الثقافة هي التوازن الذي يوفر الأرضية الصالحة التي تتيج للمرء التمتع بالنتاج المعرفي الواعي للوجود وللبيئة والمحيط.
النتاج المعرفي البعيد عن التبضيع والتسليع ذا البعد الانساني المدافع عن كرامة الانسان الساعي الى الحياة الافضل.
النتاج المعرفي الذي يحافظ على خصائصه المؤهل للانطلاق الى العالمية ،لا النتاج الراقص المسعور حول ذات (مفقودة )
من هنا راى البعض بان الثقافة انما هي ( نظرية في السلوك قبل ان تكون نظرية في المعرفة) ولان البحث في هذا الامر لا يمكن ان نكمله في هذه العجالة
فقد اكتفيت بان طرحت سؤالا على بعض الكتاب لرصد آرائهم في كتابات عدد من كتاب اخرين و الواقع بان النتيجة جاءت كارثية ،حيث بشطحة قلم كان واحدهم يلغي مسيرة كاتب آخر زاخرة بالعطاء ودون ان يرف له جفنٌ.

لقد قال لي احدهم وبالفم المليان: أتسألينني عن نتاج الكاتب ( فلان) ؟

فوالله لو كنت حاكماً، لاشعلت به وبكتبه النار حياً ناعتاً اياه بالكفر والفحش وبانه مثلي منتقص الرجولة،فيما لم يتورع كاتب آخر من ان يسب ويشتم الأم التي ارضعته ناعتا اياه بالرجل السطحي التافه الذي يفضل ان يعمل سنكريا او لحاما لا ان يعمل كاتبا

في حين لم يتردد احدهم من ان يلعن فلان من الكتاب لانه من مناصري المراة ناعتا اياه ( بكلب المراة) يبني شهرة زائفة عن طريق الفضائح مطلقا اللعنات على اصله وفصله واصلا الى غرفة نومه و ناعتا سريره بالاحمر

هذه الاراء الجائرة جاءت مخيبة للآمال بعيدة كل البعد عن الفهم الواعي لفضاءات الكتابة والمعرفة والابداع
وكأنا بالكتابة قد باتت عيبا او شؤما او تهمة على الكاتب ان يبريء نفسه منها كي لا يطاله العقاب ولا تطاله الشتائم

ويأتي السؤال هنا ان كانت الآراء حول القلم الذكوري فجائعية بهذا الشكل ،فما بالنا بالقلم النسائي المتهم اصلا بالجسارة و بتجاوز الخطوط الحمر بل لنقلها بصراحة المتهم في كثير من الحالات بعرضه.

فوالله لا ادري أ هو سوء طالع أم سوء تقدير ان بتنا نرى الكاتب العربي سواء كان شاعرا او ناقدا او روائيا او فيلسوفا بات اقرب الى الادانة والتشهير او التهجين او التغريب او التغييب او النفي او الانتهاك الذي قد يصل حد التفقير او السجن وربما الى حد القتل حتى بات السؤال المشروع هوالكتابة ماضية الى اين ؟
أين هو التقييم الصحيح العادل الواعي للعملية الابداعية والنتاج اليقظ ؟
أين هي المناخات الثقافية السليمة التي تحرص على وضع الاسئلة الهامة وتجديدها ؟
أين هي الحوارات الثقافية البناءة ؟
أين هو ذاك الخيط الذهبي اللامع الذي يشير لنا الى تلك الآفاق الاكثر اتساعا القادرة على ان تدفع العجلة في الطريق الصحيح طريق الابداع ؟
أين هو التقييم الانساني الصحيح والنزيه للقلم الجريء اليقظ الكاشف والفاضح للفساد الذي يشير الى مكامن الخطا ومواطن الجمال ؟ رافضا الزيغ والرياء
اين هو القلم ا لمؤيد للعملية الابداعية متجاوزا جنس الكاتب ومذهبه وطبقته الاجتماعية ؟

كانا بالكاتب واقعا تحت تاثيرين اثنين نار الخوف ونار التشكيك
وكل منهما يستدرجانه الى دائرة الارتباك والتردد والقلق الذين يجرونه بدورهم الى اللجوء للغموض او بالعودة الى الماضي او التبعية
لماذا حينما نسال الكاتب الاوروبي عن رايه بكتابات كاتب اخر نرى اجوبته غالبا بعيدة عن الافراط في المدح فهو لا يقع في شرك الحماسة المفرطة تلك التي توقعه في كمين المجاملة الفجة ولا التحامل الاخرق،فعندما سئل ما ركيز عن الرواية التي يتمنى ان يكون هو كاتبها اجاب دون تردد رواية ( الجميلات النائمات ) للكاتب الياباني ياسوناري كاوا باتا )الذي حاز على نوبل عام 1968

حين سئل لوركا ما الذي سيبقى من امر يكا في عينيك يا لوركا اجاب:
والت ويتمان ولحيته المليئة بالفراشات وكتفيه المخمليتين اللذين احناهما العمر ) وقال بورخيس عن دوستويفسكي
ان اكتشاف دوستويفسكي يشبه اكتشاف الحب للمرة الاولى او مثل اكتشاف البحر فهو علامة على لحظة هامة في رحلة الحياة.

ولقد قال فيكتور هيجو عن ( ازهار الشر للشاعر بودلير ( تالق عملك ديوان ازهار الشر تالق النجوم احيي روحك الشجاعة وكل ما اوتيته من قوة )

وقال الرسام العامي سلفادور دالي عن لوركا ( احببت لوركا كما يحب الفنان الوردة البكر التي تفتحت اكمامها للتو وكنت كالنحلة التي استنشقت اول رحيق الوردة لوركا وكنت دائما اقول لعزيزي لوركا انه نهر ودود ينبثق من ينابيع اندلسية اصيلة ولما سالت دماء عزيزي لوركا تلونت لوحاتي بالدماء واصبحا اطارد شبح لوركا في كل صفحات الشعر الاسباني وقال نيتشة عن دوستويفسكي ( هو الوحيد الذي افادني في علم النفس كان اكتشافي له يفوق استاندال
من كل ما سبق نتبين بانهم قد سلطوا الضوء على العمل الابداعي وقيمته مشيرين بحب واعجاب وقد لانفاجا لو راينا صورة احد الكتاب وقد طبعت على طابع بريد او على قطار المدينة او مؤسساتها كالمطار او النوادي او الملاعب

فمتى سيحظى الكاتب عنا بكل هذه الكمية من الحب والاعجاب والتقدير.

متى متى ويبقى السؤال ؟