“المادة … تعريفها غير ممكن بغـير الاختلاف

 اللا مـنطقي الذي يمثل بالنسبة لاقتصاد

الكون نفس ما تمثله الجريمة بالنسبة للقانون”.        

جورج باطاي

                                                   

ترجمة: محمد العرابي
كيف يعقل إذن، أن نصاً بهذه الضخامة، والإنسجام والتدقيق ويتم بشكل مفارق التصريح عنه، بأنه رتيب ومضجر، في حين يعتبر هو من بين النصوص الأكثر تميزاً وفرادة والأكثر إثارة في مكتبتنا، كيف يعقل إذن، أن هذا النص يقرأ أو ينشر في آن بشكل مجزأ، ويتم اختزاله في بعض الدلالات الكبرى، لكي تُنعت بعد ذلك بأنها دلالات فريدة؟ وزيادة في الدقة، كيف يعقل، أننا ننساق إلى طرح فكر ساد بمعزل عن كتابته، هذا الفكر الذي سيكون بحسب الحالات، وبحسب تقمصنا لدور المتَّهِم أو المتهَم، أي بحسب خضوعنا لصيغة من صيغ التعبير القضائي ومن ثم البلاغي، سيكون إما مرضياً ولا إنسانياً، أو لنقل: واضحاً، جريئاً، وتفسيرياً لحدث إسمه الإنسان؟  المسألة المطروحة من خلال الاسم الممتنع ظاهريا للماركيز دي ساديمكن تلخيصها بلا شك على هذا النحو: كيف يعقل أن النص السادي (نسبة إلى ساد) لا يوجد كنص بالنسبة لمجتمعنا وثقافتنا؟ ولماذا يصرُّ هذا المجتمع وهذه الثقافة على أن يرى في عمل من ثمرة الخيال، سلسلة من الروايات، مجموعة مكتوبة، شيئا أكثر تهديداً وخطورة من واقع، يمكن وحده أن يؤدي إلى ذلك؛ واقعٍ لن يكون منذئذ، نتيجة لهذه النبرة الخفائية التي يجد نفسه موسوماً بها، إلاّ واقعاً مقدساً؟

كيف يعقل أن يظل ساد مرفوضاً ومقبولاً في آن: مرفوضاً كعمل تخييلي [ككتابة]، ومقبولاً كواقع؛ مرفوضاً كقراءة شمولية، ومقبولاً كمرجعية سيكولوجية أو فزيلوجية؟

يمكن أن نجازف بتقديم إجابة على الفور: نحن لم نقرر بعد قراءة ساد، من منطلق أن القراءة الجديرة به، لا توجد في بنية هذا المجتمع وهذه الثقافة؛ والأهم، أن ساد يلغي جذرياً كل أنماط القراءة التي نواصل ممارستها وننوي القيام بها بشكل تعميمي. وهذا بالمعنى الذي يجعله يفترض وجود علاقة، محجوبة من طرف الخطاب وإن أصبحت نشيطة منذ زمن، تنظر إلى الفكر ليس باعتباره علة للغة، بل باعتبار أن اللغة لا علّة لها، وتنظر إلى الكتابة باعتبارها دالاً محضاً.

لأن ما يبرز مع ساد هو تغيير عنيف، وكامل، للكتابة التي عانت طويلاً من الكبت من لدن الكلام الإلهي. وما يبدو أنه يقع تحت المظهر المتوحش للانحلال (perversion) ، هو بالضبط نقيض العصاب المؤسس من لدن حضارة قائمة على تمجيد هذا الكلام. وهذا تحديداً، ليس بالفوضى، بل مستوى من خلق العالم شرط أن يقاوم، لكونه تدميراً وإعادة إنتاج لمجموعة تقع نهباً للعبة بدئية، كل فكرة تفيد توقف عملية الخلق، وانتهاءها، وارتباطها بقصد معين.

وإذا كان لا بد من تعيين بؤرة للكتابة السادية، فلن تكون إلا هذه: إبطال كل سببيّة، بحيث أن هذا  الإبطال ينتهي  بعد أن  نقض الإله بالطبيعة، بالتضحية بالطبيعة في سبيل حركة لا متناهية من الكلمات تتضاعف وترتقي في دلالتها الخاصة: «إننا غير مرتبطين بالإله ولا حتى بالطبيعة، يقول ساد، الأسباب قد لا تكون ضرورية للنتائج».

فأن يتم أخيراً امتصاص العالم في خطاب مادي، وأن تعين الطبيعة تبعاً لذلك، كما كانت دائماً كجدلية سلبية للثقافة، وأن نتمكن إذن للحظة من الإقرار بهدوء: ينبغي على الطبيعة أن تمر عبر استيهام الثقافة – فهذا، لعمري، ما لا سبيل إلى غفرانه. ويكفي أن يوجد نصساد في أي من مجتمعاتنا، لكي تتسلل إليه عدوى وباء ظلَّ كامناً وآن أوان ظهوره، وكي تطوح ريح صامتة بزيف المبادئ التي تقوم عليها معرفتنا، ولكي يُخلخَل مرتكزها الطبيعي والمعياري ويُلغَّم مرة واحدة وإلى الأبد.

وعلى هذا النحو نكون قد نُبِّهنا إلى الحدّ الذي قررنا، رغماً عنّا، مواصلة العيش تحت سقفه. ومن المهم الآن مساءلة هذا التنبيه.

 

العلة

لقد تمت نشأتنا بالضرورة داخل ثقافة معينة، وهذه الثقافة التي يكمن دورها في إخضاعنا وقسرنا على تقبل رؤاها، قائمة كليا على مبدأالعلة. ونحن مجبرون على تقبل كل ما يعتبر خارجاً عنا، أكان حكماً أم قياساً، ضمانة أم هوية مطلقة أم أبوة، شريعة أم كينونة، أم كل هذه الأشكال تحت عنوان: الإله، على قبوله كعلة تم ترسيخها فينا عن طريق التعليم والخوف. إننا نُسقط، نتيجة لذلك، هذا التكوين الثقافي علىالواقع، دون أن نفطن إلى أننا إذ نصوغ، مرغمين هذا الواقع فإننا نخضع له في نهاية المطاف: نعود صنيعة لمنتجاتنا. ومن هذا المنطلق فحيثما تفصح طبيعة ما عن صبغتها الجوهرية وليست الجدلية [محددة التأويل بشكل مسبق، عوض تركه أمام مسؤولياته الشكلية]، يُفتح المجال إذن، للعدم للاشتغال، من خلال مثالية عصابية يمكن مع ذلك أن تنقلب إلى مادية زائفة ذات بعد ميتافيزيقي. مما يوقع العقل الإنساني في شرك انحراف نادر وحتمي، في وهم أشدّ خصوصية، يمكن أن نطلق عليه الوهم الأقنومي، مع الإشارة إلى أن وظيفة الأقنوم الأساسية تكمن في جعل التخييل حقيقة واقعة. الشكل الصريح لهذا الانحراف [الذي يشتغل أيضا في مفهوم الأصل] هو الدين طبعا كشكل عام للعصاب: غير أن الدين نفسه –وكل عقيدة أو ميتولوجيا، أو منظومة فلسفية وبالأحرى كل “نزعة إنسانية” قائمة على المعيارية– لم يعد ممكنا إلا بواسطة هذه القوة السببية، التي تجد غناها في الموقف المتخذ تجاه اللغة، ويمكن صياغته كالتالي: إني أتوّج كلمة على كل كلمات الخطاب، وإن الشريعة مكتوبة خارجي، ووجودي مجرد مجاز مؤقت لها، حالة خاصة من الصيغة العامة للمبني للمجهول “يقال”، ودوري يقتصر على كبح ونفي ما أحسّ أنه مكتوب فيَّ، “في روحي”. وإذن، ما الذي تعلّمني إياه هذه الكتابة إن أنا لم أغلِّفها “بصوت” الوعي؟ إنها تعلمني الرغبة. والرغبة تعني غياب القيود بالذات، والطاقةَ اللامتناهية واللامسؤولة والتي لا نقيض لها، والفورةَ التي يسعى كل مجتمع لتصريفها عبر مجموعة من القنوات. سيقوم ساد بإيضاح هذه اللحظة من تحويل الجنسانية إلى إله، والى قانون وإلى وعي؛ وهي اللحظة التي يتحول فيها الإنسان إلى حيوان مروَّض يرتكب كل الفظاعات متذرعا في ذلك بالواجب :

«عبر العصور، وجد الإنسان لذة في سفك دماء أمثاله، ولأجل تبرئة نفسه، فقد قنع هذه الرغبة حينا بقناع العدالة، وأحيانا بستار الدين. وفي العمق، تبقى اللذة العارمة التي يجدها في ممارسة القتل هي الموجه الأول والأخير».

«الألوهية… هل ينبغي على هذه الآلة الطيبة أن تعتني دائما بكل آثام الإنسان؟».

هذا الإرتباط بين العرش والمذبح –بين السلطة والإيمان– يوجد إذن، في أساس التنظيم الإنساني الذي عليه أن يكبح جماح الرغبة ويقنِّعها بالكلام السببي، خوفا على الجنس البشري من الانقراض. وهذا الكبت الجنسي هو كبت لغوي بالدرجة الأولى: فبين العبادة والثقافة يوجد تواطؤ حميمي. والحيوان الناطق يضع نفسه بهذا الشكل كعلامة لها الحظوة على كل ما عداها، باعتباره استعارة جوهرية ومركزية لمعنى يصدر من ذاته: «من بين أقصى أنواع التطرف التي يمكن أن يؤدي إليها كبرياء الإنسان، والأكثر عبثاً، من دون شك، هي تلك الحالة الفريدة من الاعتداد بالنفس.»

و من ثم فالوضع يؤدي إلى انبثاق سلسلة لامتناهية من الثنائيات، لعلّ أهمها ثنائية الروح والمادة، أي المحتوى والشكل، المعنى والمبنى، وباختصار الخير والشر. إن العصاب الجماعي هو ما يحرمنا تلقائياً من الولوج إلى التناقض الموضوعي، بمعنى ما ينزع من الفرد ويحرمه من إمكانية أن يحيى لغته الخاصة، ويحيى ذاته ليس كعلامة لشيء آخر [بالعثور على هويته في هذه العلاقة] ولكن بمثابته علامة على ذاته [وإذن باعتباره غير مطابق لذاته]: ليس أمامه إلا أن يختار، إما العصاب الجماعي أو الانحلال، إما العصاب أو ما يمكن تسميته بـ “الجنون”.

لقد أراد ساد عن طريق التفكير إماطة اللثام عن العصاب المؤسس للإنسانية، حتى في أعمق جذوره، ولم يكتب من جهة أخرى إلا لكي يبرز دون كلل،  هذه الطيّة (Pli) حيث تتوارى عنا اللغة، وهو ما حتم عليه الانضواء تحت علامة الانحلال الذي يصوغ من هذا العصاب وهذه الطية النفي الفعال. كلمة انحلال تحتفظ هنا بكامل أصالتها، وفي المستوى الذي نريده لها تخرج عن المرآوية المبسطة: انحلال–عصاب. ومثلما كان نيتشه يرى في الانحلال التحقق الملموس لكل ما هو “روحاني”، كذلك فقد تجلى لنا الفكر النظري –ذلك الذي له القابلية لتعديل الشروط الحقيقية للفكر– كسابقه في وضع منحل جوهرياً. بل إن الانحلال هو نفسه الفكر النظري، أي أنه يمثل نفس ما يمثله المنطق بالنسبة لكل ممارسة تطبيقية. إن ساد لا يُنظِّر لشيء ولا يقوم بممارسته: وهو في هذا يقرّ بالتقسيم الثنائي الذي سعى جاهداً من أجل محوه. وسيلجأ ساد صراحة إذن، ما دام مجال العصاب هو مجال تحويل الخيال إلى واقع، باللجوء إلى خيال لا يقبل التسوية، إلى إظهار الخيال الذي نتقيد فيه بالنظر إلى المستوى الذي  نفكر به ونعيشه به.

أسلفنا بأن هذا هو مستوى العصاب، والكلام المؤسسي، وصيغة المبني للمجهول “يقال” أي مستوى الجنون بالنسبة لـ ساد –وهذه أولى عمليات القلب التي يقوم بها-. [«ما دام هناك بشر، فلا بد أن يكون هناك مجانين. وما دام هناك مجانين فلا بد أن يكون هناك آلهة، جنة، وجحيم، الخ»]. وعموماً، يمكن صياغة التعارض خير-شر، بهذا الشكل:

(+) الخير [المعيار]، إنه من يضع العلامات – أي نحن – عن طريق علة ما: نحن علامات لهذه العلة الضامنة لحقيقتنا.

(-) الشر [الشذوذ]، يصبح لا وعي الخير: إنه كل شيء، مكبوح، يهدّد هذه الحقيقة الجوهرية.

إن “المنحلّ” الذي لا يقبل بأن يوضع في مأمن من العلامات، محكوم عليه إذن، بتأكيد الشرّ حتى يتسنى له تحرير العلامات وبلوغ الغاية دون علّة للرغبة. ولتحقيق ذلك، يجد نفسه مرغماً على مواجهة الثنائية الأكثر واقعية والتي لا يمكن تلافيها، تلك المتعلّقة باللذة والألم. وإذا أمكنه أن يثبت إمّا عبر حياته أو فكره –ما دام دوره يكمن في إبراز خاصيتهما غير المنفصمة العرى، وكتابة أحديهما للآخر– أن آلام الآخرين فضلا ًعن ألامه الخاصة، يمكن أن تنقلب إلى لذة، لذة لا حدود لها بإمكانها تجاوز كل اشمئزاز، وقلب كل سلبية إلى نوع من الإيجابية المضاعفة [كما لو أن حاصل ضرب سالب في سالب هو، بالنسبة له،  موجب لا نهائي]؛ وإذا أمكنه إنجاز هذه المهمة المستحيلة ظاهرياً والخالية من المعنى [ما دام، المعنى، بالنسبة لنا هو دائما الخير] يكون قد قوّض من الأساس السلسلة الثنائية بكل ما تحمله من كثافة، مكتشفاً في نفس الوقت بأن عمله هو عمل التكرار غير المحدد، وبأن بحثه هو، على وجه التحديد، نوع من الحركة الأبدية. وعليه يظل المنحل مهدداً دائماً بالضجر والخوف من حالة المجهول الدال التي يخلقها، ومن ثم يصبح معرَّضاً في كل لحظة للاستسلام، وفتور العزم، والانقلاب إلى العصاب المشترك، ومن ثم، وبالنتيجة، إلى الوضاعة. ويعود لزاماً عليه مواجهة تلاشي الكلام بوظيفة هيروغليفية في بعض وجوهها، وبشحنة غير قابلة للاختزال قادرة على الذهاب إلى أبعد الحدود [وهذا ما يفسر انتماء “شخصيات ” ساد إما إلى الحياة وإما أنها مقذوفة نحو الموت]. وجود المنحلّ أو الخليع هو إذن، مجازفة دائمة بكل شيء، باعتبار أن تقهقره أو خسارته على صعيد واحد، يعني خسارته على جميع الأصعدة. كما أن إقراره بالعصاب في نقطة بعينها يعني إقرار به في مجموعه. وضعية تشكل الخطرَ بعينه، لأن من ينتهك المحرمات يواجه أكبر من عقاب القانون: يجازف بإمكانية عدم قدرته على تحمل خسارة ما يحرص المنع بالضبط على حمايته؛ تحقيق الذات سبيله لنزع الاعتراف به والتعرف من ثم على نفسه. وبالرغم من إدراكه بأن المعركة ضد العصاب تكون خاسرة، فإن عليه أن يخوضها إلى ما فوق الحد بشكل يجعل ذاته تصبح ضحية للعصاب وإلى الأبد. وهذا المستوى من ما فوق الحد لا يبلغه “انحلال” عادي، ما دام الأخير سيستقر في بعض الخصائص الجزئية من التشريع العصابي، لأن المسألة ليست في مجرد انتهاك التشريع، بل في الحلول محل القانون. ولن يكون الأول سوى صورة للثاني، مثلما لن يكون المجرم، وإن كان منحلاً، ذلك الذي أوجده المجتمع، في أغلب الحالات سوى صورة لحركة لا يفهمها –ومن عدم الفهم هذا تستمد الفضيلة والخير قوتهما وضمانتهما الأكيدة. ومهما تمادى المنحل في غيه ستأتي اللحظة التي سيتم إيقافه فيها، وبامتلائه بالسخرية، فإنه لن يعمل أثناء عملية التعويض إلا على تقوية المنظومة المناوئة. والسبب يكمن في انقياده لأهوائه [لعاطفته] بدل التعلّق بهذه النقطة، من “التفكير” ومن “اللامبالاة”، التي يشدد عليها ساد، النقطة التي ستتحاور فيها البشاعة الكاملة مع شيء مختلف تماماً، وهذا الشيء هو بالضبط نوع من الإقتصاد في اللغة يقوّض باستمرار لغة المنظومة العصابية ونفاقها [بإعطاء هذه الكلمة ليس معناها الأخلاقي، بل معناها التقني إذا صح القول].

وبالفعل ستظل الجريمة أسيرة للسببية ما لم تقترن صراحة بالشهوة: وخلافاً لذلك، فإن جريمة الإسراف الجنسي التي لا تسعى للبحث عن ذرائع [الجنسانية ليست علة ما دامت توجد أساساً في لاوعي العملية السببية]  تُفقد الفضيلة كل تبرير، تعري الخطاب وتفقره من جذوره: في مواجهة هذه الجريمة ينتصب الرعب المقدس. إن خطاب الفضيلة -وفي النهاية الخطاب في مجموعه، كل خطاب مرتبط في جزء منه مع الفضيلة– يقوم على ارتباط الأسباب بالمسببات، وعلى التعليل [المعيار]. والحاصل أنه بمجرد انطلاق الشهوة، بحسب ساد، حتى تتساوى كل الأشياء؛ وبتعبير أدق، وحده من يحصل على الشهوة يحصل على تبريره كقيمة مؤقتة وكموضوع، ويغدو صورة من جبر ومن نحو الخطاب المضاد والمبني للمعلوم للذة: «سوف لن يبقى هناك مجال للموازنة حتى بين حبة خردل وبين الكون». إن أبسط إحساس سيفوق إذن، من هذه الناحية، أي نوع من أنواع التمثيل: يتضح هذا بجلاء إذا ما نظرتُ إلى الأجساد كدوال غفل، وهذا غير ممكن طبعاً ما لم أفترض أولاً الدال كموضوع في ماديته المحض، خارج دلالته. لأنه مثلما يفرض القانون على فرد ما أن يتجاوب من تلقاء ذاته مع نص يقع خارجه، وأن يتطابق مع نفسه من أجل شيء آخر، وأن يتوافق على العموم مع صورته، كذلك تعين الفضيلة للخطاب دوراً تمثيلياً. بالنسبة للخير الذي، بوضعه لخصوصية الوعي، يغدو بمثابة الشر اللاواعي، فإن رفض الدور التمثيلي للخطاب يصبح معادلاً للامعنى. وهذا ما يفسر لنا أن كل المغامرة السادية تجري داخل الخطاب: وإذا كان لنا أن نتجنب المقولة التي تفيد بأن لكل خطاب منطقه الخاص، في مقابل لا سببية الجريمة، فينبغي من جهة أخرى على الخطاب أن يعود إلى الصمت من خلال الخطاب نفسه، بعد أن تكون الجريمة قد وجدت صوتها ومنطقها داخله بعيداً عن كل ما يأتيه من الخارج. وإنه لمن المهم أن يكون الخطاب، في آن، ككلام نظامي وأيضاً كفكر متواصل لكل فرد في جسده الخاص، أن يكون مخترقاً بالجريمة بشكل تام، وأن تصبح الجريمة داخله بمثابة اللطخة العمياء، إذا صح القول.

السرد      

ما لم يغفر لـ ساد ربما، ليس هو انتصاره الصريح لجريمة اللذة، بقدر ما هو إقدامه على تعريب الخطاب وجعله قابلاً للاختراق انطلاقاً من عنصر، يعتبر نتيجة وضع داخلي للغة، من ضمن الأشياء التي لا تستطيع اللغة قولها. وربما لأنه بيَّن صراحة، وبما لا يدع مجالاً للشك، بأن اللغة ليس “لها ما تقوله” وبأن التعبيرية بجميع أشكالها تصدر عن التنظيم العصابي: إننا نقطع دون توقف الـ «ما يمكن قوله»[والما يمكن التفكير فيه] من نفاق وكبت أساسيين، وهو الشيء نفسه الذي يحدث لكل فعل من أفعالنا، «بحيث يقوده الإحساس بالدعارة في أغلب الأوقات، ودون أن يخامرنا أدنى شك». ومن هذا المنطلق تصبح قصة حياتنا ثمناً للعلة التي نعطيها لأنفسنا، والفكر الذي نكرّس أنفسنا لخدمته، والسلطة التي تتكفل بتبرير أفعالنا. لذلك يقول ساد: «أنا مستعد لارتكاب الكثير من الجرائم تلبية لأهوائي، ولست على استعداد لارتكاب جريمة واحدة في سبيل أهواء الآخرين». تردد صيغتي «خدمة شيء ما» و«قول شيء ما» يشير إلى أن إحداهما نتيجة طبيعية للأخرى، وأنهما تلتقيان في الأقنوم الذي سبق أن رأينا أنه، إذ يعمل على تحويل الخيال إلى واقع، فإنه يصيب الحقيقي بالعدوى حين يحيله إلى مجاز في الحالة التي يستبد فيها الوهم بنا، ويغدو هذا الواقع ثابتاً، معروفاً، مألوفاً ومتطابقاً مع ذاته، حين يصير محدداً بعلة ما. إننا نملك في كل لحظة فكرة، إجابة، وتفسيراً جاهزاً بخصوص كل ظاهرة -وهذا ما يدعونا إلى الاعتقاد بوجود معنى كونياً يسمح بإبعاد الشكل بنوع من القبلية الدائمة:

«يسهل علينا أن ندرك أن الأهمية التي تعطى للفكر في مقابل المادة، وللروح في مقابل الجسد، لم تتأسس إلا على جهلنا بطبيعة هذه الروح. والواقع أننا أكثر ألفة بالمادة أو الجسد الذي نتوهم أننا نعرفه ونظن أننا اكتشفنا كل خباياه؛ بيد أن أبسط حركة من حركات أجسادنا، بالنسبة لكل إنسان يتأمّلها، تكشف أننا إزاء خفايا يصعب سبرها أكثر من الفكر».

إن مادية ساد وإلحاده المطلقين، يحظيان هنا بأهمية استثنائية، إذ يشكلان أحد حدود ثقافتنا التي ينبغي تذكيرها، بعناد وبشراسة أكبر، بضرورة اتسام هذا الإلحاد وهذه المادية بأقصى مستويات التطرف، إن هما أرادا تعرية التطرف غير الواعي والمتكرر للعصاب نفسه. لذلك وتجنباً للسقوط بدورهما في العصاب يتوجب عليهما الركون إلى الانحلال الإيجابي للخطاب [نوع من المادية الدلالية] الذي يضاعف كلية الواقع. وبهذا المعنى فإن الوحش السادي [نسبة إلى ساد] –وهو وحش مكتوب وينبغي ألا ننسى ذلك- يظهر أثناء تحققه في حرفيته الكاملة: إنه ذلك الذي يقول ما يفعله ويفعل ما يقوله –ولا شيء آخر مطلقًا. إنه من يتجرد من ثيابه ويحيل عريه بشكل كامل على فكر محدد المعالم. إنه مكان بالأحرى أكثر منه شخصية، مكان تلتقي فيه الأقاصي، وتنمحق في نوع من التصدع الأعمى، يعد من داخله انتشاءً انخطافياً، ومن خارجه تدميراً شاملاً، لكنه بالجملة شيء لا ينتمي إلى التمييز داخل–خارج، إنه مكان برزخي يقع بين الانشطار الضوئي والانمحاق الجسدي، نوع من العدسات التي تركز خيوط اللذة في نقطة محددة إلى أن تعود طاقة فتاكة أكثر منها طاقة مضللة، كل ذلك يتم بهدوء يعادل العنف الذي يوجهه إلى نفسه حتى الموت. وعلى هذا الأساس يتعذر سبر “قلب” المنحل: لعدم وجود شيء نساويه ونقارنه به، لأنه هو الذي يملك التفسير، وهو الذي ينفذ القتل؛ لا نظير له، إنه ذات مطلقة؛ وهو من تغلب على الصورة النرجسية وتخلص، بالنتيجة، من الإيمان بالأخوة مع أقرانه. لا شيء يجمعه بأي كان، وإذا حدث وارتكب مذبحة في حق الأبرياء، فلن تكون لذته في ذلك بأقل من لذته وهو يرتكب مجزرة في حق “المنحلين” أيضاً، أي أنهم أصبحوا موضوعات أكثر منهم مجرد ذوات. ينزع تلقائياً نحو مسلك يوجد على خط الهاوية الذي يجرفه، وراء كل تناقض، إلى أتون سلسلة من الانقلابات، لا تكف عن الاتساع، ومن التغييرات المفاجئة حيث يطمح إلى أن يوجد، في كل مشهد، وهو ما يقلب اللعبة رأساً على عقب، وينتشي بالانقلاب ذاته. هذا الانحلال من الدرجة الثانية، هذا الانحلال الخاص بالخطاب، يتم الإعلان عنه بالطبع، انطلاقاً من الجسد. وإذا أصبح الجسد بالنسبة للغة أرضاً حقيقية، وإذا أصبحت اللغة من جانبها أمراً حقيقياً بالنسبة للجسد، فالفضل يعود في ذلك لـ ساد الذي ما إن يتم التفكير في كتابته حتى تخترقنا هذه الكتابة جسدياً، كما تخترق الأجساد، مؤدية إلى دمارها، -وهذا التدمير هو أحد مهام الكتابة- حاملة معها نوعاً من الإشعاع المطبق والمرعب. وهذا هو السبب الذي يجعل الأحكام التي نكيلها لـ ساد تعود وتديننا، ويجعل كتبه تشكل شركاً دائماً ومحققاً: غير مقروءة من شدّة وضوحها، مشكلة غابة من العلامات المفرطة في بداهتها، وغير القابلة لأن تسمح بفك مغاليقها. إن سوء الفهم الكامل والمبيت الذي ننسبه جملة إلى ما يعلنه لنا ساد هنا، لهو الدليل –أكبر دليل- على أننا نأخذ تفاصيل كتبه، ونُحِلها محل هذه الكتب نفسها ونأخذ على هذا النحو وبالضرورة الجزء مكان الكل. وسواء انتصرنا له أم ناوأناه، في كل مرة نقع فيها ضحية لاشمئزازنا واستيهاماتنا، فإننا نجازف بالتفريط في بضاعة الكتابة من أجل طيف التمثيل، متحولين بذلك -وكأننا خيِّرون يجهل بعضهم بعضا، أو منحلُّون يتأسفون على الفضيلة– إلى أشباح للكتابة السادية. فلا وجود لمعنى نهائي ولا لكلمة نهائية لأعمال أو لشخصية ساد، لا وجود لقراءة بدم بارد بإمكانها أن ترتقي درجة من الدرجات في سلم المعرفة. ومع ذلك يمكن لهذه القراءة بدم بارد أن توجد إذا أخذنا بعين الاعتبار المنزلقات التي قد تطوح بنا نحن أنفسنا في مجموع كلمات هذه الكتابة، وإذا توقفنا عن الإشادة بعنصر على حساب آخر، وإذا أردنا الكل مما يجري في البؤرة الخفية والمعلنة لهذه الصفحات الحية.

لقد أراد ساد لهذه الكتابة التي تستحق أن ترافقنا دوما، وتغمر من ثم كل حياتنا، أرادها أن تكون تخييلاً [روائياً] منظماً بشكل صارم، يحكمها منطق يسمح لها بتحقيق الكشف الدقيق.

وبتمييزه بين ثلاثة مستويات للتنظيم:

– ما تم حكيه بغرض الافتخار،  والإشادة بالأسطورة الشخصية.

– ما تمت ممارسته ومحاكاته من طرف متلقي هذا الحكي.

– ما تمت عقلنته بغرض الاستساغة النظرية .

وبوضعه هذه المستويات الثلاثة الدالة في سياقها، حيث يتشابك الكلام والحركة والفكر، داخل مسرح شامل قائم على كتابة الشيء المخجل –فإنه يبدع ما يسميه  فلسفة يتمثل قانونها وقاعدتها المصاغان بحسب قصدية جدلية ظاهريا، في ” قول كل شيء”.

الذهب-الدم-الملاك

هذا النسق السردي الذي يستخدم ثلاث صيغ [حكي داخل الحكي، حكي لما يؤكد الحكي، حكي للذي  يفكر الحكي] يجد نموذجه المثالي في جولييت أو انتصارات الرذيلة، ويمكن اختصار مساره فيما يلي:

علامة محايدة وفارغة –فتاة صغيرة– تتتلمذ على يد علامة ثانية هي بشكل متعمد النقيض لما يبدو أنها عليه [راهبة هي في آن عاهرة] كونها نفي للأقنعة [للعلامة كتمثيل، أي نتيجة لعلة]. وحين تغرق تدريجياً في حمأة الجريمة والملذات، فإنها تخترق على التوالي، تحت أشكال الدعارة والتعاقد مع علامات أخرى تمكنت من معانقة كل التخوم، تخترق أشكال العقيدة والعائلة، والزواج، والمحارم، وجريمة قتل الوالدين، ووأد الأطفال، والسرقة، والسحاق، والقتل، والكتابة البرازية، وانتهاك المحرمات، وأكل لحم البشر، وارتكاب المجازر، وبهذه الأفعال تتحوّل تدريجيا من مريدة إلى معلمة، بعد أن يكون وعيها قد تعرض “للتشنج” المناسب، وتعود لها القدرة التامة على إبطال كل فضيلة، وبلوغ التحقق السعيد والبالغ الفرح للرذيلة والملذات. ولم يغفل السرد أيا من أشكال الخيانة والتعذيب والفضائح، بل وقلب كل شيء: الآراء والعقائد، العواطف والأحاسيس. وينتهي السرد بموت العلامة الشريكة للعلامة الساردة، صورتها الأخرى (جوستين، أخت جولييت، أي الممثلة للفضيلة وللعصاب) جوستين التي اجتازت، كما نعرف، ولكن في اتجاه مناقض، في كتاب آخر، نفس السبيل.

في هذا النص الذي تصير فيه صورة السرد، أي امرأةٌ، مِصفاةً للكليّة وللحركة العامة للذة والتدمير، حيث نقيض العلة، المعلول المطلق، يجدان، في آن، فاعلهما: الرغبة، والجنس، والجسد وقد تم بذله حتى آخر قطرة من الدم؛ وأساسهما: الكتابة؛ في هذا النص المتميز بمادية مسرحية غير مستنفذة، والذي نحاول ببساطة أن نجعله قابلاً للقراءة، يمكن الإلماع إلى أربع ملاحظات تؤكد فرضية سعي ساد إلى صياغة نظرية عامة للتواصل:

أ‌-           تحويل التاريخ عن قصد إلى خيال: لا يعود ثمة من وجود لسرد تاريخي فعلي، موضوعي، بحيث يتم تصوير الحكام والملوك والبابا بنفاقهم المحتمل: فهم رسمياً يمثلون العصاب ويجاهرون بخطاب الفضيلة، فيما هم يقترفون الرذيلة ويعبرون عنها في خلواتهم. وهو بهذا الشكل يقوض الصورة العامة للشريعة [العلة]. وفي نفس المنظور تندرج أغلب أسماء “الشخصيات” إن كانت من الوجوه الفاعلة في السرد، ضمن الإطار الأسطوري، وكأن وجودها رهن باللغة نفسها – وهي بهذا تؤكد، وأحيانا بشكل مثير للسخرية، بأن اللغة هي التي توضع بالفعل رهن إشارة الواقع:

   Noirceuil [عتبة سوداء  (Noir-Seuil) إنه دليلنا – من يدخلنا قلب البشاعة.]

– Saint– Fond   [الصندوق المقدس: (Fondsacré) يتكلم عن الجحيم.]

–  Clairwil  [الإرادة السليمة (Clairvouloir)  تقوم بتعليم  جولييت.]

–   Durant   [إنها ما يدوم، الساحرة التي تقع نهبا لأسرار الخلود.]

–    مصرفي Mondor.

–   قاطع طريق  Brisa-Testa

Olympe   – [يقضي نحبه في بركان.]

Lorsange   – [الذهب (l’or) الدم (sang) الملاك (ange).]

   – راهبة Delbène [ذات الروح السوداء مثل الأبنوس].

وليس من العبث ملاحظة أن اسمي كل من جوستين وجولييت، يبتدئان بنفس الحرف، وأنهما اسمان ذكران في الأصل تم تأنيثهما. يحيل أحد الإسمين حتما على الاستقامة والعدل، بينما يرقى الثاني في المقابل ليس إلى روميو وجولييت وحسب، ولكن أيضا إلى “جولي أو هلواز الجديدة” لروسو، مؤلف “التربية” و”الأصل الطبيعي” و”الخير” و”السريرة المقدسة” و”الخطاب” و”النزعة الفردية” و”أجمل الرسائل” في كمالها الرائع، باختصار إلى روسو ممثلاً للعصاب بالذات. [نفس الشيء يمكن ملاحظته في الجناس بين saintfond  وsaint-preux ، وبينclairwil و claire ] والنتيجة: تعرية التاريخ الأدبي بدوره من الأقنعة.

ب- يلعب المال هنا دوراً حاسما: لا يركن ساد إلى الغرائبي، ولكنه يموقع سرده في قلب المحسوس، ويجد أن المال والمصالح محددان أساسيان لسلوكيات العصاب وعقائده ومنظوماته. وعلى الانحلال ألا يغفل هذا المعطى الأساسي، وعليه ألا يقر أو يقوم بأي شيء لا يفضح، ببذاءة، هذا المستوى من القيمة [أثناء عبور جولييت بالبابا ستلفت نظره إلى أن الغنى الفاحش للفاتيكان وفقر المسيح يمثلان حقيقتين متناقضتين]. يمارس المنحلّ منطقاً لا اختلال فيه: ضرورة إظهار خطاب الخير قائماً من جميع وجوهه، على سوء النية.

ج-  موقعة المجتمع في محرق كل ايديلوجيا: يتمسك ساد بالحقيقة القائلة بأن المجتمع معطى “لغوي”، منظومة اعتباطية من العقائد، من التعاليم والأعراف التي تنكرها مجتمعات أخرى [عدد الأمثلة التي يسوقها هي من الكثرة، وذات تدقيق إتنلوجي]. وتنفي موسوعة ساد، باعتبارها مشروعاً كونياً –ولا زمانياً– كل مشاريع “عصر الأنوار” المحددة في نمط القراءة الميكانيكية وذات المنحى الطبيعي.

ومن جانب آخر أصبحت الظروف مواتية لبروز نزعات طائفية سرية. فداخل منازل مغلقة وقصور بعيدة، حيث تجري حكاية الانحلال، يستعر تخريب كامل: فالنص المنحل المحتجز من طرف العصاب في أقبية السجون أو في الكتب، يعود بدوره إلى تطويق ومحاصرة العصاب بفعالية السرد وحدها. وبذلك يتحوّل الجحيم إلى جنّة معاشة، والسجن إلى عالم، والكتاب إلى واقع.

د-   العلم: ينبغي على نص ساد أن يقوض كل أنواع الخرافة، ويقدم نفسه بالتالي، كحليف للعلم، بيد أن العلم، قد يظل دون أن يفطن –لصبغته الاجتماعية- حبيساً للخرافة [رجل العلم هو في الغالب طفل متزمت] وهذا ما يفسر كون السحر هو، بشكل غريب ومتناقض، الوجه “العلمي” الوحيد لسرد ساد [ممثلاً بالواسطة دوران (Durant)]؛ السحر باعتباره علماً تطبيقياً “لأسرار الطبيعة” [أي اختفاء الطبيعة في واقع الأمر]، لا تدرَك أسراره إلا بحسب علاقة متبادلة بين المعرفة والجنسانية. ويكشف تقارب الأجساد وتحولها المتبادل عن طابعها الداعر والمخبري في آن. وهذا المستوى، ويجب الإقرار بذلك، من بين المستويات الأكثر إثارة في النص السادي، والنقطة الأكثر محورية والأكثر شفافية ورهافة: إن ارتحال الفلسفة إلى قلب المادة والجريمة، لا يمر فقط عبر انتهاك الشرائع المجتمعية و”الطبيعية”، بل أيضاً عبر نوع منالحسية المضمرة والباطنية التي تجرفنا معها، اعتماداً على تفعيل مفاجئ لكناية الرغبة –لا توجد متتالية في نص ساد، لا يلحقها شيئا فشيئا، نوع من الفحش القاتل؛ ولا توجد لفظة غير مطبوعة بقوة التشنج- نحو غثيان تماثلي، حيث ينتشر التركيب علة-معلول، وتتسارع وتيرته، وينكتب تطبيقياً بشكل مدوخ [الكلمة إذ تثير سحابة من الدخان، تُسفر عن كائن هوائي خرافي (sylphe)؛ وتبرز الجنس اللاشخصي الذي هو “الإله”؛ تُظهر أجساداً تتم إبادتها إما بالسم وإما بإغراقها في الدم، دون أن نتمكن، في السياق السردي ذاته، من الجزم إن كانت هذه الأجساد حقيقية أم خيالية؟؛ وتُظهر سعار نساء يخلعن قلوب ضحاياهن ويمرغن وجوههن في فضلاتهن العضوية؛ وتُظهر مسحوقاً يشق الأرض ويزلزلها مخلفاً مع انبثاق الفجر مقبرة تضم أكواماً من العظام؛ تُظهر الكلمة إجمالاً، أنفاس الحياة والموت وقد عادا توأمين]: «السر والهزل يوجدان ، تقول الساحرة دوران، في محرقيهما هنا».

هكذا، في ختام سرد ينغلق على نفسه- مؤكدا في ذات اللحظة بأن الفلسفة «عليها أن تقول كل شيء»، وقد سبق ورأينا هذا السرد يخضع للخطاطة التالية:

1-        حكي ــــ حكي ـ تطبيق ـ نظرية.

2-        كتابة ــــ كلام (راو مفرد) ـ مسرح (أجساد، حركات، مجتمع الكتابة) ـ تعليق (فكر، حيادية، كونية، ثقافة)

[بنية ترصد بهذا لا تماثلاً جوهرياً، لكون الحكي كان وسيظل حكياً في نهاية المطاف، كما أن الكتابة ستظل دوماً وبشكل متجدد كتابة منزاحة في علاقتها بمجموعة غير محددة من العلامات]،- في ختام سرد منغلق على ذاته، يجد الواقع نفسه موضوعاً بشكل كامل رهن إشارة التخييل الذي، يظهر كما لو أنه خضع لتمارين متواصلة في الكواليس. لقد أخلى صوت الوعي مكانه لكتابة الرغبة. وبذلك نكون قد عبَرنا، كما يريد ذلك ساد، مستشهداً بـ (Lucrèce) إلى «المشاهد الخلفية للحياة».

 الجريمة

يفترض هذا “العبور” من البطل السادي ألا يفقد أبداً الطاقات الضرورية «لاجتياز الحدود الأخيرة». ويتحتم عليه، مدعوماً بتنظيره وبنموذج الشخصيات المفرطة في القسوة، أن يتغلب بشكل ملموس على كل ما يثير اشمئزازه [وألا يكتفي بموقف فكري متساهل لا يمس بالكبت]، ينبغي عليه إدراك أن الانتشاء الأقصى هو في آن، وعي وفقدان للوعي. ولقد وجدنا، لغز ساد، بالفعل، بديهياً وسرياً في هذه الجملة من جولييت: «تنفرد وضعية الوعي عما عداها من انفعالات النفس بهذه الخاصية: امحاؤها بناء على ما نقوم بمفاقمته». ويشبه هذا العمل ذاك الذي يعمل على استعادة صلته بطاقة بدئية للغة، بحيث يعجز الموت نفسه عن دفعها –هذا الموت الذي يشكل العصاب نقطة انفلاته- ، وإذ يتطابق البطل السادي لزمن معين مع “الطبيعة” التي يدقق ساد، بأنها «إنما بالموت تحيا»، فيما يبدو أنه يتخذ من الإحساس سنداً قاطعاً للحكم: «أحدد كل شيء بالاعتماد على الأحاسيس»، إذ يتطابق مع ذلك، فإنه يتحول إلى صورة طوعية للتكرار، باعتبارها عبوراً دائماً من اللاوعي إلى الوعي بواسطة مبدإ للذة يتعارض باستمرار مع مبدإ واقع العلة. ويصبح الهدف فعلاً هو الوصول إلى البؤرة المحايدة للحركة الأبدية جنس– لغة، وذلك في خضم هذه «السلسلة اللامرئية التي تربط كل الكائنات». وفي كل الأحوال يتم تعرية وتدمير سلطة العلة. هذه السلطة خاصة أساساً بالتكرار غير الواعي، الذي يحرم الطبيعة، تحت أشكال تكاثر النوع، من خلق «صور جديدة»، والذي بجهله للطاقة الخلاقة للجوهر فإنه يبقى على حاله بشكل غير محدد في الأشكال نفسها. بالنسبة لـ ساد الذي يصل بهذه الطريقة فعلا إلى النزعة الأكثر جذرية للجوهر الفرد، فإن التركيبات التي نعتبر نحن نتيجة لها، تم ببساطة “قذفها” إلى الوجود “بالصدفة”، كما أن الأشكال التي نوجد عليها قد تم بترها عن جوهرها وأصبحت منفصلة عنه منذ اللحظة التي تم تشكيلها فيها. إن الإنسان “المقولب” من طرف ثقافة بعينها انفصل بشكل مطلق عن الطبيعة، وما يرمي المحافظة عليه، يمثل تشكيلاً اعتباطياً يجعل منه ممثلاً متواضعاً في المسرح الكوني، الذي ينفي عنه الوجود بعد ذلك بافتعال نوع من السببية، متوهماً أنه “مرغوب” فيه، وأنه تبعاً لذلك، بعد القيام بعملية تجريد للجنسانية، يَعتبر وجوده خيراً، ويعتبر موته شراً:

«لا يغرب عن بالكم، يقول البابا، أن التدمير التام لا وجود له: الموت نفسه ليس واحداً، وهو من الوجهة الفيزيائية والفلسفية مجرد تحول مختلف للمادة، لا يكف خلاله المبدأ الحيوي، وإن شئنا، مبدأ الحركة عن العمل، بالرغم من أن ذلك يحدث بشكل غير مرئي. لذا فإن مجيء الإنسان إلى هذا العالم ليس بداية وجوده، كما أن موته ليس نهايته؛ والأم التي تلده لا تهبه من الحياة أكثر مما يهبه القاتل من الموت، فأحدهما يخلق نوعاً من المادة المنظمة، بينما يفسح الثاني المجال لإعادة تكون مادة مختلفة: كلاهما يخلق، بمعنى ما.

فلا شيء يوجد من العدم، ولا شيء يتحلل بشكل نهائي، ما يحدث ليس سوى فعل ورد فعل للمادة، إن الأمر كله يشبه حركة أمواج البحر التي تعلو وتنخفض على الدوام من غير أن يؤدي ذلك إلى زيادة أو نقص في حجم مياه البحر. هي حركة أبديّة كانت وستبقى، ونغدو نحن ممثليها الأساسيين، دون أن يساورنا أدنى شك، بسبب فضيلتنا ونزوعات الشر فينا».

إننا نلمس هنا، في نص ساد، ما يمكن تسميته بداية، بالمستوى النشكوني (Cosmogonique)، الذي أرادت له ثقافتنا، تحديداً، الإلغاء والنسيان. هذا المستوى هو ما يذكر بطريقة دائرية، بالعدم الذي صدر عنه كل تنظيم، وبالفوضى التي تسبق حتما كل قانون، وبالانتهاك الذي يلحق كل نسق تمتد جذوره في الفوضى البدئية، ويذكر بعدم كفاية أنظمة العالم نفسها. هناك حيث تجد ثقافة ما مبدئيا اعتباطيتها، وتجد محاولة خلقها الأولى. وهو فكر من الصعب قبوله داخل ثقافتنا، لظهوره بمظهر التدنيس المطلق. لكن ينبغي التمييز بهذا الخصوص بأن تدنيس ساد، يستهدف ليس المقدس في حد ذاته، بل المقدس الذي سبق له أن تعرض للتدنيس بإضفائه القداسة على التجسيم، المقدس المؤسس والمُقال للسبب ذاته [الكائن، الإله، القانون، العقل: ETRE, DIEU, LOI, RAISON  بحروف كبيرة]. بشكل يجعل من هذا التدنيس فعلاً مقدساً بامتياز، ويجعله يعيد طرح كل ما يعرض نفسه كعلة ويثوي داخلها على بساط البحث، ويقوض توقف العلامات هذا الذي يزعم أنه يتطابق مع نفسه بمصطلحات الهوية. توقف وانكفاء نجد أنفسنا جوهرياً مرتبطين بهما عبر وجودنا.

في مقابل هذا المقدس الذي يبرئ الخير ذمته، ينهض تأكيد الشر الإلهي، وهو ما سيطلع به Saint-Fond بغرض لفت انتباه جولييت إلى ما في إلحادها من تسرع ومن وثوقية مبالغ فيهما. والحال أن تمجيد الشر هذا لا يمثل سوى لحظة ضرورية للفعل الإلحادي يرمي إلى أن يكون  مقدساً غير قابل للتقديس. إن وجودنا يعتبر فعلاً مقدساً بشرط ألا نفترض أبدًا أنه كذلك، وكونه كذلك سيمكننا من اختراق المقدس بسلوك نوع من الحفر الدلالي، وبالاعتماد على أعراض من مهامها إعادة خلق شروط التقديس لأجل انتهاكها [لهذا السبب يتحتم على الإلحاد أن يبقى ضمن الإمكانية التي تبقي على “الإله” بدلاً من النفي الكامل له]، وهو ما يضفي على وجودنا نوعاً من الازدواجية، تجعلنا من جهة في مواجهة بؤس التعبير [السببية] وتهبنا من جهة ثانية بذخ الكتابة [المعلول من دون علة]. وسيكون علينا أن نختار، إذا كنا ننتهي إلى الاستخفاف بالرغبة في كل مرة نفترض فيها العلة، بين وعي جيد بالواقع باعتباره تخييلاً، ووعي فاتر يجعل من الخيال واقعاً، يحوّل الواقع المدرك إلى خيال. الرذيلة بالنسبة للعقلنة الخيرة والبائسة مؤشر على تحول الدال، وعلى تعدد فعلي لمعنى الحقيقي، وتلك هي علامة الأنوثة،العلامة التي لا تملك صوتاً في عالم الشريعة، والتي عليها أن تكون حاملة لطاقته المخلخلة. وبالفعل، فلو لم تكن المرأة هي نموذج هذا الاضطراب، فلن تكون مندرجة في طبيعة الأشياء، وإنه لفي أعمق أعماق هذه الطبيعة، وفي قلبها تحديداً حيث ينبغي إبراز هذا الإجراء. إن القدر الصاعق الذي يقتل العصاب في نهاية مؤلف سادجولييت، أي يقتل جوستين، يسدل الستار على السرد السادي ويجمده في لازمانية أسطورية. هذا البرق هو توقيع الكتابة بوضعه نهاية مفتوحة لثنائية الخير والشر، وهو ما يعلن التسوية «لقول كل شيء» المهمة التي يقر الانحلال في النهاية بأنها من أخص اختصاصاته.

وهذا معناه أن ساد يكتب؛ وإذ وزَّع الأدوار بين الفضيلة والرذيلة مرجحاً كفة الأخيرة، فالمقصود هو بلوغ نقطة يكون هذا النصر قد عوض جيداً الكبت الأكيد لخطاب الفضيلة بحيث تحيل الجريمة العظمى –النص- على جرم أعظم، يغدو هذا الجرم مقارنة مع النص، بريئاً و”إلهياً”. ووحده النص [جريمة في مقابل العلة] يحقق في النهاية تسوية لا تماثلية تؤسس ثنائية على شاكلة التناقض.

وإجمالاً نحصل على المسار التالي:

–  تعين الفضيلة للخطاب دوراً تمثيلياً؛

–  ترفض الرذيلة هذا الدور مع إمكانية الاستمرار في الاضطلاع به على سبيل التعويض؛

–  لا يمكن ملامسة الانتهاك إلا من خلال الكتابة التي تصبح مكان إثبات لا حدود له، أي أنها لا تحيل إلا على ذاتها [كالرغبة] مقترفة هذه الجريمة العظمى [التي تفوق الجريمة ما دامت هذه  تعترف بشكل أو بآخر بالقانون] المتمثلة في تحويل الواقع إلى خيال فعال تعمل جِدَّته على تعرية عالم الخير والشر بلا هوادة.

«أريد أن أقترف جريمة، تقول كليرويل، يستمر تأثيرها مدى الزمن حتى حين أتعطل عن الفعل، بشكل لا تبقى فيه لحظة واحدة من حياتي، حتى وأنا نائمة، لا تحدث اضطراباً كيفما كان حجمه، بحيث لا يكفّ هذا الاضطراب عن الاتساع إلى الحد الذي يؤدي معه إلى فساد أكثر شمولية، أو إلى خلخلة مفرطة في الشكلية، تجعل مفعوله يستمر حتى بعد موتي».

وهذه إحدى المبادئ الجمالية النادرة التي يستمدها ساد من أرسطو، ويبدو أنه يتفق معه فيها، ويقوم بتعديلها:

«إن أرسطو في “فنه الشعري” يرى بأن غاية الشاعر ومجهوده يكمن في تخليصنا من الخوف والشفقة، التي يعتبرها بمثابة مصدر لكل آثام الإنسان، من جهتنا يمكن إضافة: إنها مصدر لكل رذائله».

يكتب ساد من أجل تحقيق هدف واحد ووحيد: التقويض الدائم للقواعد والعقائد التي تحجب الكتابة عن الرغبة. يكتب لا بغرض التعبير أو التمثيل [في الحالة الأخرى سيسقط في دوامة الخرافة، العلل، و”الأدب” بمعناه العصابي، أي الذي يزعم أن مرجعيته توجد في عالم حقيقي أو خيالي خارج الأدب، أو في حقيقة تضاعفه أو معنى يسبقه] بل بغرض تقويض كل من الفضيلة والرذيلة في آن، وتقويضهما في تواطئهما، من خلال جريمة تصل إلى الحد الذي تصبح فيه هي نفسها العلة والمعلول ويجعل تمييز هذه الجريمة غير ممكن؛ أن يكتب ساد في الأخير، معناه: أن يقترف جريمة في حق كل من الفضيلة والجريمة على حد سواء.

1966

  النص الأصلي :

Philippe Sollers :Sade dans le texte; in: L’écriture et l’expérience des limites, Seuil 1968 ,p-p : 48-66                                                                                                 

 

http://raisondesade.blogspot.dk