جان فرانسوا ليوتارد

ترجمة: محمد جديدي

نحن في لحظة استرخاء، إننّي أتحدث عن سمة الزمان. من كل مكان يسارعوننا إلى الانتهاء من التجريب سواء  في الفنون أو غيرها. فقد قرأت لأحد مؤرخي الفن وهو يُعظّم المذاهب الواقعية ويناضل من أجل ظهور ذاتية جديدة. قرأت لأحد نقاد الفن ينشر ويبيع طلائعية متعالية في أسواق فن الرسم. وقرأت بأن مهندسين معماريين، تحت اسم ما بعد الحداثة، تخلصوا من مشروع بوهاوس (Bauhaus)، وقد ألقوا الصبي الذي تمخض عنه التجريب في مخلفات المذهب الوظيفي. قرأت أن أحد الفلاسفة الجدد اكتشف ما أسماه بغرابة النزعة اليهودية – المسيحية (judéo-christianisme) ويريد بهذا وضع حد للضلال السائد. قرأت في مجلة  فرنسية عدم الرضا عن كل منديلوز وجتاري صاحبا “الألف طبق” (Mille plateaux)   لأن ما هو مرغوب جداً، خصوصاً أثناء قراءة كتاب في الفلسفة، أن ينعم الإنسان بشيء من المعنى. وقرأت بقلم مؤرخ ذو أهمية أن كُتاب ومفكري الطلائع في الستينات والسبعينات نشروا الرعب في استعمال اللغة، وأنه يجب تجديد الشروط من أجل حوار مثمر وذلك بفرض طريقة موحدة في الحديث على المثقفين، أي طريقة المؤرخين. قرأت لفيلسوف لغة بلجيكي شاب يشتكي من أن الفكر القاري [الأوربي]، أمام التحدّي،  الذي تطلقه آلات الكلام، مثلما يظن، بترك أمر الاعتناء بالواقع لهذه وبأن هذا الفكر عوّض النموذج (paradigme) المرجعي المتعلق بـ “شبه لسانياتية” (adlinguisticité) نحن نتكلم على كلمات، نكتب على كتابات، التناص(intertextualité) أو يتصور بأنه ينبغي في الوقت الحاضر تجديد إرساء صلب للغة في المرجع. قرأت لباحث مسـرحي موهوب أن ما بعد الحداثة بألعابها ونزواتها ليس لها من وزن كبير في مواجهة السلطة، خاصة عندما يشجع الرأي العام القَِلق على سياسة حذر شمولية أمام أخطار الحرب النووية.

قرأت لمفكر له مكانة مرموقة أخذ على عاتقه الدفاع عن الحداثة ضد من أسماهم بالمحافظين الجدد (néo-conservateurs).  فباسم راية ما بعد الحداثة، يريد هؤلاء، بحسبه، التخلص من مشروع بقي غير مكتمل، ذلك الخاص بالأنوار. و حتى آخر المناصرين للتنوير (Aufklärung)، مثل بوبر(Popper) وأدورنو (Adorno)، لم يتمكنوا، إذا ما صدقناه، من الدفاع عن المشروع إلا في دوائر خاصة للحياة، تلك المتعلقة بالسياسة بالنسبة لمؤلف المجتمع المفتوح (The Open Society)، و تلك الخاصة بالفن فيما يتصل بصاحب النظرية الجمالية (Aesthetische Theorie). يعتقد يورغن هابرماس، بأنه إذا كانت الحداثة قد فشلت، فذلك يعود إلى ترك مجموع الحياة ينكسر إلى اختصاصات مستقلة متروكة لكفاءة الخبراء الدقيقة، بينما الفرد العيني يعيش تجربة معنى خالي من السمو الشكل من دون بنية “la forme déstructurée”  ليس على أنها تحرر، ولكن على كيفية هذا الملل الضخم الذي وصفه بودلير منذ أكثر من قرن من الزمان.

تبعا لتوضيح من ألبرخت فيلمر (Albrecht Wellmer)، فإن الفيلسوف هابرماس يعتبر أن علاج هذا التجزيء (parcellisation)  للثقافة وفصلها عن الحياة لا يمكن أن يأتي إلاّ من «تحوّل قانون التجربة الجمالية» عندما لا يعبر عنها إطلاقاً وجوهرياً ضمن أحكام الذوق”إنما” في استعمالها لاستكشاف وضع تاريخي حي “أي عندما”  نضعها على علاقة بمشكلات الوجود “لأن هذه التجربة”  تدخل إذن ضمن  لعبة لغة ليست أبداً تلك التي تخص النقد الجمالي “إنها تدخل” ضمن الإجراءات المعرفية (démarches cognitives) وضمن التوقعات المعيارية (attentes normatives)، إنها تُغيّر الطريقة التي تحيل بها هذه اللحظات المختلفة الواحدة منها إلى الأخرى. «إنّ ما يطلبه هابرماس من الفنون ومن التجربة التي تحصل عليها، هي بالإجماع، إيجاد جسر للهوّة التي تفصل خطاب المعرفة، ذلك المتعلق بالأخلاق وبالسياسة، و من ثمة فتح طريق لوحدة التجربة».

إن سؤالي يتمحور حول معرفة نوع الوحدة الذي يفكر به هابرماس، أين تكمن الغاية المرجوة من طرف المشروع الحداثي، هل في تأسيس وحدة اجتماعية ثقافية تجد داخلها عناصر الحياة اليومية والفكر مكاناً وكأنها كل عضوي؟ أم أن الممّر الذي يجب شقّه وسط ألعاب متنافرة للغة، تلك المتصلة بالمعرفة، بالأخلاق، بالسياسة، هو من نظام مختلف عنها؟ وإذا كان الجواب بنعم، فكيف سـيكون قادراً على تحقيق وحدتها الفعلية.

الفرضية الأولى، و هي من مصدر هيجيلي، لا تعيد اتهام مفهوم التجربة (expérience) وهو جدلياً شمولياً؛ الثانية تقترب كثيراً من روح كانط في نقد الحكم (Critique du jugement) لكنها تستوجب مثل الأولى الخضوع إلى إعادة اختبار صارم الذي تفرضه ما بعد الحداثة على فكر الأنوار وفقاً لفكرة غاية موّحدة للتاريخ، ولتلك المتعلقة بالذات. فهذا النقد الذي لم يشرع فيه فتجنشتين وأدورنو فحسب، بل بعض المفكرين، فرنسيين كانوا أم غير فرنسيين من الذين لم يحصل لهم الشرف أن قرأهم هابرماس، وهو ما كان سيمكنهم على الأقل الإفلات من الملاحظة السلبية عن المحافظة الجديدة.

الواقعية

إن المطالب التي ذكرتها لك في البدء ليست جميعها متكافئة. بل تتناقض. بعضها وُضع باسم ما بعد الحداثة، أما الآخر فلمحاربتها. و ليس من الضروري أن يكون الشيء نفسه في المطالبة بتقديم المرجع [وبالواقع الموضوعي]، أو بالمعنى [وبالتعالي ذو المصداقية]، أو بالمتلقي [المرسل إليه] [وبالتعبيرية الذاتية]، أو بالإجماع التواصلي [وبقانون عام للتحولات، على سبيل المثال نوع الخطاب التاريخي]. غير أنه يوجد بالدعوات متعددة الأشكال المنادية بإلغاء التجريب الفني نفس النداء إلى النظام، رغبة في الوحدة، في الهوية، في الأمن، في الشعبية [بمعنى “Oeffentlichkeit”]، إيجاد جمهور [ينبغي أن يعود الفنانون والكتاب إلى حضن الجماعة]، أو على الأقل، إذا ما حكمنا عليها بأن هذه مريضة، فيجب منحهم المسؤولية لمعالجتها.

هناك دليل غير قابل للاعتراض عليه لهذا الاستعداد العام: بالنسبة لكل هؤلاء الكتاب، لا شيء يدعو إلى الاستعجال أكثر من التخلص من إرث الطليعيين. وهذا هو بالخصوص تلهف ما يسمى وراء الطلائعية. إن الأجوبة المعطاة من طرف ناقد إيطالي (أكيل بونيتو أوليفا) لانتقادات فرنسية من كل من برنار لا مارش فاديل وميشيل إنريك لا تدع مجالاً للشك حول هذا الموضوع. و بالعمل على امتزاج الطلائع، يعتبر الفنان والناقد أنفسهم أكثر ضماناً للقضاء عليهم عوضاً عن مهاجمتهم مباشرة. لأن بإمكانهم تمرير الانتقائية الأكثر ازدراء [كلبية] (cynique) على أنها تجاوز للطابع التجزيئي في الأبحاث السابقة. ابتغاء إدارة الظهر لهم كلية، فإنهم يتهمون بالأكاديمياتية الجديدة (néo-académisme).  في حين أن الصالونات والأكاديميات تمكنت، في المرحلة التي استقرت فيها البرجوازية في التاريخ، من القيام بواجب التطهير ومنح جوائز حسن السيرة الفنية والأدبية تحت غطاء الواقعية. لكن الرأسمالية بذاتها بما لها  من سلطة عدم تحقيق الأشياء المعتادة، أدوار الحياة الاجتماعية والمؤسسات، فإن التمثلات المسماة “واقعية”  «ليس باستطاعتها استحضار الواقع إلا من خلال أسلوب الحنين أو الاستهزاء، وكأنها فرصة للألم بدل الرضا. تبدو إذن الكلاسيكية ممنوعة في واقع مضطرب لا يقدم مادة للتجربة، بــل للسـبر والتجريب.

يعد هذا الموضوع مألوف بالنسبة لقراء ولتر بنجامين هل ينبغي أيضا فهم المغزى بالضبط؟ إن التصوير الفوتوغرافي لم تكن تحدياً قُذف به من الخارج على فن الرسم، وليس أكثر من السينما الصناعية على الأدب القصصي. الأولى أنهت بعض مظاهر برنامج تنظيم الصورة المُعّد بواسطة القرن الخامس عشر (Quattrocento)   والثانية سمحت بإنجاز إقفال الألسنيات التعاقبية [التطورية] في مجموعها نظامية والتي كانت حلماً  للقصص الكبرى في التكوين ابتداء من القرن الثامن عشر. ولئن كانت الميكانيكا والصناعة قد حلت لتعوض اليد والحرفة، فإن هذا لم يكن في حد ذاته كارثة، إلا إذا اعتقدنا بأن الفن في ماهيته تعبير عن العبقرية الفردية المجهزة بقدرة حرفية.

إن التحدّي يكمن أساساً فيما يلي: بأن أساليب الصورة والسينما يمكنها أن تنجز أحسن و أسرع، و بانتشار مائة ألف مرة أهم مما تفعله الواقعية التشكيلية  والروائية، المهمة التي تخصصها النزعة الاتباعية لهذه الأخيرة، في الحفاظ على الوعي من الشك. ينبغي أن يتغلب فن التصوير وفن السينما الصناعيين على الرسم والقصة عندما يتعلق الأمر باستقرار المرجع (référent)، بتنظيمه مع وجهة نظر تهبه معنى تسهل معرفته، بتكرار النحو والمفردات التي تسمح للمتلقي بالتعرف بسرعة على الصور وسلسلة اللقطات ومن ثمّ الوصول دون عناء إلى الوعي بهويته الخاصة في نفس الوقت إلى ذلك التصديق الذي يتلقاه من الآخرين، لأن هذه البنيات من الصور وسلسلة اللقطات تشكل قانوناً للتواصل بين الكل. بهذا تتضاعف تأثيرات الواقع أو إذا شئنا خيالات الواقعية.

وإذا لم يريد الرسام والقاص أن يصبحوا بدورهم مناصرين صغار على الدوام، لما هو موجود، فينبغي أن يرفضوا هذه الوظائف العلاجية. يجب عليهم أن يسائلوا قواعد فن الرسم أو السرد كما هي وكما تعلموها وتلقوها من سابقيهم. إنها تبدو لهم سريعاً وكأنها وسائل للتضليل، للإغواء وللطمــأنة، والتي تحرمهم من أن  يكونوا صادقين –تحت الاسم المشترك للرسم أو الأدب، حيث حصل تفتيت لم يسبق له مثيل. فالذين يرفضون الاختبار من جديد لقواعد الفن جعلوا مهنهم في النزعة الامتثالية للطبقات الشعبية بوضعهم في اتصال، في خدمة  “القواعد الصحيحة”، الرغبة في تحقيق  الواقع مع المواقف القادرة على إرضائه. فأفلام الجنس تستعمل الصورة والفيلم لهذه الغاية. إنها تصبح نموذجاً عاماً لفنون الصورة والرواية التي لم تواجه التحدي إعلامياً.

أما بخصوص الفنانين والكُتّاب الذين يقبلون التشكيك في قواعد الفنون التشكيلية  و الروائية والعمل على تقاسم هذا الشك عند الضرورة بنشر أعمالهم، فقد وجدوا أنفسهم بدون مصداقية أمام الهواة المهتمين بالواقع والهوية، و وجدوا أنفسهم بدون جمهور مضمون. بهذه الطريقة يمكننا أن ننسب جدل الطلائع إلى التحدي الذي ترفعه واقع الصناعة  والإعلام اتجاه فنون الرسم والحكاية. إن. ليست إلا دلالة نشيطة وساخرة لهذا الإجراء الثابت في التخلص من مهنة الرسام، و حتى الفنان. مثلما يشير إلى ذلك تيري دي ديف(Thierry de Duve) بذكاء، فإن المسألة الجمالية الحديثة لا تكمن في: ما هو الجميل؟ و لكن في: ما هو الفن [و الأدب؟].

إن الواقعية التي تعريفها الوحيد هو ما يفهم من تجنب مسألة الواقع المقحمة في تلك التي يوجد فيها الفن دوماً في مكان ما بين الاتباعية  و”الكيتش” (Le Kitsch)   لما يصطلح على السلطة بالحزب، فإن الواقعية بمعيّة تكملتها الكلاسيكية الجديدة  تنتصر على الطليعة التجريبية بتشويهها وبمنعها. هل يجب أيضا أن يكون للصور  “الجيدة” القصص الجيدة “الأشكال الجيدة” التي يلح في طلبها الحزب، ينتقيها وينشرها ويرغبها وكأنها العلاج الموافق للاكتئاب والقلق الذي يعانيه الجمهور. لم يحظ مطلب الواقع، بمعنى الوحدة، البساطة، التواصلية إلخ، لم يكن بنفس الحدة ولا بنفس الاستمرارية عند الجمهور الألماني ما بين الحربين وعند الجمهور الروسي بعد الثورة: وهنا مكمن الفرق بين الواقعيات النازية والستالينية.

بقي أن هذا المطلب حينما أقيم على الحجة السياسية، فإن هجومه ضد التجريب الفني رجعي: الحكم الجمالي ليس له إلا تقرير تماثل هذا العمل أو ذاك مع القواعد الموضوعة للجميل. بدلاً من أن يكترث العمل بما يمكن أن يجعله موضوع فن، وهل باستطاعته العثور على هواة، فالاتباعية السياسية تعرف و  تفرض معايير قبلية “للجميل” التي تنتقي بضربة واحدة وفي مرة واحدة لكل الأعمال وللجمهور. إن استعمال المقولات في الحكم الجمالي تكون من نفس الطبيعة في الحكم المعرفي. ولإعادة نفس مفردات كانط، فهذا وذاك يصبحان أحكاماً جازمة: فالتعبير “يتكون جيداً” في الفهم أولاً، ثم بعد ذلك لا نحتفظ في التجربة إلا بـ “الحالات” التي يمكنها أن تدخل تحت هذا التعبير.

و لمّا تُسمّى السلطة رأس المال، و ليس الحزب، فإن الحل وراء الطليعي أو ما بعد حداثي بمعنى جينكس (Jencks) يبدو متكيفاً أفضل من الحل ضد حداثي. إن الانتقائية هي الدرجة صفر للثقافة العامة المعاصرة: فنحن نسمع “الريجي”  نشاهد أفلام “الويسترن”، أكل “ماكدونالد” على الغذاء والطبخ المحلي في المساء، ونتعطر بعطور باريس في طوكيو، ونلبس أزياء “ريترو” (rétro) في هونغ كونغ، المعرفة أضحت مادة لألعاب الفيديو. فمن السهل العثور على جمهور بالنسبة للأعمال المنتقاة. و إذا عدنا إلى الكيتش (Kitsch)، فإن الفن يتغاضى عن الفوضى التي تسود “ذوق” الهاوي. الفنان، العارض، الناقد والجمهور يُسرّون جميعاً بأي شيء، و الوقت هو وقت الارتخاء. غير أن هذه الواقعية لأي شيء هي واقعية المال: ففي غياب معايير جمالية، يبقى ممكناً ونافعاً لقياس قيمة الأعمال بالفائدة التي تحصل عليها. هذه الواقعية تتوافق مع كل الميول، و كأنها رأسمال لجميع “الحاجات” شريطة أن يكون للميول وللحاجات قدرة شرائية. أما بخصوص الذوق، فلا حاجة بنا إلى أن نحرج إذا تعلق الأمر بالمضاربة أو بالترفيه. إن البحث الفني والأدبي مهدّد مرتين، بـ”السياسة الثقافية” مرة، بسوق الفن و بالكتاب مرة أخرى. فما ينصح به تارة في قناة، و تارة في أخرى، وهو التزويد بأعمال تكون أولاً متصلة بمواضيع موجودة في أعين الجمهور الذي ستوجه إليه، وبعد ذلك تكون هكذا “جد مكوّنة مُشكّلة” بأن يتعرف هذا الجمهور على ما يحدث، يفهم ما ترمز إليه، يستطيع بكل خبرة إعطاء أو رفض موافقته، وحتى، إذا أمكن، استخلاص من هذه الأعمال قبوله لبعض الرفاهية.

      السمو والطليعة

إن التأويل الذي قدمته الآن في اتصال الفنون الميكانيكية والصناعية بالفنون الجميلة والأدب مقبول في مجمله، لكنك ستقر بأنه سيبقى بدقة اجتماعوي  (sociologisante) وتاريخوي (historisante)، أي أحادي الجانب. و بتجاوز تحفظات بنجامين وأدورنو، يجب التذكير بأن العلم و الصناعة ليسا بمنأى عن الشك المنصب على الواقع أكثر من الفن والكتابة. الاعتقاد في خلاف ذلك يفيد بتكوين فكرة إنسانية مفرطة للنزعة الوظيفية للعلوم والتكنولوجيات. ليس بمقدورنا اليوم إنكار الوجود المهيمن للتكنولوجيا والعلم، بمعنى: التبعية الضخمة للمنطوقات المعرفية لغائية نتيجة السبق الأفضـل الممكنة، التي هي المعيـار التقني.  لكن الميكانيـكي  والصناعي خصوصاً بدخولهم الحقل المخصص في العادة للفنان، فهم حاملون لشيء آخر أيضاً غير آثار سلطة. إن المواضيع  والأفكار المتحدّرة عن المعرفة العلمية ومن الاقتصاد الرأسمالي تنشر معها إحدى القواعد التي تخضع لها إمكانياتها، فالقاعدة بأن لا حقيقة إن لم تكن مؤكدة بإجماع بين شركاء على معارف والتزامات.

هذه القاعدة ليست قليلة الأهمية. إنها السمة المتروكة على سياسة العالِم وعلى تلك التي تخص مسيّر رأس المال بنوع من الهروب من الواقع خارج اليقينيات الميتافيزيقية، الدينية، السياسية التي يظن العقل بأنه يحتفظ بها لموضوعه. فهذا الانسحاب ضروري حتى ينبثق العلم والرأسمالية. فلا فيزياء دون شك معارض للنظرية الأرسطوطاليسية في الحركة ولا صناعة دون دحض للروح التجارية “mercantilisme” “الفيزيوقراطّية” إن الحداثة، في أي حقبة يؤرّخ لها، لا تذهب أبداً دون زعزعة الاعتقاد ودون اختراع من قليل واقع الواقع، المشارك في ابتكار واقعيات أخرى.

فماذا يعني هذا “القليل من الواقع”.  إذا ما أردنا تخليصه من التأويل التاريخوي الضيق؟ إن العبارة متقاربة بالطبع مع ما يسميه نيتشه العدمية (nihilisme). لكن سأعود إلى قياس سابق على المنظور النيتشوي فيما يتعلق بالموضوع الكانطي للسمّو [الجليل]. أعتقد بالخصوص بأنه في استطيقا الجليل حيث يجدا  لفن الحديث [بما في ذلك الأدب] حافزه، ومنطق الطليعيين مسلّماته.

إن الشعور بالجليل، والذي هو كذلك الشعور بالسمو، هو حسب كانط عاطفة قوّية و مُبهمة: إنه يتضمن في نفس الوقت لذّة و ألماً. أفضل من تلك: اللّذة تصدر عن الألم. في عادة فلسفة الذات المتأتية من أوغسطين وديكارت والتي لا يشك فيها كانط جذرياً، هذا التناقض الذي يُسمّيه البعض عُصاب نفسي تنمو مثل نزاع بين ملكات الذات، ملكــة تصور شيء ما  وملكة “تمثل” شيء آخر. تنشأ  المعرفة إذا كان أولاً المنطوق معقولاً وبعدئذ “حالات” يمكن استخلاصها من التجربة التي تطابقها هناك جمال إذا، كانت “حالة” (العمل الفني) معطاة أولاً عن طريق الحساسية دون تحديد ذهني، الإحساس باللّذة المستقل عن كـل مصلحة الذي يثيره هذا العمل يدعو إلى إجماع كــوني المبـدأ [و الذي قد يكون الوصول إليه متعذراً].

هكذا فإن الذوق يؤكّد بأنه بين القدرة على التصور والقدرة على تمثل شيء  مطابق للتصور، توافق غير معين، دون قاعدة، يتيح الفرصة لما يسمّيه كانط حكم تفكيري، يمكن أن يتحقق على منوال اللذة: السمّو شعور آخر يحدث بالعكس عندما يفشل الخيال في تمثل موضوع قادم، من جهة المبدأ فقط، يتم الاتفاق مع التصور. لدينا فكرة عن العالم [عن جملة ما هو عليه]، لكن ليست لدينا القدرة لتبيان مثال. لدينا الفكرة عن البسيط [الغير منحل]، لكن ليس في وسعنا توضيحه عن طريق شيء محسوس الذي يمكنه أن يكون حالة. بإمكاننا تصور اللامتناهي في ضخامته وقوته، لكن كل تمثل لشيء يوجه لجعل هذا العِظم أو هذه القوة المطلقين مرئيين تبدو لنا وكأنها ناقصة. ها هنا إذن أفكار حيث ليس هناك تمثل ممكن، إنها لا تعرف شيئاً عن الواقع إنها تحظر أيضاً الاتفاق الحر للملكات التي تنتج الإحساس بالجميل، إنها تمنع تكوّن واستقرار الذوق. يمكن القول عنها أنها غير مُتمثلة.

سأصطلح على تسميته بالحديث (moderne) ذلك الفن الذي يكرّس “تقنيته الصغيرة” مثلما يقول ديدرو، تمثل ماهو لا متمثل إطلاع بأن هناك شيء يمكن أن نتصوره ولا يمكن رؤيته ولا جعله مرئياً: هذا هو تحدّي فن الرسم الحديث. لكن كيف بالإمكان جعل شيء ما مرئي وهو لا يمكن رؤيته؟ كانط نفسه يشير إلى الوجهة الواجب اتباعُها بتعيينه اللاشكل (l’informe)، غياب الشكل ( l’absence de forme)، ثبت ممكن للا- متمثل (Imprésentable). يقول كذلك [كانط] بالتجريد الفارغ الذي يختبره الخيال بالبحث عن تصور لا نهائي [لا تصور لا تمثل آخر] بأن هذا التجريد نفسه كأنه تمثل[أو تصور] للانهائي تمثله السلبي. إنه يذكر لا يمكنك جعل الصورة مهيأة [منحوتة]   (taillée) إلخ. الرحيل 2،4) مثل الفقرة الأكثر سمواً في الإنجيل، بهذا المعنى فهو يحظر كل تمثل [تصور] للمطلق. ليس هناك شيء كبير يمكن إضافته إلى هذه الملاحظات للتمهيد إلى جمالية الرسم السامي: بالطبع فهو بوصفه رسماً “يمثل” يصورشيئاً ما، لكن سلبياً، سيتجنب إذن الرسم التصوير  (Figuration) أو التمثل، سيكون أبيضاً مثل مربع، (Malévitch)  لن يكون مرئياً إلا بمنعه الرؤية، لن يكون لذيذاً إلا بإحداثه ألماً. نتعرف في هذه الاجراءات على بديهيات الطليعيين الرسمية [في الرسم] (picturales) في نطاق [بمقدار] إشارتها إلى اللامتمثل. إن أنماط الحجج التي باسمها أو بها أمكن لهذه المهمة أن تتدعم أو أن يسوّغ تستحق كبير الانتباه، لكن لا يمكنها التشكُّل إلا ابتداء من ميل للسمو، حتى تصبح شرعية، أي حتى تتم تغطيتها. إنها تبقى غير مفسرة دون عدم تكافؤ الواقع بالمقارنة مع المفهوم المتضمن في فلسفة كانط عن السمو.

لا أريد هنا تقديم تحليلاً تفصيلياً للطريقة التي بها ازدرت الطلائع المختلفة الواقع وجرّدته من أهليته بفحص الوسائل للحمل على الاعتقاد بأنها تقنيات تصوير. رسمية. الفارق المحلي، الرسم، اختلاط الألوان، المنظور الخطي، طبيعة وتلك الخاصة بالوسيلة، الفاتورة  التشابك (l’accrochage)، المتحف: لا تتوقف الطلائع [الطليعيات] عن  إزاحة زخارف العرض التي تسمح باستعباد الفكر وتحويله عن اللامتمثل. إذا كانهابرماس، مثل ماركوز، يفهم هذا العمل في “اللاتحقق” وكأنه مظهر لـ “اللا تسام” الزجري [القمعي] (répressive Désublimation) الذي يميّز الطليعة، فذلك لأنه يخلط السامي الكانطي بالإعلاء (sublimation) الفرويدي وبأن الجمالية بقيت بالنسبة إليه تلك الخاصة بالجميل.

ما بعد الحداثي

ما هو إذن ما بعد الحداثي؟ ما هي المكانة التي يحتلها أم لا يحتلها  في العمل السريع أسئلة مطروحة على قواعد الصورة والرواية؟ إنه بالتأكيد جزء من الحداثي، كل ما هو متلقى، هل يعود إلى الأمس، كتب بيترون يجب أن يكون محل شك أي فضاء يهاجم سيزان  ذلك الخاص بالانطباعيين. ويهاجم كل من  بيكاسو وبراك؟  أعمال سيزان. من أي مفترض يتحرر دوشامب  في 1912؟ هل ذلك الذي يجب أن يجعل لوحة ما تكعيبية؟ وبيران  يسائل هذا المفترض الآخر بأن يعتبره خرج سالماً من عمل: دوشامبمكان تقديم العمل. تسارع مذهل، الأجيال تهرول. إن عملاً لا يصبح حداثياً إلا إذا كان أولاً ما بعد حداثي. إن ما بعد الحداثة كما تفهم إذن ليست الحداثة في نهايتها، بل هي في حالة الميلاد، وهذه الحالة مستمرة.

و رغم ذلك لا أريد التمسك بهذا المعنى الذي هو نسبياً آلي للكلمة. فإذا كان من الصحيح أن الحداثة تجري ضمن تراجع  الواقع وحسب العلاقة السامية للمتصور مع المعقول، فبإمكاننا ضمن إطار هذه العلاقة تمييز نمطيين، بحديث الموسيقيين، [حسب لغة الموسيقيين]. فالتأكيد ينبغي أن يقع على عدم قدرة ملكة التمثل، على حنين الحضور الذي تعانيه الذات الإنسانية، وعلى الإرادة المعتمة والباطلة التي تتقمصه رغم كل شيء. التأكيد من الأجدر أن يكون ممكناً على ملكة التصور، على “لا إنسانيتها” لكي نقول [إن الخاصية التي يشترطها أبولينير  للتأكيد من الفنانين المحدثين، لأن المسألة لا تخص الفهم أن تتفق الحساسية أو المخيلة الإنسانيتين أم لا لما يتصوره، وعلى نمو  الوجود والابتهاج الناتجين من ابتكار قواعد لعب جديدة سواء أكانت تصويرية أو فنية، أو غيرها. ستفهم ما أريد قوله بالتوزيع الكاريكاتوري لبعض الأسماء في تاريخ الطليعيين، من جهة كآبة (mélancolie)، الانطباعيين الألمان ومن جهة أخرى تجديد   (Novatio)، براك وبيكاسو؛ ففي الجهة الأولى، ماليفتش ومن الجهة الثانية، ليسيتسكي من جانب شيريكو، و من الآخر دوشامب. الفرق الذي يميّز هذين النمطين قد يكون طفيفاً، فهما يتعايشان غالباً في نفس العمل، متعذر تمييزهما تقريباً. و مع ذلك فهما يشهدان على نزاع داخله يُلعبُ منذ مدّة وسيلعب مصير الفكر، بين الأسف والمحاولة.

إن عمل بروست وعمل جويس كلاهما يشير إلى شيء ما لا يمكن أن يعود إلى الحاضر. إن الإشارة، التي من خلالها أثار انتباهي مؤخراً باولو فابري (Paoli fabri)، يمكن أن تكون طريقة للتعبير الضروري للأعمال المتعلقة بجمالية السمو. عند بروست، إن ما يتجنب دفع ثمن هذه الإشارة، هو هوية الوعي، كفريسة لإفراط الزمن. أما عند جويس فإن هوية الكتابة تكون فريسة لإفراط الكتاب أوالأدب.بروست يذكر اللامتمثل عن طريق لغة سليمة في نحوها ومفرداتها و بكتابة عن طريق كثير من المعاملات ما تزال تنتسب إلى نوع السرد الروائي (romanesque). إن المؤسسة الأدبية، كالتي ورثها بروست عنبلزاك أو عن فلوبير هي بالتأكيد مُخرّبة، فالبطل ليس شخصاً، بل الضمير الباطني للزمان: و بأن الألسنية التعاقبية [التطورية] في فك الإدغام (la diachronie de la diérèse) التي لم توضع بشكل سليم من طرف فلوبير، أصبحت محل مراجعة بالنظر إلى الأسلوب الروائي المختار. ومع ذلك فوحدة الكتاب  أوديسا هذا الضمير، حتى وإن أبعدت من فصل إلى آخر، فهي غير قلقة [منشغلة]: هوية الكتابة مع نفسها من خلال تيه السرد اللامتناهي تكفي للدلالة على هذه الوحدة، التي أمكن مقارنتها مع تلك الخاصة بفينومولوجيا الروح  جويس يتخيل اللامتمثل في كتابته ذاتها، في الدال (signifiant). إن سلسلة المعاملات السردية وحتى الأسلوبية المعروفة استعملت دون الاكتراث للاحتفاظ بوحدة الكل، معاملات جديدة اختبرت. فالنحو ومفردات اللغة الأدبية لم تعد تقبل كمعطيات، بل بدت كاتباعيـات (académismes)، عادات متحدّرة  من الإيمان الديني [كما يقول نيتشه] التي تمنع اللامتمثل من أن يذكر.

هذا هو إذن النزاع: علم الجمال الحديث هو علم جمال السمو، لكن حنيني، إنه يسمح بأن يذكر اللامتمثل فقط كمحتوى غائب، لكن الشكل يستمر في إهداء القارئ أو الرائي، بفضل تماسكه سهل المعرفة، مادة للتسلية وللذّة. في حين أنّ هذه العواطف لا تُشكل الشعور السامي الحقيقي، الذي هو مزيج داخلي من لذة وألم: اللذة بأن يجاوز العقل كل تمثل، الألم حيث لا يكون الخيال أو الحساسية في مستوى التصور.

ما بعد الحداثي هو إذن ما في الحداثي يذكر اللامتمثل في التمثل ذاته، هو ما يرفض المواساة للأشكال الجديدة، بإجماع ذوق الذي يتيح اختبار سوية الحنين إلى المستحيل، فذلك الذي ينقّب عن تمثلات جديدة، ليس بغرض المتعة، إنما لأجل جعل الإحساس باللامتمثل أفضل. الفنان، والكاتب ما بعد الحداثي هو في وضعية الفيلسوف: النص الذي يكتب، العمل الذي ينجز ليسا نظرياً محكومين بقواعد موضوعة سلفاً، ولا يمكن الحكم عليها بواسطة حكم جازم، بالتطبيق على هذا النص، على هذا العمل مقولات معروفة فهذه القواعد وهذه المقولات هي ما يبحث عنه العمل والنص. الفنان والمؤلف إذن يعملان دون قواعد، ولوضع القواعد لما سيكون قد تمّ. من هنا فالعمل والنص لهما خاصيات الحدث، ومن هنا كذلك سيصلان فيما بعد لمؤلفهما، أو لما يرجع لذاته، بأن انطلاقتهما تبدأ دوما قبل الأوان. ما بعد الحداثي هو فهم حسب تناقض المستقبل الماضي.

يبدو لي بأن محاولة مونتانيي هي ما بعد حداثية، وأن المقطع   (L’Athaeneum) حديث. ينبغي أخيراً أن يكون واضحاً بأنه ليس في صلاحياتنا تقديم  الواقع، لكن اختراع إشارات للمعقول الذي لا يمكن تمثله. و ليس هناك ما يدعو إلى انتظار من هذه المهمة أقل توفيق بين “ألعاب اللغة”، التي سماها كانطبالملكات، وحيث كان على علم بالهوة التي تفصل بينها وبأن قدرة أو ملكة الوهم (illusion) هي الوحيدة المتعالية [تلك التي تخص هيغلٍ] هي وحدها الأمل في جمعها داخل وحدة حقيقية. بيد أنه كان يعرف أيضاً بأن هذه الملكة [الوهم] ثمنها الرعب (la terreur). لقد أعطانا القرن التاسع عشر والقرن العشرين كل نشوتنا من الرعب. لقد دفعنا ثمن الحنين للكل وللواحد، للتوفيق بين المفهوم والحسي، بين التجربة الشفافة والتواصلية. فباسم المطلب العام للارتخاء والسكينة، نسمع همهمة الرغبة في إعادة الإمساك بالواقع. إن الجواب هو: حرب على كل شيء، لنشهد على ما لا يمكن تمثله  لننشِّط الصراعات، لننقذ شرف الأسماء.

المرجع: مجلة أوراق فلسفية، العدد الرابع والخامس، يوليو ديسمبر 2001، صص 45-54

http://nomene.blogspot.dk/2015/10/blog-post.html#more