محمد ناصر الدين

شوقي أبي شقرا: طاحونة الذكريات | يقول باشو، شاعر الهايكو الياباني العظيم: «قضيت الحياة بأسرها أشرح مبدأ الزن (ZEN) البوذي، ورغم ذلك لست قادراً على فهمه». وحين سأله أحدهم: «وكيف يمكنك شرح شيء لا تعرفه أنت بنفسك؟»، أجاب ضاحكاً: «وهل عليّ أن أشرح هذا الشيء أيضاً؟».

تعريف الشعر ضرب من المستحيل أو من اليوتوبيا.
هل يمكننا تعريف الموت، أو الموسيقى، أو الحب؟ شيء وحيد يمكن أن يشكل مدخلاً لفهم هذا الغامض الجميل، هو طاقة الخلق، أو إعطاء الرؤية كما يقول بول إيلور، قدرة على تظهير العالم، وإبراز الجوهر الحقيقي للإنسان، والكشف عن الزائل يتسرب منا كالماء من قبضة اليد حين نعجز أمام اللانهائي والمطلق.
من طاقة الخلق هذه، ندخل عالم شوقي أبي شقرا (1935) الشعري، حيث يحوّل اللغة إلى نوع من الخيمياء، والطاقة الشامانية التي تتسم بكثير من الغرابة والطفولية الأشبه برسوم متحركة شعرية تعبث بالصور بشدة والطرافة مثل «العصفور بيانو»، «أحرث الكسل والتجاعيد»، «أنا الرسول المقلم، حمار وحشي سريع، أنا الخفيف لا أطير، أرتبط بجنزير الحائط، بموعد الحق»، «حيرتي تجلس تفاحة على الطاولة»… طاقة لازمت مجموعاته الشعرية الكثيرة التي كان باكورتها كتاب «أكياس الفقراء» (1959) مروراً بـ «خطوات الملك»، «ماء إلى حصان العائلة»، «سنجاب يقع من أعلى البرج»، إضافة إلى «لا تأخذ تاج فتى الهيكل» و«أبجدية الكلمة والصورة»، وانتهاءً بكتاب مذكراته «شوقي أبي شقرا يتذكر» الصادر أخيراً عن «دار نلسن» ومجلة «الحركة الشعرية» في المكسيك (٢٠١٧).
في ظاهر كتاب المذكرات، يدعو شوقي أبي شقرا سيرته الشعرية والثقافية التي امتدت إلى أكثر من ستين عاماً إلى «مأدبة يجب أن تتم» كما يقول في مجموعته «ثياب سهرة الواحة والعشبة». مائدة ستجمع إلى المحطات البارزة في حياته الشعراء والنقاد والصحافيين الذين عرفهم من «حلقة الثريا» وجريدة «النهار» كمسؤول لصفحتها الثقافية لثلاثة عقود ونيف، وأصدقائه من «شاعر البلاد» محمود درويش، إلى أدونيس «الصديق الألطف الذي كان شاهداً على ولادة قصيدتي» إلى باقي مؤسسي مجلة «شعر» الأوائل من يوسف الخال، ومحمد الماغوط، وفؤاد رفقة ونذير العظمة… ليخصّ كل واحد من أصدقائه وصديقاته بفقرة مطولة، ولا سيما أنسي الحاج وخالدة سعيد وفرنسوا عقل.

وإذا كان الموت المبكر للأب سيدفع إيف بونفوا، أعظم شعراء فرنسا المعاصرين، إلى ترك مدينته الأم (Tours) نحو رجولة مبكرة، فإنّ موت الأب المبكر في بلدة عين تراز الجبلية، وإن ترك في شوقي أبي شقرا زلزالاً جعله «يشكو ولا يشكو ويبكي ولا يبكي ولا يخرج إلى مكان إلا والغصة في كيانه» (ص 36 )، إلا أنه سيقول لاحقاً في حوار صحافي مع ناشره الشاعر سليمان بختي: «أعتقد أنني انتقمت من الحياة دون أن أجرحها، بطريقة شريفة ونبيلة. وكما في الفروسية ينتصر الذي يقلب الآخر عن الحصان.
أنا قلبت الحياة وانتصرت عليها بهذه الطريقة. لم يكن لدي طريقة أخرى ولا سلاح.
سلاحي القلم والخيال». خيال وقلم؛ خيال أشبه بشجرة قديسة في صحراء، شجرة تصنعها الطبيعة في صميم تعريف الشعر الذي يصنع موسيقاه وقوانينه من داخله، فإذا به يؤسس غرابة استعصت على أي مدرسة غربية من سوريالية ودادائية لكونها لم تلجأ إلى أقنعة ثقافية ومكونات أسطورية وتاريخية ووصايا وتعاليم لبناء القصيدة. وكذلك انفصلت مبكراً عن البلاغة التقليدية والتراث العربي لمصلحة عناصر شامانية وريفية ساحرة ولحساب كيميائها وطقوسها الخاصة فقط.
لعل هذه الطفولية السحرية والعروض المفاجئة الساخرة والكولاج وقلب المألوف، هو ما يلقي بقصيدة شوقي أبي شقرا في قلب ما بعد الحداثة الشعرية، هو الذي قدم إلى الشعر ببداءة رعوية ونصاعة داخلية ريفية مطعمة بأوراق «الخروبة» ورماد «الوجاق» بعيدة من أي تلوث، ولصالح طفولة أشبه بفردوس مفقود ستعلم الشاعر في ما بعد أن يصنع بالمذكرات كما بالكلمات ما صنعه بألعابه التي خاطبها سابقاً: «أين لعبتي، وأين قجتي وأين والدي، يعطيني الورقة الملونة لأصنع طيارة، وأين القصب الذي ينفخ الموسيقى والتعابير، وأين قصبتي لأجرح أصبعي، ولأن آخذ السكين وأجرح جسدها وأقص هذا الهيكل إلى حجر وأنساه في الطبيعة».
يروي شوقي أبي شقرا سيرته بلغة السرد التسلسلية دون إشكالية ثقافية ظاهرة في الكتاب، ليخفيها مثل زارع ألغام محترف خلف تسلسل الأزمان والوقائع: يشير (ص 68) إلى قصة قلمه الأحمر، الذي كان «يعلم» به قصائد ومقالات غيره، ويمعن بها تشذيباً وترتيباً ليمنحها أناقة استثنائية، هو الذي وصف نفسه بـ «طاحونة اللغة» و«حداد وبويجي الشعر».
تحيلنا هذه الإشارة البسيطة إلى ميزان الصوت والصمت في اللغة، الذي أشار إليه بول كلوديل بجملته الشهيرة: «قصيدتي مصنوعة من هذه الكلمات المرصوفة مثل مفاتيح فوق الورق»، وإلى معضلة الشاعر ــ القاضي الذي يحكم على بعض الكلمات الزائدة بالموت المؤبد، وهذا ما سيقوله شوقي أبي شقرا بوضوح في الكتاب: «لطالما ساعدت الغير وحذفت الضراء من نصوصه في معبد الثقافة» (ص 93).
يقول رالف والدو إمرسون إنّ «الإنسان نصف كائن، ونصفه الآخر هو لغته».
لا نعرف تحديداً موقع الذكريات في هذه العبارة، لكن شوقي أبي شقرا، سواء اختار صوره بعناية ورتب أساليبها اللغوية بوعي، أو انسالت من تلقاء نفسها كماء (جريح بأطراف الحصى كلما جرى/ عليها شكا أوجاعه بخريره ـ والقول لمحمد بن عمار الأندلسي) هو غابة مكتملة بسناجبها وأحصنتها وأغصانها وأصواتها ووحوشها، وعصفور صغير يخاطبه شوقي أبي شقرا، بطريقة تعيدنا إلى المربع الأول في السؤال عن ماهية الشعر: «الدهشة منك أنك العصفور/ أنت ابن عمي وأكثر».

كلمات
العدد ٣٢٠٣ السبت ١٧ حزيران ٢٠١٧