية الخيالية ، ربما هو ” ملاك سماوي ” كم تحققت ” الأنا ” الراسخة عمقاً في خبايا النفس بـ معك واليقين الثابت من تلك السفرة المحققة ، لا يمكن نسيان المتطلبات الزمانية للنص ، إخفاء التوقيت أو التمويه لضرورة شيدت منها رؤاها ، ومن خلال التتابع بتدرجاتها أي – القصيدة – أرى بأن الشاعرة ”

رنوة ” إنتهجت منهجية العشق الصوفي – رمزياً – صوفياً – عرفانياً طُبع في ذاكرتها المتقدة بنضوج تام ، ووعي مميز ، أتمنى لها القً يشعُ كما تتمناهُ هي أبداً .

العراق – 17-مايس -2017 .