يُعدّ الخبر من أبرز الأشكال السَّرديَّة العربيَّة التي لم تنلْ حقَّها من الدِّراسة، مقارنة بأشكال سرديَّة قديمة؛ كالمقامات والرَّسائل، أو حديثة؛ كالرِّواية والقصَّة، على الرَّغم من شيوعه في الأدب العربيَّ القديم وتعدُّد آليَّاته النَّصِّيَّة. ومن اللافت أنَّنا لا نجد في مدونة النَّقد العربيِّ تعريفًا محدَّدًا لمفهوم الخبر، كشكل سرديٍّ يتميَّز عن الأنواع السَّرديَّة المجاورة، على الرَّغم من الإقرار بوجوده، وهو ما نُلاحظه في قول الجاحظ، في “كتاب الحيوان”: “متى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثرٍ صار إلى خبر، ومتى خرج من خبرٍ صار إلى الشِّعر، ومن الشِّعر إلى النَّوادر، ومن النَّوادر إلى حِكم عقليَّة ومقاييس السَّداد”.
كما نُلاحظه في قول أبي علي القالي في مقدِّمة “الأمالي”؛ حيثُ يقول: “أودعتُه فنونًا من الأخبار، وضروبًا من الأشعار، وأنواعًا من الأمثال، وغرائب من اللغات. على أنِّي لم أذكر باباً من اللغة إلاَّ أشبعته، ولا فنًّا من الخبر إلا انتخلتُه”.

ونجده لدى الأصفهاني نوعًا من الأنواع الأدبيَّة؛ حيثُ يوضِّح أنَّه، في “كتاب الأغاني”، قد “أتى في كل فصلٍ من ذلك بنتفٍ تشاكله، ولُمعٍ تليق به، وفِقرٍ إذا تأمَّلها قارئها لم يزلْ متنقلاً من فائدةٍ إلى مثلها، ومتصرِّفًا فيها بين جدٍّ وهزلٍ، وآثار وأخبار، وسِيرٍ وأشعار مُتَّصلةٍ بأيَّام العرب المشهورة، وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهليَّة، والخلفاء في الإسلام”.

وتُشيرُ مدوَّنة الأدب العربيِّ إلى ظهور فنِّ الخبر في القرن الثَّاني الهجريِّ، مع بدايات التَّدوين- مع الإشارة إلى وجوده منذ العصر الجاهليِّ في أخبارٍ تروي تواريخ وخرافات- فثمَّة إجماع على كوْن عُبيد بن شَريَة الجُرهمي أوَّل من ألف كتابًا في الأخبار زمن معاوية بن أبي سفيان وبأمر منه؛ حيث “تروي المصادرُ أنَّ معاوية استقدم عبيدًا، وطلب منه أن يجيبَ عن جملة من الأسئلة المتعلِّقة باهتمامات النَّاس العامَّة، وما يُثير انتباههم من الأخبار، فانصرفَ عبيد إلى حكاية ما تواتر ممَّا له علاقة بأخبار الماضين والمُتقدِّمين، وملوك العجم والعرب، ثم دعا معاوية ديوانه وكتَّابه أن يدوِّنوا كلَّ ذلك، وممَّا يروى في هذا الشَّأن: “وفد عبيد بن شرية على معاوية بن أبي سفيان فسأله عن الأخبار المُتقدِّمة، وملوك العجم، وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق النَّاس في البلاد. وكان استحضره من صنعاء اليمن. فأجابه إلى ما أمر. فأمر معاوية أن يدوِّنَ، وينسب إلى عبيد بن شرية” (…).

ويُمكننا أن نرى حضور شعريَّة الخبر على نحو واضح في مدوَّنة السَّرد الجديدة في سرديَّات صنع الله إبراهيم، وتحديدًا في رواية «ذات»، وتبرز لدى نجيب محفوظ في: “من أصداء السِّيرة الذاتية”، و”أحلام فترة النَّقاهة”، وفي مشهد القصيد النَّثريِّ تتجلَّى شعريَّة الخبر في تجلِّيات متعدِّدة، وفي صور عدَّة، منها:

– شعريَّة الخبر الحِكائيِّ:

وتأتي غالبًا في متنِ سردٍ مشهديٍّ يستعيد تفاصيلَ الحَدَثِ و وقائعيَّته، عبْرَ فِعْلِ (كان)، وعبْرَ ساردٍ عليم، وقد يكون هذا السَّاردُ شاهدًا على الحَدَث، أو مُشاركًا فيه، ومن هذه الشِّعريَّة هذا النَّصُّ لمحمد صالح:

«كان لديه أولادٌ

وهؤلاء كان لديهم أصدقاء

يُغافلون آباءهم

ويأتون واحدًا بعد الآخر

يُدخِّنون خلسةً

ويتلفَّتون حولهم في اضطرابٍ

وكان يفتح لهم

ويتذكَّر نفسَه في الطُّفولة»

فقد جاء الخطابُ الشِّعريُّ في صورة حكايةٍ شعريَّةٍ قصيرةٍ، في تقرير إخباريٍّ، يستعيد تفاصيلَ حياتيَّة دقيقة ودالةٍ، ومن هذه الشِّعريَّة أيضًا هذا النَّصًّ لمحمد صالح، أيضًا:

«كانت تُطالبه بأن يكون قدوةً

ولو في حضور الأطفال

وكلّ مرَّةٍ

كانت تُهدِّد بأنَّها ستتركُ البيتَ

عندئذٍ كان يتراجعُ

وهو يتخيَّل ما يُمكنُ أن تكون عليه الحالُ

في غيابها

هكذا تعلَّم أن يُخفي أشياءَه

وبدأ يكذبُ»

إنَّه كذلك يستعيدُ تفاصيلَ إخباريَّةٍ دالةٍ من حياةٍ معيشةٍ، في بنيةٍ حكايةٍ شعريَّةٍ إخباريَّةٍ تتبجَّسُ شعريَّتها من علاقة التَّفاصيل داخل الصُّورة السَّرديَّة الكُليَّة للنَّصِّ، ومن هذه الشِّعريَّة أيضًا قول صلاح اللقاني:

«كان ثابتًا في الفضاءِ ثباتًا تامًّا، بينما ظلَّ يُرفرفُ بجناحيه بشكلٍ مُستمرٍّ، ورأسُه مُنحنٍ إلى أسفلَ، ومنقارُه مُسدَّدٍ إلى صفحةِ الماء، لم يكن أبو علي الصَّيَّاد يُمارسُ اليوجا، ولم يكن يسعى لتقليد ابن عربيِّ، بل رأى في العمقِ غنيمتَه؛ فآثرَ أن ينقضَّ كالسَّهم إلى الأعماق».

فعبْرَ الرَّصد الموضوعيِّ الدَّقيق؛ الذي يلتحم فيه زمنُ الحكاية بزمن السَّرد، ويتمُّ فيه تثبيت الزَّمن؛ لرصْدِ تفاصيل لحظةِ صيدِ/اغتيالِ الطَّائر، تتشكَّلُ شعريَّة النّصِّ الكُليَّة، في صورة حكايةٍ صغرى.

ومن هذه الشِّعريَّة كذلك، هذه الحكاية الشِّعريَّة الخَبَريَّة، لصلاح اللقاني أيضًا:

«في الليلة الأولى لاعتقاله، أصرَّ أبوه أن ينامَ على بلاط حجرةِ نومِهِ قائلًا: مثلما ينامُ ابني أنامُ أنا».

فشعريَّةُ الخطابِ أتت كذلكَ في شكلٍ حكائيٍّ خبريٍّ قصيرٍ ودالٍّ ومُفعمٍ بالإنسانيَّة.

ومن هذه الشِّعريَّة كذلكَ قول فريد أبي سعدة:

«كان مُستمرًّا في الكلام

وكانت تُميِّل فنجان القهوة

لتأخذَ الرَّشفةَ الأخيرةَ

رأت في القاعِ

الذي بدا كمرآةٍ من الفيميه

رجلاً آخر

يجلس وحيدًا ويبتسم

شردتْ قليلاً

ثم استئذنتْ

لتذهبَ إلى الحمَّام»

لقد أتت التَّجربة الايروتيكيَّة في بناء حكائيٍّ إخباريٍّ بَصَريٍّ، أمينٍ في رصْد الحركة الخارجيَّة الدَّالة على أجواء الدَّاخل، في بناء تُشدِّد فيه شعريَّة الخبرِ على شعريَّة الصُّورة السَّرديَّة.

– شعريَّة الخبر التَّقريريِّ المُركَّز:

وتأتي في صورةِ خبرٍ بسيطٍ ودالٍّ، وشعريَّةُ الخبر هنا تقتربُ من بناء مفهوم الخبرِ الصّحافيِّ، ومنها قولُ صلاح اللقاني:

«في الأفقِ دائمًا ثمَّة شيءٌ ما»

فالخطابُ الشِّعريُّ في هذا النَّصِّ أقربُ إلى بناءِ المانشيت الصّحافيِّ، والخبرُ، في كثافتِه، ودقَّتِه.

– شعريَّة الخبر السَّرديِّ المَشهديِّ:

ويأتي الخبرُ هنا في بناءٍ سرديٍّ يُشدِّدُ على العناصرِ المكانيَّة الدَّالة في صورةٍ سرديَّةٍ مشهديَّةٍ، تتخفَّفُ من تتابعيَّة ووقائعيَّة الحكايةِ السَّرديَّة، ومنها قول محمد صالح:

«كانوا كثيرين جدًّا

ولم يكن ليطمئنَ قبل أن يُغلقَ البابَ

ثمَّ من مكمنِهِ هناكَ

يُحاولُ أن يتعرَّفهم»

فالحدثُ يتركَّز في رصْدِ مشهدِ المُطاردِ في مكمنِه، ومحاولتِه التَّعرُّف إلى مَن يطاردونَه.

ومن هذه الشِّعريَّة كذلكَ قولُ محمد صالح، أيضًا:

«لم يكن الحوزيُّ وحدَه

فحتَّى المُهرةُ كانت تتطوَّح

والنِّسوةُ خليطٌ مُترجرجٌ

من الثِّيابِ والأثداءِ والعصائبِ

وغنجٌ فائح»

فالخطابُ هنا يُشدِّد على رصْدِ الحركةِ الخارجيَّة الدَّالة لمشهدِ النِّسوةِ الرَّاكبات العربة الكارو، وهيَ تتطوَّح بهنَّ، في مشهدٍ تغلبُ عليه شعريَّة الإيروس، في بناءٍ شعريٍّ بَصَريٍّ يُشدِّد على شعريَّة الخبر السَّرديِّ المَشهديِّ.

ويجنحُ أداءُ السَّرد المَشهديِّ في شعريَّة الخبر المَشهديِّ أحيانًا إلى آليَّات فنِّ الرَّسم التَّصويريِّ، كما في قول أمجد ريَّان:

«كانت محطَّة القطارِ مُتهالكةً:

شبَّاكُ التَّذاكر المعدنيُّ غطَّاه الصَّدأ

ومِقعدٌ حجريٌّ قديم

فوقَهُ مِظلَّةٌ مثقوبة

وعلى المَدَى: القضبانُ كابيةٌ، والفلنكاتُ متآكلةٌ»

فالنَّصُّ هنا لوحةٌ فنيَّة دالةٌ، تُجسِّدُ عالمًا قديمًا مُتآكلا مُنعزلا قاتمًا ومُوحشًا، في كثافةٍ تعبيريَّةٍ بَصَريَّةٍ دالةٍ، عبْرَ بناء لوحةٍ تتبدَّى شعريَّة السَّرديَّة الخبريَّة فيه من تكوين عناصر المشهد.

وعلى الرَّغم من تعدديَّة حضور شعريَّة الخبر في الشِّعريَّة العربيَّة الجديدة، فإنَّنا لم نجدْ أحدًا توقَّفَ عندها، سوى فريال جبوري غزول، في دراسةٍ بعنوان: «شعرية الخبر»، رصدتْ فيها شعريَّة الخبر؛ بدلالتِه الصّحافيَّة، في ديوان: «صيد الفراشات»، لمحمد صالح.

* (بعد غيابه عن الحياة منذ أيام، ننشر هذا النص غير المطروق المقتطف من دراسة موسعة للشاعر والناقد المصري شريف رزق الذي وإن رحل جسدياً فإن حضوره سيبقى من خلال دراساته ودواوينه الذي أغنت المكتبة العربية).

 

 

جريدة النهار اللبنانية