يَعْبُرُ سؤال الكائن الدازيني

لقد اجتمع أكثر من حكم على اعتبار التّحليل النّفسي في حدّ ذاته فلسفة نفسانيّة، يتبوأ الإنسان مكانا هاما في طليعتها.  ويشهد تاريخ الفلسفة بالاهتمام الواسع لدى الفلاسفة بالمعطى النّفسي واستحضاره في مخطوطاتهم كبعد إنساني جواني، له من الأهمية ممّا كان في تحقيق فهم أصوب بالطبيعة البشريّة المردّة في قسط كبير منها إلى الطبيعة السيكولوجيّة بوجهيها الغريزي والذّاتي (1). ولن نجد هناك من يماري في فضل الفلسفة وإسهامها البيّن في قيام مبحث علم النفس. ونخصّ بالذكر في هذا المقام أهم الأعمال الّتي ابتدأت باكرا مشوار الكشف هذا، مع:

  • أرسطو طاليس وتصوره الميتافيزيقي الذي يعتبر شكل النفس جسد طبيعي يمتلك الحياة بالقوة (أي كميكانيكا). إنّها ‘كمال أول’، أي المبدأ الفعال لجسم طبيعي عضوي، مع تقسيمه النّفس إلى وظائف متعدّدة.
  • تحليل رينيه ديكارت لأهواء النّفس في مؤلف “مصنّف في الأهواء”.
  • باروخ اسبينوزا وبحثه في علل الأفعال وأسباب الجهل بدوافعها “الايتيقا”.
  • القس إتيين بونو دي كوندياك “مصنف في الأحاسيس” .
  • دافيد هيوم “مبحث في الفاهمة البشريّة”.
  • شوبنهاور مفهوم “الإرادة العمياء” الّتي تبقي الفكر – كقوّة عاقلة – غريبا تماما عن قراراتها، مؤلف “العالم كإرادة وتمثل”.
  • هنري برغسون “المادة والذّاكرة”.

.. إلى جانب أبحاث فلسفية أخرى – فينومينولوجية ووجودية وجينيالوجية- تضمّنت إلى غير ما حدّ، تأملات وتحليلات نافدة للكيان النفساني وطرق التوجّد التي يتّخذها في نطاق الحياة العقلية والحسية والعملية. أو لنقل بصيغة أخرى، إنّ الفتح قد كان مع الفلاسفة، أمّا التوغل في متاهات السيكولوجيا البشرية والتّقعيد لمفهوم “اللاوعي”، فأضحى من نصيب التحليل النفسي. ومع ذلك، يلزمنا التّنبيه إلى كون مفهوم “الهُو” يرجع في الأصل إلى نيتشه وفرودك، اللذين استخدما هذا الاصطلاح للدلالة على ما هو لا شخصي ولاإرادي ولاشعوري وطبيعي في القوى العميقة التي تتحكم في الحياة الإنسانية، وهذا هو الشكل الأصلي للجهاز النفسي (2).

ونذكّر القارئ في هذا المُفتتح الموجز، بأنّه ليس غرضنا من خلال المساهمة بهذه الورقة، تفقّد تاريخ علاقة الفلسفة بعلم النفس وخاصة التحليل النفسي، إذ هي مهمة تنجز بتفصيل دقيق تحترم فيه على الأقل بعض المحدّدات أو الشّروط: أولها تحديد ما إذا كانت الأفكار الفلسفيّة الّتي سبقت العصور قد أثرت في تشكّل تصوّرات التّحليل النفسي  ومفاهيمه. وثانيها ضرورة مناقشة مسألة ما إذا كان بالمستطاع بكامل المسوغات التحدث حول فلسفة التّحليل النّفسي وفيما يكمن جوهرها. وثالثا تبيان مدى وكيفية تأثير أفكار التّحليل النّفسي بدورها في الفكر الفلسفي المعاصر في الغرب.

تنطوي وضعية الكائن في الوجود على سمات تُثْبِتُ وتُثَبِّتُ ذات الحين سَكَنَهُ الحقيقي لهذا لوجود، كالحيرة والاندهاش والتساؤل إلى آخره. ولذلك نُظِرَ إلى “القلق” من ناحية فلسفية كدافع للتّفلسف، وخير مؤشر على اليقظة المطلوبة من الكائن إزاء تحسّسه الدائم لوجوده الهشّ ومقربته في كل ثانية من العدم – أي الموت -. فما القلق إلاّ حالة الخوف المطلق أمام العراء المطلق، على حدّ تعبير فيلسوف الكينونة، الذي يُثني على القلق من حيث خواصّه المساعدة على معرفة العدم وإظهاره في فلسفته كسبيل لا مفرّ منه لتعرّف الكائن على ماهيته، عكس الخوف الذي يدفع بالموجود إلى حجب ذاتيته في الوجود والاستكانة إلى أوهامه. وتقتضي الإشارة إلى أن القلق في هذا السياق ليس شعوراً، وإِنّما قيمة فلسفية، إذ أن سبب القلق هو الخوف على الوجود من الانفلات إلى طيّ العدم، وهكذا يتكرّس القلقُ الوجودي كجرس إنذار يوقظ الكائن من غُفليته واغترابه واندفاعه الساذج نحو الحياة. أمّا بالنسبة للتحليل النفسي ذي النّزع اللاكاني، فنجده يُمضي بالقلق وأحواله إلى أقصى الحدود، حينما يعتبر القلق هو ما لا يخطأ « l’angoisse ce qui ne trompe pas » . وتجربة القلق هاته المُنعدم معها اليقين الخالص، تقتضي إعمال الفكر التأويلي الرّافض لكلّ أساس نهائي يمكن أن يعمرّ فيه المعنى المحمول على الموضوعات. ذلك أن حمولة المعنى تتجاوز لانهائيا العلامات الّتي يتحكّم فيها الفرد (لاكان).

إنّه لمنعطف وجودي متشابك وجد فيه لاكان وهايدغر نفسيهما. من منطلقه كمحلل نفسي، اختار لاكان أن يرمي بالكينونة في مجاهيل اللاوعي، ومن هذا مصدر الحديث في فكره عن اللاّوعي النّاطق « l’inconscient –parlant » بدل الكائن الناطق « l’être – parlant » ، على خلفية اعتبار أن اللاوعي هو  من يتحدّث فينا، بل هو نفسه مُبنْين على نحو لغوي. فالطابع الجوهري للكينونة يظهر في اللاوعي، مكان تعرّف الذات على حقيقتها، وأين يرتدّ كلّ وجود حقيقي لا يعرف الزّيف. فحتّى عندما يكذب علينا اللاوعي فهو يقول الحقيقة. بمعنى آخر إنّه الوجه الآخر للحقيقة معكوس في مرايا اللاّحقيقة. إنّ قوّة اللاّوعي تكمن في يقظته عندما نكون نائمين، وإنصاته عندما نكون غير مبالين وتعبيره عندما نكون صامتين. ومن خلال هذه المعابر المغلقة/المفتوحة، يمكن لمعرفته الانفلات من ثنائية المعنى/ الحقيقة، الّتي سعت معظم العقلانيات الغربيّة تقعيدها على كل نظام أو سيستام معرفي.

لقد فلسف جاك لاكان اللاوعي على طريقته، معيدا للغة مكانتها السرمدية في حياة اللاوعي المُتكلم. وكون لاكان مهتما بالكلام الصادر عن اللاوعي، حيث أقام في البداية تمييزاً بين كلام ممتلئ ينتمي إلى الذات وكلام فارغ يصدر عن الأنا وينتمي إلى مجال الخياليّ. وهو تمييز يشبه ما أقامه هايدغر بين خطاب يُفصح عن “فهم الكينونة – في – العالم” و”كلام تافه” لا يعدو أن يكون ثرثرة اجتماعية. فالإنسان ليس سيّد كلامه، بل الكلام هو من يَتكلمُ فيه ومن خلاله. أو كما يقول هايدغر، “الكلام لا يُكلم إلاّ نَفْسه”. إنّ نقطة الوصال الفكري بين هايدغر ولاكان تتماس في ضرورة اللغة التي تمنح للكائن الدازيني في هذا العالم العلاماتي أفقا مُمتدا لتأويل علاماته وإنوجاده.

لطالما يوجد هناك ما يحثّنا على مواصلة التفكير رغم ما يخالجنا من وهم المعرفة، ما دام هناك قصور أو حتّى عُقم يطال ماهية التفكير نفسه. ولقد مضى هايدغر في هذا المنوال معتبرا الكائن الأونطيقي، الذي يحي بين كفّتي الوجود والزمن، وبعد كلّ المسارات التي تعددّت به، لا زال لا يُفكر بعد، بقوله : “إنّ ما يدعو أكثر إلى التفكير هو أننا لا نفكر بعد”. يلتقط لاكان بتمعّن شديد هذه النظرة التشاؤمية عند هايدغر حول سيادة العقل، مُدرجا نَفَسَهَا الفلسفي ضمن مجال عوارض العصر الدالّة على حالة من الغُفلية تَسِمُ الوجود الإنساني. معتبرا  من جانبه أن الوعي مُتناهي وعاجز عن اختراق حقيقة الشيء وأصله، في حين يبدو اللاوعي ذو طبيعة لامتناهية، بما هو يحي خارج حدود المفكر فيه، وربّما يسمو ليقوم مقام ذلك الأصل البدئي الّذي يكتنه سرّ الشيء المُنكَشِفْ/المُنكَشَفْ على سجيّته الأولى. فيجعل بذلك من الوجود الماهوي للكائن الدازيني متحققا في اللاوعي، من حيث هو فهم ما قبل منعكس، لم يتّم طمسه بعد في دواليب سجل الواقع. وفي هذا النّطاق تأتي عبارته الضد ديكارتية الناسفة لأسطورة الكوجيتو : “أنا لا أوجد هناك حيث أنا لعبة فكري، أنا أفكر فيمن أكون، هناك حيث لا أفكر أنني أفكر (3).

ممّا لا جدال فيه كشف فرويد لنا البنيات الأولية المكونة للنفس البشرية من خلال تراكيب اللاوعي، بعد تقسيمها إلى طبقات هرميّة المبنى كطوبولوجيا موضعية. فيما بدا هايدغر أكثر حرصا على تصويب تأملاته تجاه التراكيب الأنطولوجية للكينونة البشريّة، وتناولها من ناحية الفهم ما قبل المنعكس – أي اللاّوعي (4). وتفاديا الغوص في فلسفة هايدغر الكثيفة والمنيعة – وهو ما لا ندعي أننا أهلا له على الإطلاق-  نكتفي بمناولة مفهوم الدازين « Dasein » * عنده باعتباره ما شدّ جاك لاكان ودعاه إلى الانغماس في فكر فيلسوف الغابة لتنشيط المتن التحليلي النفسي، محدثا تعديلات هامة على الأبنية الوجودية (عالم الهو والعالم المحيط والعالم المشترك)، الّتي أوجدها هايدغر وموضع سؤال الكائن ضِمنها *. الأمر الّذي قد يرسم لنا طريقا لطرح التّساؤل التّالي: هل هناك من صلة نظرية تجمع جاك لاكان المحلّل النفسي  بهايدغر الفيلسوف من داخل الأنطولوجيا الوجودية؟ يبدو أن سبيل الجواب يقتضي البحث عن التمفصلات التي شكّلت همزة وصل بين اهتماماتهم الفكرية، ونروم إجمالها في الثالوث المفاهيمي المؤلف من: اللغة والكينونة والحقيقة. لكن، يبقى مفهوم الدازين– الّذي نتناوله في هذه الورقة – بمثابة القنطرة الأساسية الّتي تحاور عبرها اللاوعي اللاكاني مع الفكر الهايدغري.

لقد لجأ لاكان إلى التفكير الفلسفي الهايدغري حول البنية وزمنية الدازين من أجل أن ينهض بالتحليل النفسي إلى رتبة فلسفة للموضوع « philosophie du sujet »، تقطنها اللّغة. وسيكون التّحليل النفسي – حسب لاكان-  هو علم اللغة الّتي تقطنها الذات. فعندما نعود إلى كتابات لاكان نجد لديه قناعات عميقة بأنّ التوجهات الأساسية للتحليل النفسي البنيوي ليس فقط قريبة من توجهات الأنطولوجيا الهايدغرية، بل تسمح أيضا بالتّكميل، النّظر ومراجعة تصور الكائن البشري للوجود والزمن “Sein und Zeit”. لكن من الملاحظ أن هايدغر لم يتقاسم مع لاكان نفس القلق في بلورة علم نفس عام جديد (5). فمنذ الوهلة الأولى، يبدو أن الفرق في تصورهم للغة، جليّ وواضح. بحيث أن منطق الدال ينطلق من فكرة أن المعنى هو دائما الثانوي في مقابل العلاقة التّفضيلية للمصطلحات ضمن سلسلة الدلالة. فبالنسبة للاكان، الموضوع مغمور في المعنى، لأنّه أولا وقبل كل شيء، قد وقع في شباك “مسيرات من الدّال”. بهذا المعنى، يترسّخ فكره المنكبّ على اللّغة، كتحديد لمنطق الدّال، ويعدّ في نفس الوقت كنقد لدلالة المعنى (6).

وإذا ما حاولنا تحديد الرباط الوثيق الّذي يجمع بين النظريّة التحليليّة النفسية لجاك لاكان والفكر الهايدغري، فنجده ينطلق تحديدا من إعادة لاكان وضع بناء نظريته الخاصة على تأويل جدّ منفرد “للتّحليل الوجودي للدازين”. فمثلما أن الأساس في الدازين هو الانكشاف والاختفاء الّذي يبعده عن كل تحديد نهائي ومطلق، نجد البعد اللاواعي المتجذّر في الكائن يحتوي هو كذلك، نفس خاصّيتي الاحتجاب والتّجلي. فمن المعلوم أنّ مسألة الكينونة قد لاقت أشكالا انبجاسيّة مختلفة لدى الفلاسفة، قبل أن تعانق مفهوم الدازين في فكر هايدغر *، وهو الدّال على تلك الوحدة الّتي يلتئم فيها الوجود بالموجود، الفكر بالحياة، الجسد بالنّفس، الكائن بالكينونة، الذّات بالموضوع، فيسقط على هذا النّحو القناع عن التجلّيات الموهومة الّتي يتوجّد بها الموجود داخل العالم، ويصير الفينومين مكشوفا في ذاته. ويُفهم من خلال هذا البناء الهايدرغي للمقام الأنطولوجي للكينونة، حجم الإغراء الّذي مارسه هايدغر على لاكان، فالأساس المفقود، وضياع الأصل، والعدم في مقابل الوجود، والموجود في ذاته ولذاته، والسرّ، بوصفها مفاهيم تنسج المتن الهايدغري، تكاد تقابلها مرادفات اصطلاحيّة شبيهة لدى لاكان من قبيل الفقدان لوجود، الموضوع المفقود أو الغائب، اللاّإشباع السديمي.

أي، تمّت شيء ما غائب، لم يتم التّكشيف عنه على نحو كاف بعد، لكي تتاح للكينونة إمكانيّة الانكشاف على حاقّتها. والملحوظ كذلك، أنّ كلّ منهما سعى إلى التقاط نداء الكينونة الّذي لم يسمع بعد، وسط ضجيج عصره. فاللاّوعي يصرخ بكل قوته لكن نحن ما زلنا عاجزين عن التّواصل مع خطاباته، وتحديد وظيفته، بل والنّفاد إلى أصله وماهيته. والكينونة تتلاشى دون إمكانيّة الكائن صونها من ممّا يُتلفها ويُعيقها عن ملامسة وجودها الأصيل والتوحّد مع العالم الّذي تنتمي إليه وتُنْشِئُهُ في نفس الوقت. وهذا ما جعلهما يتبادلان نفس النظرة الريبيّة والشكاكة لمزاعم النزعات العلمية – التقنوية، إلى جانب الحيطة و التوجس من شفافية الأنا إزاء وضعيته المترنحة في عالم منقسم إلى أصناف من الحقيقة .

إنّ وضعية الإنسان الهشوشة في العالم، بوصفه موجود متفرّع الأبعاد ومنتفي الأصل، تصعب مسألة حصر إنوجاده في نمط أحادي بعينه. وليوضح هايدغر هذا المعطى، قدم ثلاث صيغ كما أسلفنا الذكر، لشرح شكل الوجود المبعثر للكائن، مع تقديمه الدازين على الانبناءات الأخرى للكينونة، وهو ما أطلق عليه اسم الوجود الأصيل أو أصلانيّة الوجود في مقابل باقي الأنماط الزّائفة، ساعيا إلى اكتشاف الطريق الّذي سيجنّب الإنسان عدوى مرض نسيان الكينونة وتركها وراءه، ومنه الاغتراب والتّيه في وجود زائف، يقيم جسورا مع العدم (7). أمّا لاكان، فقد عمل على تفكيك أنماط وجود الكائن عند هايدغر، مستبدلا إيّاها بسجلات بديلة مسمّاة في متنه: خيالي، رمزي، واقعي (R.S.I)، بالموازاة لتقويضه الثّالوث الفرويدي الأثير وتشكليه على هدي ما هو أنطولوجي في مقابل ما هو علمي محض. فالكائن قد حصل تجزيئه بالضعف في الفكر اللاكاني، حيث لم نعد نتحدّث عن ذات مكتملة الوعي بذاتها، بل عن موضوعات جزيئية تركّب كسور الأنا الممسوك بحبال الخيالي والمنقاد بغواية الرَّمزي ليظل الواقع هو السجل المستحيل. كما لم نعد كذلك نتحدث معه عن وحدة مزعومة للهويّة بقدر ما نعثر على انقسام جذري يمتدّ ليشمل الأنوية الذاتيّة الّتي أصبحت مشطورة في تخارجها مع الآخر* .

لا تفوتنا الإشارة  في هذا النّطاق، أنّ جاك لاكان قد اتّخذ موقفا متطرفاً من الأنا الفرويدي. ففي حين كان فرويد قد أعطى للأنا وظيفة هامّة تتمثّل في التّفاوض مع الواقع الخارجي، فإنّ لاكان نظر إلى الأنا بوصفه نتاجاً لسوء التّعرف ولإضفاء طابع موضوعي زائف في مرحلة الطُّفولة الأولى (8)، فالأنا بالنسبة للاكان لا يبنى في الواقع، وإنّما هو نتاج تشكيلات حدثت في السجل الخيالي، واحتفظ بها سرد الذّات لتاريخها. وهو ليس بذلك الأقنوم الّذي تتجذّر فيه الحقيقة، إذ للحقيقة بينة قصة خياليّة (لاكان)، بل هو مجال كلّ وهم واستلاب يُنْكِصُ الذات إلى ماضيها المشوش (9). في حين يعتبر هايدغر الأنا معرض إلى سوء التّعرف على نفسه كلما انزاح عن معرفة الشّيء في ذاته واختلط مع عالم الأغيار، إذ الوجود- في العالم – عندما يستفزنا بقوّة، فهو يدعونا كذلك إلى نسيان الذّات وحجبها.

لقد عوّض لاكان سؤال الكائن، الّذي يحدّد التحليل الهايدغري للدازين، بفكرة الأبعاد الثلاثية وبحضور البعد الرّمزي. فإدراك الرّمزي لا يمكنه في هذا الصّدد أن يكون محددّا باللغة وبكلام الوجود والزّمن. لكن من بين نقط التّماس الّتي نجدها بين هايدغر و لاكان، هي تلك المتعلّقة بتصوّر الدّال في علاقته بالعرض « symptôme » . فعند هايدغر، يَرْتَتِبُ العرض ضمن المؤشّرات، التّمثلات وكذلك الرّموز. إنّه من الممكن تعريف العرض كظاهرة باثولوجية. فالعرض يؤشر على حالة باثولوجية الّتي لا تظهر نفسها، وهو يعتبر أيضا كدليل. فالعرض إذن، يدل على شيء آخر غيره، لكن هذا الشّيء الآخر لا يظهر في ذاته، إنّما ينقشع من خلال تمظهره كتمثل. إنّ العرض يحتل مكانا، باعتباره لا موجود، أو ذلك الشّيء الّتي يتوارى ولا يظهر بجلاء، كما يمكن للعرض أن يكون علامة (10).

ولهو نفس المنظور انهمك المتن الهايدغري في تبيّنه، حيث أنّ المظهَرَ الّذي هوَ مظهر عن شيء مّا، لا يدلُّ على أنّ شيئا قد انكشَفَ بذاته، إنّما هوَ يُنبِئُ بشيء ما، لا ينكشِف أو لا يكشف عن نفسه، عبر شيء مَّا من شأنه أنْ ينكشِف أو يكشِف عن نفسه، ذلكَ أنّ التَّمظهُرَ هوَ ضرب مِنَ اللّاانكشاف، أو هوَ انكشافٌ منقوص (11). نجد هذا التّصور تارة أخرى يراود لاكان، فالدّال هو ذلك الجزء من العلامة الّتي تتحدّد كارتداد، في غياب مدلولها – فضلا عن كون لاكان جاء لقلب علاقة الدال بالمدلول، وكذا العلاقة النظامية للكلام – . لذا، نجد لاكان يؤكّد على أنّ الارتداد الخالص هو فراغ للدال، يؤسّس الحالة الممكنة لكل ارتداد محدّد. إذن فالعلامة لن تكون محددة بمعناها، بمدلولها، ولكن الأمر يُحبك أو يُفهم بالعكس تماما. إنّه لتأسيس ترنسدتالي أحدثه جاك لاكان في قلب الفينومينولوجيا الهايدغرية (12).

في نفس الوقت سَيَنْقُلُ لاكان الوظيفيّة الهايدغيريّة للقلق نحو العرض التّحليلي نفسي. فبتحديدنا للعرض التّحليلنفسي كغياب، وكفقدان، نكون قد جعلنا منه دالا. إنّ العرض في التحليل النفسي يؤسس لارتداد لا يمنح شيئا ليرى، لا شيء يتمظهر، ولا شيء يمثل. فالعرض هو تمظهر أصيل، ارتداد فارغ (13). ولعلّ ما أسعف لاكان في تفهيم فكرة الانكشاف واللاّنكشاف المرتبطة بمنطق الدال، عثوره على سند أنطولوجي في فكر هايدغر. فالبنسبة له كُلّ علامة تمتلِكُ في داخلها مُحيلاً يُنبئُ عن حالة خاصّة به، وبذلك فهو مُرسِل لإيصال رسالة يُريد أنْ يتوجَّدَ بها (14)، وهذا المُحيل، إذا ما أنبأَ بذاتِه، وعلى نحو مُنكشِف أو غير محجوب بذاته، فإنّه سيكونُ فينومانا أصليّا يُعبِّرُ عن كينونته ورسالته الأصليّة في الظُّهور التّام والحُضور الشّامل إذا رام ذلك أصالةً؛ أمّا إذا لم ينكشِف بنفسه، فعندها سيلجأ عبرَ التَّوجُّد العلاماتي إلى علامات؛ علامات تُعبِّرُ عن كينونته ورسالته وطُموحه في التَّوجُّد والحُضور، وهوَ تعبير لا يمتلِكُ من الأصالة سوى وجهاً من وجوهها (15). تبعا لذلك، لم يكن لاكان ليخالف هايدغر فيما انتهى التّنصيص عليه في أنطولجيته الدازينيّة، وهو البَحث عن كُلِّيّة الكينونة فيما وراء جنس الكائن؛ فالكينونة، وبِنية الكينونة، تقعان ما وراء كلّ كائن (16).

تتمثّل وجهة نظر النقديّة الّتي يتمسّك بها التّأويل اللاّكاني تجاه هايدغر، في كون مجموع الارتدادات الّتي تبني العالم وتحدّد الكائن في عالم الموضوعات، تتوقّف أصلا على الطّابع الدّلالي لارتداداته. فالمعنى ليس انفتاح مُكَوِّن لانكشاف الدازين، ولكنّه يُدرك كفعل ناتج عن علاقات الدّال. لهذا السّبب، وبفضل هذا القلب، استطاع لاكان عدم الاكتراث بالأنطولوجيا على غرار الفينومينولوجيا الهايدغريّة. إذ وراء العالم، ووراء التّمظهر يقبع “البعد الرّمزي” كشرط لإمكان هذا العالم (على نحو قبلي). إنّ انقلاب إدراك الرّمز هذا قد أعلن أيضا عن قطيعة موغلة فصلت فيما بعد لاكان أكثر فأكثر عن الفلسفة الهايدغريّة (17). وليس في الأمر من مفاضلة بين هرمين انفرد بهما القرن العشرين، فقد افتقد تفكير لاكان الاتّساق والنّسقيّة والتّمساك المنهجي ممّا أعاق إمكانيّة ايجاد نسق فلسفي ينتظم مكوّنات مشروعه، عكس هايدغر الّذي حملته الذّائقة الفلسفية على ترصين مفاهيمه بشكل اتّخذت معه معماريّة الفينومينولوجيا الوجوديّة أفقا تأويليا أضاء سماء الفلسفة المعاصرة ولايزال، هذا وإن اقتصرت نصوص هايدجر فقط على إقامة أنطولوجيا للدازين ولأنماط وجوده: الوجود من أجل الموت، والهمّ، والقلق، والملل، والعزلة. ولم تكابد في تأصيل مفاهيم أخرى كالرّغبة مثلا، لذا يعتبر لاكان من القرّاء المفكّكين لهايدغر وخير فاتح لفلسفته على الأنطولوجيا النفسيّة والهيرومنطيقا لاحقا.

*********

هوامش:

  1. راجع في هذا الصدد: موسوعة إنسان العصر الحديث وفكره: المجلد الأول، ترجمة ابراهيم زيد، محمد آيت يوسف، منشورات عكاظ – ايديليك فرنسا – المغرب، 2016 ، ص15 إلى ص 20.
  2. دانيال لاكاش، التحليل النفسي، ترجمة متري شماس، منشورات ماذا أعرف؟، بدون.
  3. سيمينير “التماهي”.
  4. إشكالية تأسـيـس الـدازين Dasein في أونطــولوجــيا مارتن هيدغــر، فيصل لكحل‎، كنوز الحكمة، منشور على الموقع الإلكتروني:

https://books.google.co.ma/books?id=q_WKCgAAQBAJ&pg=PA118&lpg=PA118&dq=%D8%AC%D8%A7%D9%83+%D9%84%D8%A7%D9%83%D8%A7%D9%86+%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%86+%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D8%BA%D8%B1&source=bl&ots=2uym3-KvwQ&sig=XvhXIwZas_KzEzLsHP9bnLzmZXo&hl=fr&sa=X&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false

* لقد احتفظنا بنفس البناء المورفولوجي لمفهوم الدازين، نظرا لعدم وجود مقابل موحد للمفهوم وتعدد المرادفات التي تتخلّل عملية ترجماته إلى اللسان العربي، ومن ضمنها نذكر: كينونة الهُناك، أو الهوَ ذاك، أو  الهوَ ذا، أو الوجود هُناك، أو الوجود المتعيِّن، أو الوجود في العالم، أو الوجود المُتمثِّل في حالة الإنسان من زاوية وجوده، وطرُق كينونته، أو (كينونة الإنسان) بوصفها أفُق وجود”.

* بالنسبة للمقام الفكري لهايدغر، نجيز القول عنه بأنه كان بمثابة إعصار جارف اجتث تاريخ الفلسفة من جذوره، بما أنه يعدّ من الفلاسفة القلائل اللذين أحدثوا إلى جانب فريديريك نيتشه تحولا راديكاليا في تأويل تاريخ الفلسفة. وهو أيضا من اللذين يصدق عليهم لقب الفيلسوف المضاد الخصيم لفلسفات عصره.

  1.  psychanalyse.lu/articles/SimonelliHeideggerLacan.htm
  2. psychanalyse.lu/articles/SimonelliHeideggerLacan.htm
  3. لقد تحدّد سعي هايدغر في إعادته اكتشاف الكينونة من وراء كل ما علق بها من المصطلح والاجراء والاستعمال والتمويه والتحريف والقوننة. راجع: مجلة الفكر العربي المعاصر “العقل والنقل بين الأمس واليوم” ، مركز الانماء القومي، 2014 العدد 165- 164، ص – ص 19، 28.

* راجع مقالنا في هذا الصدد  »أشياء تقال عن جاك لاكان « صحيفة ذوات الالكترونية، على الرابط:

http://www.thewhatnews.net/post-page.php?post_alias=%D8%A3%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%A1

  1. فأن يغمر الذات سؤال وجودها ويدعّمها، أن يغزوها، بل يمزقها إربا، فهذا ما تشهد به لها التوترات، والتوقفات، والهوامات التي يصادفها المحلّل. مع أنه ينبغي القول إنها {تفعل ذلك} بصفتها عناصر تنتمي إلى الخطاب الخاص الذي يتمفصل فيه السؤال ضمن الآخر. المرجع: كتابات، ص 64.

* عندما يبلغ الطفل السنة والنصف، لا تكون له معرفة حقيقية بجسده الخاص به، بعد، باعتباره كلية متميزة عن العالم الخارجي. ولكن ترى ما يجري في هذه الفترة، بين 16 و 18 عشر شهرا؟ على هذا السؤال تجيب نظرية لاكان حول المرحلة التجبيرية التي يدعوها مرحلة المرآة. فالذات تستبق نضوجها الخاص من خلال إدراكها الشكل الكلي لجسدها الخاص في حالة صورة خارجة عنها « La réaction affective de l’enfant face à son image »، في فترة هي، بالتالي، فترة سابقة لتصوّر الخطاطة الجسدية، ويتمكن الطفل من التعرّف على نفسه من خلال تماهيه بهذه الصورة، التي هي في الأخير ليس هو. ومن ثم، يحتفظ الأنا الخيالي، إزاء هذا الأنا الآخذ في التكوّن كذات، وبصورة دائمة، بعلاقة تتموقع في السجل الرمزي، إلا أنها علاقة مدموغة بطابع الخيالي. أنظر : مجلة بيت الحكمة، عدد مخصص للاكان،  ص 69.

  1. يكتب لاكان ضمن نص أوتوبيوغرافي قصير عنوانه: عن سوابقنا: إن مرحلة المرآة تعطينا قاعدة الفصل بين الخيالي والرمزي، في تلك اللحظة التي سيستولي فيها جمود تاريخي، يحمل عبثه كل ما يعتبر نفسه سيكولوجيا، ولو من خلال طرق تدعي الإفلات منه. {كتابات ، ص 84}.
  2.  psychanalyse.lu/articles/SimonelliHeideggerLacan.htm
  1. العلامة.. الجسَد.. الاختلاف ، تأمُّلات في فلسفة مارتن هيدغر، رسول محمّد رسول، دار عدنان للنشر والتوزيع، 2015، ص 42.
  2. psychanalyse.lu/articles/SimonelliHeideggerLacan.htm

13.  www.psychanalyse.lu/articles/SimonelliHeideggerLacan.htm

  1. العلامة.. الجسَد.. الاختلاف ، تأمُّلات في فلسفة مارتن هيدغر، رسول محمّد رسول، دار عدنان للنشر والتوزيع، 2015، ص 43.
  2. نفس المرجع.
  3. نفس المرجع، ص – ص 35 ، 36.
  4. psychanalyse.lu/articles/SimonelliHeideggerLacan.htm

((الأوان))