“دفتر العائلة” يمثّلُ نصّاً مفتاحيّاً يمتدُّ بحميميته، وبإضاءته على الحال الذي يتبدى عليه الآن، ليقترب من أغلب النصوص، إن لم نقل جميعها.

(لم أعرف بأنني أملك عينين جميلتين/ حتى حلفَ بهما جديّ/ (وحقّ عينيكِ الـ “كيّستين” ص69) وكان المأمول والمتوقع أن تسمع المرأة هذا الإطراء المؤكِد لحقيقة لم تُكذّب بعد من مُشرق ٍ(حبيب أو صديق) وليس من آفلٍ، أو دانٍ من الأفول (الجد) ومثلهُ أن تقول الجدّة، وليسَ الصديقة/ الصديق، أو الحبيب (… اجعلي تنانيركِ أقصر وأفكاركِ أطول… ص70) وضمن المناخ ذاته أيضاً، وبأمانةٍ، تُحسب للذات الكاتبة حيال الوسط الحيوي للتجربة وآليات جريانها، يأتي الحديث عن قهوة الأم، التي تجسّد، كما يبدو من تحسس الكاتبة لمفردات كونها، تجليّا ًللأمومة واقعيّاً ومُدركاً إلى درجة الغرابة.

(تبقى قهوة أمي هي الأفضل…/ وحدها تعرفُ كيف أشربها/ مع أنني لم أخبرها قط/ الأمومةُ قراءة “بنّ” الروح. ص69)

كتابة الآن بذاكرة الذي كان بالإمكان. وهذا يعني بأن حاصل الخسارة هو السمت الذي تتجهُ إليه المشاعر لتبدأ صفر الزاوية التي تحددها التجربة. فتأتي غالبيّة النصوص كتجزئة تقصد إعادة انتاج المُجتمِع كتأكيد على أنها ليست الحياة بل الحيوات التي لم تكن نِتاج إرادةٍ بقدر ما كانت تحصيل حاصل لا يُعوّل عليه، حتى كأنما (أشياء لم تحدث) يصلح عنوانا ً للكتاب. كما لكل النصوص. ويأتي العنوان هنا بمثابة مُبتدأ يصحّ على كل ما يليه من أخبار، والأشياء التي لم تحدث هي بمثابة اقتراح لمعنى آخر للأشياء، وللحدوث أيضاً، حيث لا تعود الأشياء والحوادث هي ما وقع بالفعل، بل هي ما افترضناها وقررنا مصيرها عبر ساحة شعورنا وبمقتضى الخيبة التي تحصلنا عليها كنتيجة لازمة.

“أشياء لم تحدث”

(1– نلتقي ويهرُّ الورد على أسرّة العالم./ 2– أنت. /3– الحياة … كما كان يجب أن تكون. ص5-6)

ولأن الحياة التي نحياها مُجرّد شُبهة، أو ربما انتحال لحياة كان عليها أن تكون، ولم يحدث ذلك لأكثر من سبب، فإن ما ندعوه تجربتنا، وما نضمّنه في سردنا عن حياة كهذه لن يتعدى الخلاصات التي ليس لها بحال من الأحوال عمق المكابدات التي لن تكون بغير المُختبر الذي لا يترك للافتراض المُستبد كيقين أي فرصة في الدوام أو حتى الرواج ولهذا: (تبدو في الواجهات دوما ً أجمل/ هذه الأشياء المكتوب عليها/ “للعرض فقط”؟!! ص19)

(المقاطع تنجب ذاتها/ من رحم اللحظة/ لا تسألوني لماذا هذا المقطع عن الحب/ والتالي عن ملاقط الغسيل. ص 23) يبدو هذا المقطع عيّنة نموذجيّة حقاً لالتقاط ملمحاً جوهريّاً، بتقريريته الإعلامية، من ملامح الكتابة الجديدة هذه الكتابة اللاخيطية على قاعدة السبب والنتيجة ذلك أن الأسباب تتوالد في كل لحظة بطريقة انشطارية تتخلق بنتيجتها أعداداً لا متناهية من مرايا الذات في احتكاكها مع الآن وفي ردود أفعالها أيضاً. غير أن الكاتبة هنا، رغم وعيها بما تحصّلت عليه الكتابة الجديدة من تشظّ وبعثرة، فإنها تعيش حالة من التماهي بين اللحظات والأسباب، وتالياً تبدو النصوص والمقاطع مأسورة لسببية واحدة مع تبدّل الأوقات، على أن الأوقات المختلفة هي مبرّر كاف ٍ لتكون الأسباب مختلفة أيضاً. حتى لتبدو الكتابة، التي تريد لها الكاتبة أن تكون تصحيحاً لخطأ الحياة، مجرّد حياة أخرى خطأها وصوابها لغوي خالص، ويأخذ العيش في اللغة أحياناً سمة الغوايةِ التي تستدرج الذات إلى فخ التخفّف من ثقل المشاعر بتحويلها إلى مُستقر لغوي موسوم بالخفّة والدعابة كما في المقطع التالي: (ليس ثمّة عصفور واحد/ ولا عشرة على شجرة/ في قصّتي معك/ أشجاري وعصافيري كلها في يدك/ وعصفور قلبك يسرق حبيّ من عشرتي/ ويطير. ص. 53)، وأحياناً أخرى لا يتعدى كونه تلاعباً لفظيّاً احترافيّاً (أنت وهي في “القفص”/ وأنا بنتيجة هذا/ مسجونة. ص. 53) يقوم، رغم خفّته المُحبّبة، بمسخ التجربة الشعورية إلى تجربة لغوية لا تنجح غالباً في التقمّص، ويبدو السجن هنا لغوياً خالصاً مقابل القفص الحقيقي.

(العالم الافتراضي/ كل ما يحدث خارج/ وقائعك. ص 53) مرّة أخرى تصوغ المفردات المتعارضة التجربة، على أنها تعارض لغوي يصطاد، باعتباره ِشركاً، ذلك اللاواقعي الموهوم: (الحب هو انني أشتهي أن أحبك/ وأنني دوماً… افتراضيّاً… أفعل. ص65)

ولأنني ممن يميلون إلى الاعتقاد بأن واحداً، على الأقل، من سمات الكتابة الجديدة هو تأكيد الخروج على النظم والانتظام، ليس بالمعنى الشكلاني فحسب، بل بمعنى التأكيد، عبر المكابدة التي للتجربة، على أن النص هو دوما ً تلك المحاولة لإظهار الفردية كحقيقة تنتزع شرط كفايتها لتتعرّف بذاتها، ولتتأكد بطريقتها الخاصة، والخاصّة جدا ، كحياة تحدث في الآن، وليس تكرارا ً لحياة حدثت، أو تحدث في الجوار. لكنّ الفردية التي تبرزها، وتحتفي بها، الكثير من الكتابات الجديدة، ومنها (النجاة حدث ممل للغاية) تبدو مُلتبسة في ممارستها مع شعور، أو مع مفهوم آخر، هو الوحدة (من وحيد) وتالياً تنحرف التجربة من عملية تماس مع مُفردات الوجود بشروط الذات المُتعرّفة بذاتها، والمتأكدة بسمات فرديّتها، إلى شكل من التعيّن بدلالة الهجر، والإقصاء، والإبعاد، عبر ندبٍ يقصد نزع الحواجز التي تحول بين الذات وسبب تعرّفها وتأكيدها الذي هو آخر، أو آخرون: (حتى بائع الورد الصبيّ/ في المقهى يتجاوزني/ أنا لست وحيدة لأنني بدونك/ بل لأنني مذ أحببتك/ صرتُ أكثر وحدة. ص. 66) أو (بقدر ما أتكئ عليك/ بقدر ما/ يختل توازني. ص. 106)

ويمكنني القول بأن الكتابة الجديدة، متمثلة هذه المرّة بالكتاب الذي بين أيدينا، تضحي، وبشكل محزن في مجانيته، بالكثير من هوامش الحرية التي جاءتها كهديّة نتيجة لتحولات عامة امتدّ تأثيرها على الإبداعي الفني. إذ تمثل الأمومة، كتجربة اتحاد، أو كتجربة احتواء، حلّا ًافتراضيّاً يصون الذات من الانتفاء بإيجاد ميدان ٍ جديد للتعرّف. ميدان لا يقدّم جديداً سوى تبادل الأدوار بين السيادة والخضوع، أو بين الإطلاق والاحتواء: (أود– كحلّ أخير – أن أحبل بك/ لا شيء ألح من هذا لاحتباسك داخلي/ وفي السرّ…/ تسعة شهور… أمدّدها كل مرّة بالتفاؤل/ تسعة…/ تسعة…/ تسعة… ص. 82) ولأنها ثنائيات متباينة خادعة تقوم الكتابة، كحلم، بتدويرها، أي بإبقائها ثنائياتٍ يمثل الاستبداد جوهر ارتباطها، إذ كل الثنائيات هي تظهير لصورة الاستبداد، مهما حاولت اللغة، التي هي بالأصل رحماً لتلك الثنائيات، أن تتلاعب في مَوضَعَتِهاعلى أنها تظهير مختلف لمشاعر مختلفة. وبالتالي، فإن الخسارة ستبقى أكثر أصالة مما هي في اللغة، وأكثر براعة في التجلي كربح ممكن ومأمول: (لي منك/ طعم خسارة لاذع/ أتحقق منه مراراً/ وأكذب لساني. ص 87) فالوجود والتعيّن هنا يتمان بدلالة الخسارة، إذ إنها الحدث الوحيد الذي يولّد شعورا ً بأن الربح ممكنا ً(في نزالاتي المتكرّرة معك/ كنت فقط أحاول أن أستكشف طعم الخسارة…/ الكون بدونك/ تتالٍ من الربح الممل. ص. 99)

أخيرا ً لا يسعني غير القول، أظنني أكرّره الآن، بأنه ما من قراءة منصفة مهما حاولت الموضوعية في تناولها لمادتها، وخصوصاً حينما تكون تلك المادة من نمط (الكتابة الجديدة) التي لم تتبلور ملامحها بعد كتيّار أدبي يتّصف بالمُضاف إلى النسق، أو الأنساق، الثقافيين السائدين. لكنها محاولة لتلمّس بعضاً من تلك الملامح في كتاب قد يستحق أكثر من قراءة. ولا سيما أنه اقترح تناقضاته وارتباكاته الفنيّة والبلاغية، بمحايثةٍ موفّقةٍ مع مقابلها الشعوري، وكأنه يقدّم بهذا رؤية سارة حبيب الأولى لفعل الكتابة.

(كاتب سوري)

https://www.annahar.com/article/608787-