كتب علاء الرافعي:

يفتتح المؤلف أسعد الجبوري روايته (ثعابين الأرشيف)) بما يلي:

((في تلك الليلة الضريرة، نزلتُ في رحم تلك المرأة نقطة حليب ضالّة، قُذِفَ بها وسط ظلام حارٍ وموسيقى كثيفة، تصاحبها رائحةُ عطر صنوبري ،ربما كان قادماً من غابة (سان لوران) أو الأمازون .

يا لها من نشوة. أن يَقذفَ بكَ أحدهم إلى مكانٍ ما، فيصبح من ممتلكاتك في الحال.وبورقة طابو  بالخط العريض :هي سندٌ قانوني يضمنُ أحقيتك بذلك العقار المعتم الذي سرعان ما تكتشفُ بأنك استوليت عليه عنوةً،بعد أن فزت بالضربة القاضية ضد ملايين من خصومك المتوحشين،لتكون بطل اللِّقاح الأسطوري الأول.

اعتبرتُ الرحمَ أوتيل لموجات من الحيامن الذين أتتْ بهم الأمواجُ إلى هناك. منهم من احترقت به شهوتهُ ،فتدهور مسرعاً بنطح الحائط ولم يبقَ حيّاً.ومنهم من ذهب بين القنوات كالزبد المنتهي الصلاحية،تاركاً السرير الداخلي لتلك المرأة في دوامة الفراغ.ومنهم حيوانٌ منوّي واحدٌ،هو الأقوى من بين كل أولئك البرابرة السوبر – إيروسيين،يخترقُ جبهات الجيوش ويحطم أعناق الوحوش،ليحتل ذلك الرحم،ويستحوذ على صندوق رسائل العاشقين المختومة بالزلازل والأمواج والاضطرابات.أليس الرحمُ حَمّام الشعوب ومترو الأرواح؟

أنا الآن في الأوتيل الشبيه بمصباح أسود !!

لا أعرف لمَ ظننتُ بأن الرحمَ مصباحٌ مطفأ، أو ما يشبههُ في تلك الصورة التي قفزتْ إلى ذهني الذي لم يتشكل بعد.كنت أفكر بالطريقة التي يمكن للنقطة أن ترى الآخر بعينين يقظتين.فليس حريّاً أن يأتي بي أحدهم من العدم ،ويقذفني في مجرى الحياة ،دون أن أتمكن من رؤية مخلوقات العالم الداخلي ،مادام زر النور ضائعاً،ولم أصل إليه؟

ما من امرأة حُرّة بأنوثتها،وتتركُ رحمها مَهجَعاً للنوم فقط.لابد من نور يوقظ الطريق من السرير إلى باب الأوتيل الذي أنا فيه الآن. لذلك وجدت لذةً بضرورة الاكتشاف .فاستعملت شريط المعلومات الجيني بالبحث عن زر النور المتخيّل ، وأين يمكن أن يكون موقعه من تلك الجدران اللَدُنة؟

لم أصل إلى نتيجة من وراء تلك التساؤلات.فلقد امتلأتُ فزعاً من كثافة الظلام ولزّوجته في بداية الأمر، خاصة وأنني مخلوق جديد الإقامة في مكان جديد، لم يستطع تفحص كامل مرافقه، ابتداءً بالمهبل وعنق الرحم وإلى الرحم والمبيضين وقناتي (فالوب) في ذلك الجسد الذي انتصرتُ بزراعة نفسي بتَنّورهِ المُلْتَهب.

خيبتي من عدم وجود زر ضوء في ذلك المكان من جسم أمي، وَلّدَ عندي فكرةً للبحث عن تخت، لأخذ قيلولة طارئة. وهو ما قمتُ به بالسرعة القصوى، وذلك عندما أقنعت نفسي بأن الرحم، ليس غير سرير مقعر بلا قوائم، ولا تحيطُ بفِرَاشهِ الوَثير مساندٌ.

منذ ذاك الوقت، أرتبط مصيري كجنينٍ بذلك السرير اللحمي، ارتباطاً عضوياً. فهو حاضنتي في الحياة، ومن دونه العدم. وكان على فارس الحب، أو الرجل الذي يدّلو برحم أمي دَلْوهُ الغرامي ، أن يحرر الطريق ما بين (قناتي فالوب) أولاً، لتكون سالكة، وتصلحُ لنقل البويضات من المبيض إلى الرحم بسلاسة، ودون عوائق تحول دون إخصاب البويضات.

كل ما أتذكره، أن شيئاً تم بلحظة خاطفة من تلك الحفلة المَاجِنة الصاخبة.

شيء يشبه الثعبان الأملس، يقتحمُ مستودع الخلق، ويقذفني مع ملايين من تلك المخلوقات الخام التي لا ترى بالعين المجردة. بعدها بدقائق، يتم الانسحاب التدريجي لذلك الثعبان، ليكون خارج الرحم مرة أخرى.

لم أدرك حجمي بالضبط. ، فآنذاك لم أكن أعرف عن وحدات القياس شيئاً.

كل ما أتذكره، أنني نطفةٌ مهملةٌ على سرير من اللدائن الدافئة داخل جسد، لا يتوقف عن الحركة أو النمو أو الصراخ، ولا عن التعارك الذي طالما يُولّد الشرر من خلال شدّة الاحتكاك.))

ومن هذا المدخل تتطاير الأحداث ،لتخرج من الرحم إلى الأرض التي تعفنها الدماءُ ،وتمزقها السيوف وتسمم فيها الأفكارُ السلفية المظلمة الهواء.

تعالج الرواية على مدى 634 صفحة مجمل ظروف الحرب على سوريا،فبالكشف،يقدم الروائي العراقي الجبوري عمله الأدبي الرائع،وذلك بالتعرض لمجمل الاستراتيجيات الفكرية التي استنهضت الديناميت ليكون أرض الشام المشتعلة دون انطفاء،كما يطمح لها البرابرةُ القادمون من بقية أصقاع العالم،للقتال في سوريا من أجل إقامة دولة الخلافة.

تناول الرواية بتفاصيلها المتعددة ،يبدو أمراً شاقاً،لأنها رواية تحتاج إلى القراءة العميقة الهادئة،وربما لذلك حجبت عنها جائزة دمشق للرواية العربية،بعد  ان قامت الرقابة في اتحاد الكتاب العرب في سوريا باستبعادها عن المسابقة ،فتم من وراء ذلك التستر على الإرهاب الداعشي الفكري الذي قامت الرواية بفضحه،ليصبح اتحاد الكتاب مدافعاً عن الفكر التكفير بطريقة ما.

 

(( الزوبعة الترابية التي أعادتني إلى الأرض ثانية، وبتلك السرعة الفائقة، أفرغتني من محتوياتي الداخلية كلياً ،لأكون شخصاً آخر تماماً ،وفي جغرافية من نوع جديد. ثمة مخلوق كان في داخلي، وسرعان ما انفصلت عنه برّفة عين، لأكون مرميّاً هنا. في هذا المكان المجهول .هذا ما يمكنني التفوه به راهناً ،حسب معرفتي الأولية بما حدث لي بذلك الشكل المفاجئ !!

أي نزعتُ أنا حياةً، ولبستُ أخرى. مثل أي ثعبان، ينزع عن جسمه الثوب القديم، ليغلفَ جليدهُ بثوب آخر جديد. هل كنت أبالغ، فيما لو قلت بأن رحلتي ما بين العالمين كانت رحلةً لانبعاثٍ شيقٍ، على الرغم من أنها مَشُوبة بالقلق؟

أدركت ذلك على الفور.

شعرتُ كما لو أن أحداً قام برفع غطاء جمجمتي، ليضعَ برأسي كتلة أسلاك لَدْنَةٍ ، سرعان ما بدأتْ بالعمل.

هكذا بدأتْ عمليةُ تَشْغِيلي في الحياة الجديدة.

فكل ما تم، كان بمثابة إعادة تأهيل لعقل أبيض فارغ، استوجب العمل السريع على تعبئة جميع الفراغات التي كانت بداخلهِ، ومن ثم مواصلة ترتيب شحنهِ من جديد بكل حوادث التاريخ ووقائع العالم دفعة واحدة.

لم أتمكن في لحظات نزولي من الأعالي، احتمال كل ما كان يجري في رأسي من ضخ للأخبار والمعلومات والحوادث والوقائع والسير الذاتية للمختلف الكائنات على الأرض.

لذلك وقعتُ مَغشيّاً عليه في تلك البقعة المنعزلة من الأرض، بعد أن تمتْ الدورة الكاملة لعملية التخزين، لأصبح أرشيفاً عامراً، لا يضاهيه حتى الأرشيف البريطاني.

هل كان الموت وَهَماً أو شيئاً من ذلك القبيل؟

كنت قبلاً.. أعيش وأنمو وأنا داخل قبري. مثلما كانت جارتي دفلى تعيش وتكبر على ذات الغِرَار. ففي الموت يكبر البشرُ ويشيخون أيضاً.

لا أظن بأنني أرتكب خطأ بمثل هذا الاعتقاد. فالموتى عادةً ما يتنقلون، أو يتم نقلهم من كوكب إلى آخر. ومن نجم إلى جرم، كما تجري الأمور الآن. فما أن يموت المرء على الأرض، حتى يتم توزيعه على نجوم وكواكب ومَجَرَّات الأكوان المختلفة.

وكان ذلك يجرى بطريقة سحب الأرقام في دواليب اليانصيب –اللوتو- ، ليُرسلَ كل واحد إلى مكان ،حسبما عرفتُ باليقين.

وكذلك أيضاً. . يتبادل الموتى المنازل فيما بينهم.

فعندما متُّ أنا، سرعان ما تم ترحيلي إلى مجرة تُدعى “الزعفران”.

مقابل ذلك، فإن أحداً من موتى تلك المجرة نفسها، بُعث إلى الأرض، ليعيش عليها ويحيا. ثمة عمليات تبادل للموتى تجرى ما بين مختلف المجرات والكواكب والنجوم.

لا أعرف إن كان لكل مُرحل بديلاً يسدُّ فراغه بشخص آخر، عادة ما يأتون به من المَجَرّات المجهولة، أم أن رحلات الانبعاث تتم ضمن حسابات رياضية محددة لم أتوصل إلى معرفتها بعد؟!!

كل ذلك ضحك بضحك على الذقون. ربّ سائل يسأل:

ولكن لماذا أظنُ بأن الموت تبادل ما بين المخلوقات، ومبادلات ما بين المَجَرّات التي تدور في هذا الكون العظيم  اللا متناهي؟

لا أريد خوض المزيد من التفاصيل التي تظهرها أفكارٌ من هذا القبيل، ولكن الذي جرى معي، هو  شيء آخر تماماً. وبخلاف ذلك الإدراك تماماً.

فأن أولدَ على الأرض أنا ، ويتم ترحيلي إلى كوكب آخر، بعد كل ما جرى لي في رحم أمي وفي المستشفى،ومن ثم يأتي يومٌ ،تتمُ فيه عملية إعادتي للأرض، مرة أخرى، فتلك حادثة تستوجب التأمل والتحليل والتفسير؟!!

لا أعرف إن كان الموت كمّاً أو كيفاً ضمن العلوم البيولوجية أم ضمن هرطقة الأديان؟

ولكنه في كل الأحوال بخار. كما سبق وأن جرّبت وفهمت.

أنا لا أرغب بمعرفة المزيد الآن. كل ما أريدهُ هو الوصول إلى الفتاة (دفلى) التي تركتها خلفي في تلك المَجَرّة.

هل نزلت هي الأخرى إلى الأرض؟

أم بقيت هناك؟

لأول مرة استمتع بلذّة البكاء على كوكب الأرض.

كيف اكتشفتُ ذلك؟!!

لا أعرف بالضبط. ولكن الدماغ الذي بدأ العمل برأسي، هو منْ راح يعطيني التفسيرات، ويحللُ لي الحوادث، ويمنحني صور العالم السفلي والقدرة على فهم وقائعه.

مع ذلك وجدت نفسي مستيقظاً، وكأنني بطارية،وقد تم شحنها من جديد تماماً، بهدف إعادة تأهيلي، كي أكون عضواً في مفضلّة الحياة.

ها أنني بدأتُ التفكيرَ الجدِّيّ بدفلى.

لم يمنعني ذلك الشعورُ من الاعتقاد بأن تلك الفتاة (دفلى ) قد صُممَ لها عقل استراتيجي خاص، لتكون على وفَرة من الاهتمام والبراعة. إلا أنني وبمقابل ذلك، حاولت تشخيص بعض مفرداتها، وكنت على حق.

فالبنت دفلى، لا يمكن أن تقاسمني الحياة، ما دامت هي  على ضفة وأنا على أخرى. ومع ذلك حلمتُ بأن تكون البنت واضحة دون أسرار عميقة محيّرة.

كل ما لديها من مشاريع، هي بالخط العريض: شيء يشبه الألغاز، وما عليّ إلا اكتشاف تلك الشيفرات  مهما بلغت التضحيات من حجم، خاصة بوجود رغبة غرامية للارتباط بها، كما بتُّ أشعر في الأيام الأخيرة.

 

نواة:

كيف يمكنني العيش على الأرض دون منزل أو معاش أو معين أو مورد، يكفل لي الحياة في مجتمع لا أعرف شيئاً عنه، ولا يعرفُ من أكون أنا بنظره وبنظر قوانينه وشرائعه؟!!

كان ذلك أول سؤال أحتل رأسي بعد أن حطّت قدماي على الأرض .

وجدت نفسي أوراقاً آخذةً بالتحبر باللون الأسود، طمراً لشدّة البياض الذي كنت فيه. ولكنني في الوقت نفسه، شعرت بأن ثمة من يملؤني لأعرف ولأعيش دون خوف.

وهكذا بدأت بالتحوّل السريع من شخص فارغ إلى مخلوق قابل للامتلاء والتعرف على كل أنماط الحياة التي يعيشها البشر في هذا المكان من الكون.

قبل أن ينتهي ذلك الليلُ بساعات قليلة، وجدت جسدي التائه، وهو يمشي على طريق موحشة كئيبة. في البدء لم أشعر بملل أو بضياع. كانت المنطقة شبه مهجورة. ومن النادر أن تعثر على حيوان أليف أو على عمود كهرباء يحمل مصباحاً ينير بضوئه تلك القرية من ذلك العالم الموحش.

هل ضُربَ هذا المكان بزلزال؟

قلت ذلك في نفسي وأنا أتصبب عرقاً بين طبقات الظلام شبه البارد آنذاك. كانت غدد جسمي كلها تعصر ما في جوفها لمقاومة المخاوف التي بدأت بالاستيلاء علىّ، وأنا  في مراحل وجودي الأولى على التراب الجديد.

ثمة نباح كان يتصاعد من رقاب كلاب رثّة. وثمة قطط سائبة كانت تملأ المكان الذي كنت أقطعه  إلى زقاق ضيق في تلك المنطقة العازلة ما بين نفسي وبين إحساسي بالغبن من رحلة العودة، أو من هكذا رمَيّة، كالتي رُميتها من الفضاء البعيد إلى الأرض.

لم يستقر رأسي من ذلك الدْوار المُنهك.

كنت أشعر بأن بخاراً حاراً  كان يتطاير منه. ومع ذلك وجدت جسدي يسقط مني في مكان مشبع بالبخور، وأنا في شبه غيبوبة، بعدما أنهكني التعبُ بالتجوال بحثاً عن مأوى للشخص الذي أصبحت أمثلهُ على الأرض مرة أخرى.

كأن ملايين من الذباب كانت تطنّ بأذني، ساعة خَمَدَ جسدي بالنوم في ذلك المكان الذي لا أعرف كيف وصلتُ إليه؟

لم يطل اللغز. فما أن انبلج الفجرُ، حتى أدركتُ بأن أقداماً كثيرة كانت ترفُسُ جسدي، لتوقظني من نومي الكافر،وطردي من ذلك المكان بقوة شبيهة بقوة الشتائم التي كانت تنهالُُ عليّ دون معرفة السبب. )) .

 

تمتلك هذه الرواية المرعبة قدرة عالية على كشف جحيم الحرب السورية،كما وأنها تستدرج وقائع تلك الحرب إلى الجانب الخيالي ،لتدمج ما بين ما هو واقعي ومدمر في الحرب،وبين ما فانتازي يحاكي تلك الوقائع ،فيخلق المؤلف أسعد الجبوري من ذلك الاندماج، رواية تجتمع فيها الكوارث إلى جانب الصور المتخيلة من الفكر الدموي ومرجعيات الظلام التي هي الأس المهم الذي نهضت عليه الحرب في سوريا.

إنها رواية الروايات.الرواية التي تحصن كاتبها بمخيلّة شاعر ،أخذاً أبعاده الكونية ليدوّن أشياء عن مخلوقات الموت والحياة ،وكيف تصبح الحرب قبراً ليس غير.