هل يمكن أن استخدم أدوات استبدال حدوة الحصان لاستبدال إطار سيارة؟

كان تلقي القصيدة العمودية يدور في فلك محورين متصارعين هما نظرية عمود الشعر ونظرية البديع للمحدثين ، وعليهما وضعت معايير تلقي الشعر ومفاضلته، وتشكَّلت على وفق المحورين جماهير التلقي التي بثت طائفة هائلة من المقولات المدافعة عن كل طرف، هكذا ظلّ الشعر العمودي يقرأ بسلاسة لأنه محاط بسبل تلقيه والنظريات المساعدة على ذلك.في مطلع القرن العشرين أحاطت المذاهب الأدبية (الكلاسيكية، الرومانسية، الرمزية) بنظرية الشعر ومفاهيمه، وأسقطت المعيارين القديمين، لأن تلقي الشعر صار محكوما بطروحات هذه المذاهب ونظراتها للغة والصورة والايقاع والخيال، وهي نظرات مفارقة للمفاهيم التقليدية وحدودها.
هنا تعرضت معادلة تلقي الشعر إلى تغيير عميق لكنه ليس جذريا، المهم أن مفهوم الشعر صار عصريا يتناول تحولات الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والعاطفية، وأخذت الأغراض التقليدية تتلاشى تدريجيا. وحين بزغت شمس القصيدة الحرة أو التي سميت لاحقا قصيدة التفعيلة تعرض مفهوم الشعر لهزة عنيفة شملت التراتبية الإيقاعية وحدود اللغة وصلاحيتها فضلا عن طرائق التركيب الصوري التي تجاوزت حدود القرائن اللغوية لتبحر بعيدا في لجة القرائن الذهنية والإيحائية، هذا المجموع أوجد لنا مفهوما مازال فاعلا في التجارب الراهنة وهو “وحدة القصيدة” الذي لا يجعل البيت الشعري الواحد دليلا على معيار نقدي ما، بل يتخطاه الى جعل القصيدة معمارا متكاملا يفضي إلى : *فكرة جوهرية * رؤيا * بؤر متواشجة تعود الى نواة جامعة * تجربة متناغمة وهو ما أعطى الشعراء زخما شاسعا للتعبير عن مواقفهم الايديولوجية والعاطفية بفردانية نادرة لم تتح من قبل . مع هذا ظلت التجارب الشعرية تدور في مدار تجربة الشكل والنظام والوحدة العضوية ، وتحولت التجربة الايقاعية من تجربة نظامية قواعدية (العروض) الى تجربة شبه نظامية (توسعة المجالات العروضية) . هكذا يمكن أن نتلقى تجارب ألمع الشعراء العرب في العصر الحديث مثل السياب، نزار قباني، أدونيس، سعدي يوسف ،أمل دنقل وغيرهم، لكن كيف نتلقى قصيدة النثر ، وكيف نرصد التطورات الشكلية والتعبيرية والتصويرية والايقاعية فيها ؟ وهل يمكن تحرير إجابات وافية عن هذه المحاور؟ فيما يتعلق بالبناء الشكلي فقد ورثت قصيدة النثر من قصيدة التفعيلة الترتيب المقطعي ذا الجمل المتفاوتة الطول ، حتى أن قصائد النثر ذات الطبيعة الحكائية هي ليس سوى جمل مقطعية مدمجة لتأخذ شكلا متواصلا أو دائريا، ولو دققنا لعرفنا أن البناء المقطعي لازمة شكلية في الشعر الحديث ، ما يعني أن كثيرا من قصائد النثر مازلت تلازم صيغة الوحدة العضوية في القصيدة كلها أو البؤر المترابطة أو الرؤيا الموحدة أو الكيان التصويري المتكامل، والنماذج التي تلتزم هذه الحدود تؤمن أن حضور شكل ما ضرورة فنية قارّة، وفيها يكون الالتزام بتجربة اللغة الخاصة المتفردة للشاعر ضربا من تكريس الصوت الشعري الذي تسنده تجربة صورية وأسلوبية قابلة للتحليلات النقدية والقرائية . لكن كيف نتلقى قصائد نثرية تتبنى معايير مغايرة ، إذا ما عرفنا أن الشعر لا يقف عند حدّ أو إشارة أو قانون ؟ ثمة قصائد نثرية تقدّم بوصفها شذرات ، صور متشظية لراهن محكوم بالسرعة التداولية للأحداث والصور والمفاجآت والتقلبات الهائلة، القصيدة تحاول في هذا السياق أن تلعب دور المعاين والمنبِّه لطغيان هذا النمط الحياتي ، لذا يجب أن تعاين من هذا المنظور . بينما تمارس قصائد أخرى معارضة حادة لمفهوم شعر التفعيلة بأن تغادر أحلام شعرائها بقصائد الوحدة العضوية والرؤيا والرموز إلى قصائد يومية تلتقط غرائبيات الحياة بلغة مباشرة صادمة تكتسب دهشتها من الالتقاطات المثيرة، وهنا يتمّ التحول في تجربة اللغة الشعرية التي تنفتح بقوة على قاموس الحياة المعاشة دون الالتزام بلغة القواميس ومعايير جودة اللغة . في قصائد مختلفة تجري اعادة تقييم للتاريخ والسرديات الحاكمة من منظورات عصرية غير محكومة بالايديولوجيا (دينية، قومية، ماركسية وغيرها) ، هي قصائد غير مقيدة بمنظور أي سلطة، وهي تحاول أن تقارب فكريا أحداث التاريخ والافكار الحاكمة فيه.التجارب الذاتية الغارقة في التجربة الشخصية تصبح أنموذجا مصغّرا للعالم في سياق زماني ومكاني محدد، إنها تنقل للقارئ صيغة الحياة المعاصرة كما هي بلا رموز ، والأزمات التي يعيشها الفرد في عصر التقانات والميديا وغياب الجماليات والأحلام في لجة السرعة والحروب، هذه القصائد تحمل مكاشفات حميمة ومؤشرات مهمة عن طبيعة الراهن، وهي بديل حقيقي وأصيل عن الصخب الهادر للذوات المتضخمة في الأشكال الشعرية الأخرى التي لايزال أصحابها يعتقدون أن تغيير العالم يحدث من على منبر مهرجان .

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.as