المكسيكي «خوان رولفو» في الذكرى المئوية لميلاده: أدب عميق وسينما متهافتة في تجسيده

مدريد ـ «القدس العربي» محمد محمد الخطابي:

«ثلاثمئة صفحة من مجموع أعماله رفعته إلى مقام سوفوكليس». (غارثيا ماركيز).
في السادس عشر من مايو/أيار الفائت مرت الذكرى المئوية الأولى للكاتب المكسيكي خوان رولفو (16 مايو/أيار 1917 ــ 7 يناير/كانون الثاني 1986)، الذي أثرى الأدب المكسيكي وأدب أمريكا اللاتينية، ولم تزل الدراسات النقدية الحديثة تكشف الكثير من الجوانب المحهولة في شخصية وحياة رولفو، كاشتغاله بالسينما وهوسه بها، والكتابة لها وعنها، وإخراج بعض أعماله الأدبية الناجحة سينمائياً، وسواها من المواقف التي طبعت مسيرته الإبداعية والحياتية، فضلا عن معاناته كفنان وكاتب ملتزم بقضايا عصره وظروفه.

رولفو معاصِرنا

«إننا مدِينون بالكثير لخوان رولفو، حتى إن كتب عنه وعن حياته الشيء الكثير، فالحوار الذي كان قائما بين القارئ والمؤلف لم يكتمل، ولم ينضج بعد، على الرغم من مرور سنين طويلة على رحيل هذا الكاتب الفذ الفريد». (الناقدة المكسيكية إيفيت خيمينيث باييس، في كتابها .. خوان رولفو بين القفر والآمال). هذا الكتاب الذي لاقي الكثير من الاستحسان في محيط النقاد المكسيكي، فمن جانبه يرى الناقد المكسيكي أدولفو غوستافو أن هذا الكتاب عن رولفو بأنه مثال حي للإرادة المحبة والمعْجبة بأعمال هذا المبدع، وعليه لم تأل الكاتبة جهدا، ولم تدخر وسعا من أجل الدخول، والغوص في نصوص رولفو وتحليلها، وتقصي الحقائق التاريخية الواردة فيها، وأهم ما قامت به المؤلفة في هذا الكتاب حسن إصغائها، واستغلالها للعنصر الشفوي، والشعبي المتوارث في رواياته وقصصه، وهو عنصر جديد، وبذلك تتجشم الكاتبة مشقة وعناء تحليل الرمزية الأدبية العميقة، والبعيدة الغورعند رولفو، على الرغم من تعدد مشاربها، وتنوع ينابيعها وثرائها. كذلك تضيف الناقدة إيديث نيجرين، أن الكتاب لم يترك صغيرة، ولا كبيرة إلا وسلط عليها الأضواء، بما فيه التحليل اللغوي والاستعانة بالمعطيات الأنثروبولوجية، والتاريخية والفلسفية، وتقوم الباحثة بشكل مواز بمراجعة واستحضار مختلف ما ذهب إليه المتخصصون من آراء، وتحاليل بشأن أعمال رولفو، كما أنها تذكر عنايته وهوسه بالأساطير، وبالإشارات السابقة للوجود الإسباني أو الكولومبي في بلاده، حيث تؤكد الكاتبة أن كتابات رولفو تفتح آفاقا بعيدة، وتقترح بدائل جديدة للتعبير، باستعمالها للبعد الشعبي، والتراثي واللغوي والتاريخي عند رولفو. وتشير الباحثة إيفيت خيمينيث باييس عرضها مشيرة إلى أن رولفو خلف لنا أدبا رفيعا، يقوم على وعي عميق بالصلة المركبة، والمعقدة للإنسان مع الطبيعة، وأنه يدخل العالم بواسطة حس أسطوري، وتاريخي وإنساني.

مصادفات ومفارقات القدر

وكما في جل أعمال رولفو، هناك مفارقات الأقدار، والصدف والريبة والتصوف، والأساطيرالشعبية والسحر والطلاسم، والتصرف البشري حيال مسألة إحساسه المفرط بضرورة حفاظه وصونه لكرامته وشرفه، حتى إن كانت معظم شخصياته تعيش نوعا من القلق، والتشويش الداخلي، وشعورها بالإحباط. وتشير الناقدة باتريسيا جبرا أن شخصيات رولفو «شخصيات محظوظة في لعب القمار والميسر، إلا أنها ذات حظ سيئ في المسائل العاطفية، ففي «بيدرو بارامو» نرى كيف تهوي إمبراطوريته بسبب حبه لسوسانا سان خوان، وهكذا فعواطفه تحول بينه وبين أي شكل من أشكال السلطة، وهذا الصراع قد تعرض له رولفو في قصته «الديك الذهبي» التي نقلها إلى السينما عام 1964 المخرج المكسيكي روبرتو غافالدون، التي اعتبرت من أعظم الأفلام التي أنتجت في المكسيك في العصر الذهبي للسينما المكسيكية، ويعالج هذا الشريط مأساة المواطن المكسيكي التقليدي، وصراعه من أجل البقاء والتغلب على مشاكل الحياة العصرية، وهو من الأفلام التي جسدت الواقعية السحرية التي اشتهر بها الأدب الأمريكي اللاتيني في أرقى مظاهرها، والتي يعتبر خوان رولفو أحد أقطابها البارزين في الشق الجنوبي من القارة الأمريكية.
ويشير الناقد السينمائي غوستافو غارسيا إلى: «أن رولفو كان من كبار المعجبين بالسينما، وكانت لديه نظرة جيدة، وعميقة حول الفنون السينمائية بشكل عام»، ويحكى أن رولفو عندما اشتغل في فترة ما من حياته في السينما، كان حريصا على عدم الانتقاص من قيمة بلده المكسيك، وتفادي احتقار أبنائه، خاصة في الأفلام الأمريكية التي كانت تصور على أرضه، فإذا رأى مثلا شابا مكسيكيا يشارك في شريط وهو حافي القدمين، كان يأمر بوقف التصوير فورا لأن ذلك كان يسيء إلى المكسيك في نظره، وبهذه الطريقة كان رولفو سببا في جعل قبائل عديدة تنتعل على حساب الشركات السينمائية الأجنبية، حتى إن كان موضوع الأفلام يعالج قضية هنود المايا. ويضيف الناقد غوستافو غارسيا كذلك: «رولفو كان يتسلى كثيرا وهو يقوم بهذا العمل، وكان يقف في وجه العديد من المخرجين الأجانب الذين يسيئون لبلاده بشكل أو بآخر.

السينما ورولفو

يعتبر رولفو من أفضل كتاب القصة القصيرة في أمريكا اللاتينية في العصر الحديث، وعندما عملت السينما المكسيكية على إخراج بعض أعماله الإبداعية عانت من مشاكل كثيرة وخطيرة، وهو شعور مثقل بظل هذه الأعمال التي تعاملت معها السينما، بل لقد شارك رولفو في ذلك في بعض الأحيان، خاصة في قصته المعروفة «الديك الذهبي» التي كتبها خصيصا للسينما، كما أن أشهر رواية كتبها رولفو، التي تعتبر درة وذروة أعماله الإبداعية «بيدرو بارامو»، قد نقلت إلى السينما بواسطة المخرج المكسيكي كارلوس فيلو، بعد أن أعدها كل من الروائي المكسيكي كارلوس فوينتيس، والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. كما أخرج هذا العمل مخرج مكسيكي آخر هو خوسيه بولانيوس، إلا أن التجربة السينمائية الأخيرة لم ترق إلى مستوى الشريط السابق.
ومن الأعمال الأدبية، التي أخرجتها السينما كذلك لرولفو «الوصْفة السرية» وهو شريط متوسط الطول أنجز عام 1965 للمخرج رروبين غاميث الذي أحرز بهذا الشريط جائزة سينمائية مهمة على مستوى بلدان أمريكا اللاتينية، ثم هناك شريط قصير آخر بعنوان «الغنيمة» للمخرج أنطونيو رينو، فضلا عن شريط جامعي أكاديمي للمخرج منيث فاليس، يتضمن قصتين معروفتين لرولفو كذلك وهما: «قل لهم ألا يقتلوني» و»تاليا»، فضلا عن فصل من قصته المعروفة «بيدرو بارامو».

مغامرة دائمة

ويشير الناقد غوستافو غارسيا أنه من المخاطر والصعوبات التي تواجه المشتغل بالسينما هي نصوص رولفو نفسه، ونثره بالذات فهو جذاب، ومغر، وتلميحي يحفل بتعدد الدلالات والإشارات والإيماءات، فنثره لا يخبرنا بالضبط كيف كان بيدرو بارامو، أو كامالا، ما يدفع القارئ إلى التركيز بشدة أولا في ما يقرأه ثم يجعله يتخيل الأشياء والشخصيات بطريقته الخاصة حسب تكوينه، وذوقه مما يجعل عمل السينمائيين في هذا المجال مناورة خطرة وصعبة. كما أن لغة رولفو على العموم هي لغة مكثفة، طيعة وموحية، ليس في مقدور أي كان أن يتعامل معها أو ينطقها كما ينبغي، ويضيف غوستافو في هذا الصدد، إلى أنه كان على بعض المخرجين أن ينصتوا في البداية إلى أسطوانة مسجل عليها بعض أعمال رولفو حتى يمكنهم الاقتراب والدنو من الطريقة الصحيحة التي عليهم إملاؤها على الممثلين وكيفية نطق الكلمات .
كذلك يرى الناقد السينمائي خوليو إتيين أن إخراج أعمال رولفو الأدبية كان يعني باستمرار مشروع مغامرة تنطوي على قدر كبير من الطموح والمغامرة، إذ ليس من السهولة واليسر بمكان، تصوير وتجسيم خيالاته خاصة في قصصه ذات الطابع السحري الواقعي، وإستعمال أزمنته بواسطة اللغة، فمعظم الأعمال السينمائية التي تعرضت لقصص رولفو تشعر بثقل ظلال أعامله الأدبية الكبيرة عليها.
والواقع، يضيف الناقد، أن سبب صعوبة نقل أعمال رولفو الأدبية إلى السينما يرجع في الأساس إلى نوعية التركيب اللغوي عنده، فأدبه يرغم على التأمل، وإعمال النظر فيما يجري، ويحدث في العالم الخرافي الذي خلقه رولفو مما يجعلنا نستمتع بأحلى وأعلى أشكال الإبداع الأدبي عنده، في حين لا تقدم السينما لنا هذه الإمكانيات بسبب السرعة التي تتم وتجري بها الأحداث والصور. وهذا ما حدث مع العديد من الأعمال الأدبية الكبرى لكتاب عالميين مرموقين آخرين.

http://www.alquds.uk/?p=781835