بيروت ـ من وسام سعادة:

أيّام قليلة فصلت رحيل عبقريين أعطيا الكثير للعمل الفلسفي في لبنان، وبالذات لقسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية. عادل فاخوري وموسى وهبة. الأوّل هو من دون منازع كبير المناطقة العرب في نصف القرن الأخير. عكف على تبيئة المنطق الرياضي أو الرمزي الحديث إلى العربية، وكانت له مساهمة، وهو مسيحي ولاهوتي التكوين في الأساس، في التعامل مع علم أصول الفقه كنسق منطقي معياري يمكن التأسيس عليه لعلم الأخلاق. والثاني، موسى وهبة من أهــــــمّ الذين أرّقهــم تحدّي نقل أمهات كتب الفلسفة الغربية الحديثة إلى اللغة العربية بلغة فلسفية حديثة، بلغة تفكّر نفسها من خلال تفكيرها في «الأفهوم».
أنجز موسى وهبة اللحظة المفصلية بامتياز في هذا المشروع. سنوات قضاها في ترجمة «نقد العقل المحض» لإيمانويل كانط إلى العربية، بالارتكاز إلى النص الألماني الأصلي، وبالإحالة إلى الترجمات الفرنسية لهذا السفر المؤسس للفلسفة النقدية، لنقد شروط الإمكان المعرفية، انطلاقاً من سؤال «ماذا يمكنني أن أعرف؟».
ولئن ارتبط سؤال كانط هذا (ماذا يمكنني أن أعرف؟) بمصفوفة الأسئلة التي تشكّل بتعانقها الإشكالية الصميمة لحركة التنوير الألمانية، أي بـ(ماذا ينبغي عليّ أن أقوم به؟) و(ما هو مسموح لي أن آمل به) و(ما هو الإنسان؟)، إلا أنّ موسى وهبة بقي إلى فترة طويلة من اشتغاله في الترجمة وفي التعليم في الجامعة، مهموماً بشرط الإمكان المعرفي.
يعود هذا لحركة الانتقال التي جسدتها سيرتها، من الماركسية إلى الكانطية. من نقد ماركسي «مدرسي» لنظرية المعرفة عند أيمانويل كانط تجد نموذجاً لها في كتاب لينين «المادية والنقدية التجريبية»، إلى ارتباط انفكاك وهبة عن الماركسية وعن الحركة الشيوعية، بإدراكه عدم كفاية هذه النظرة الماركسية التقليدية لكانط. لكنه بخلاف من كان ينقدهم لينين، الذين حاولوا أن يمزجوا بين الماركسية والكانطية، اتخذ وهبة وجهة الانتقال من الماركسية إلى الكانطية. ليس «الانتقال إلى الكانطية»، لأن «كانطه» هو بقي صعب الإحالة إلى كانط عصر التنوير أو إلى كانط الكانطية الجديدة أواخر القرن العشرين، أو إلى كانط المختلط بالماركسية عند «النقديين التجريبيين» أو إلى كانط في استعاداته المعاصرة في الفلسفة الفرنسية، كما عند آلان رينو مثلاً. بقي كانط الذي اشتغل عليه موسى وهبة هو الباحث بامتياز في شروط الإمكان النقدية والذهنية لمعرفة الأشياء، وبقي البحث في شروط الإمكان عنده مرتبطا بنظرة للفلسفة كتمرين متواصل على احتمال اللاجدوى، كما كان يقول، وترجم هذا بتشديد استثنائي على مركزية مهمة ترجمة أمهات النصوص في الفلسفة الحديثة العربية إلى العربية، وقد ترجم بعد كانط لهيوم ونيتشه و»المباحث المنطقية» لأدموند هوسرل ونصوص لهيدغر ولفيناس.
لم يعرف لموسى وهبة، بعد، من «نسق فلسفي» قائم بذاته، كما أنّ نصوصه المتناثرة بين المجلات والصحف ودروسه الجامعية تنتظر اليوم من ينهض لاستجماعها وتصنيفها. فمن رحل شخص استثنائي جداً في صنعته. هناك بعد كل شيء ترجمتان تأسيسيتان في العربية المعاصرة. ترجمة موسى وهبة لـ»نقد العقل المحض» لكانط، وترجمة فتحي المسكيني لـ»الوجود والزمان» لهيدغر. لكن، وبخلاف المسكيني الذي عكف على تطوير قول فلسفي مواز لحدث ترجمته للنص الهيدغري، بقيت حركة موسى وهبة متأرجحة بين سلسلة تمارين نصية على هامش العمل الترجمي والتدريسي، وبين نظرة متشائمة بإمكان أن يسلك التفلسف بالعربية درب نضوجه قبل أن تنقل أمهات النصوص الفلسفية الغربية إلى العربية، وهي نظرة يمكن أن تكون باباً لنقد لتجربة موسى. في الوقت نفسه فإن ربع القرن الأخير، شهد فعلاً توسعاً كبيراً في حركة الترجمات الجدية والمعمقة لأمهات الكتب الفلسفية، وهذا وليد حركة ضاغطة في هذا الاتجاه، لعب موسى وهبة دوراً طليعياً في الدفع نحوها.

http://www.alquds.uk/